لأكثر من عام، ظلّت حياة أشجان عبد العال معلّقة بين الحزن والأمل.
ابناها عثمان وسامي مفقودان منذ صباح 29 يونيو/حزيران 2025، حين خرجا من منزل العائلة النازحة في مدينة غزة، ولم يعودا بعدها أبداً.
“أريدهما أن يعودا”، تقول أشجان (36 عاماً) والدموع في عينيها: “أريد يوماً أراهما فيه، وأضمّهما، وأسمع صوتيهما”.
تتذكر أشجان آخر مرة رأتهما فيها. قال الأخوان – عثمان، الذي صار عمره الآن 17 عاماً، وسامي (13 عاماً) – إنهما ذاهبان إلى نقطة توزيع مساعدات قرب ما يُسمى ممر نتساريم في وسط غزة، وعدا شقيقتهما الصغيرة إمارات (6 أعوام) بأن يحضرا لها حلوى. وتذكر أشجان أيضاً أنهما ربما يمرّان بمنزل العائلة القديم في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، كما فعلا في مرات سابقة، لإحضار حذاء لها.
عائلة عبد العال واحدة من آلاف العائلات التي شُرّدت خلال حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي أوقعت أكثر من 73,340 قتيلاً، وفق مسؤولين صحيين، وألحقت دماراً واسعاً بالقطاع المحاصر. وقد وجدت أشجان وزوجها رفعت وأطفالهما مأوى في منزل قريب في مدينة غزة في أبريل/نيسان من العام الماضي، في وقت دفع الجوع وارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية كثيرين إلى المخاطرة بحثاً عن الطعام.
يقول رفعت (41 عاماً): “كان الناس إما يعودون إلى مناطق خطرة أو يذهبون إلى نقاط توزيع المساعدات، لأنه لم يكن أمامهم خيار آخر”.
وفي 1 أغسطس/آب من العام الماضي، قالت الأمم المتحدة إن ما لا يقل عن 1,373 فلسطينياً قُتلوا أثناء بحثهم عن الطعام منذ أواخر مايو/أيار 2025، من بينهم 859 قرب مواقع توزيع المساعدات و514 على طرق قوافل الغذاء.
وفي اليوم الذي غادر فيه عثمان وسامي، كان رفعت بعيداً عن المنزل. هو أيضاً كان قد توجه إلى مواقع توزيع المساعدات المدعومة من الولايات المتحدة قرب منطقة زيكيم شمال غزة.
يتذكر رفعت: “مكثت هناك يوماً ونصف اليوم. وعندما عدت، أخبرتني زوجتي أن الولدين لم يعودا. شعرت بقلق شديد وبدأت أسأل عنهما”.
انتظرت العائلة حتى المساء على أمل أن يعودا، لكن دون جدوى. وفي اليوم التالي، بدأ رفعت يبحث في المستشفيات ومراكز إيواء النازحين وفي بيوت الأقارب، لكنه لم يجد أي أثر لابنيه. ومنذ ذلك الحين، تحول اختفاؤهما إلى بحث لا ينتهي عن إجابات.
روايات متضاربة
جاءت أول خيط بعد أكثر من شهر. قال أحد سكان حي الشجاعية للعائلة إنه رأى أربع جثث قرب منزلهم القديم. كانت اثنتان منها قد حُددت هويتاهما، أما الأخريان فلم تُعرفا.
يقول رفعت إن الأوصاف التي وصلته كانت تشبه ابنيه، لكن العائلة لم تستطع التأكد مما إذا كانت تلك الجثث هي سامي وعثمان.
وبعد يومين، وصلت رسالة مؤلمة أخرى. شارك أحد الأقارب صورة لجثة مجهولة في مستشفى الأهلي العربي، وقال إنها تبدو مثل عثمان.
يتذكر رفعت: “للوهلة الأولى صدمت بشدة. قلت إن هذا ابني عثمان بنسبة 90 بالمئة. ذهبت إلى المستشفى، لكنني عندما رأيت الجثة اكتشفت أنها ليست ابني”.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد التوصل إلى اتفاق “وقف إطلاق النار” بين إسرائيل وحركة حماس، تمكن رفعت من الوصول إلى المنطقة قرب منزلهم القديم في الشجاعية. لم يجد سوى الدمار. يقول: “كان هناك قطعة صاروخ وشظايا وبقايا عظمة صغيرة”.
لكن العائلة لم تعد قادرة بعد ذلك على الوصول إلى المنطقة، لأنها صارت خلف ما يُسمى بالخط الأصفر الذي يفصل مناطق سيطرة إسرائيل داخل غزة.
واصل رفعت البحث عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان، لكن لم تتوفر أي معلومات مؤكدة.
ويقول رفعت إن الغموض كان في بعض الأحيان لا يُحتمل: “في لحظات كثيرة، وبسبب الضغط النفسي الهائل، فكرت في الذهاب إلى دائرة الأحوال المدنية وطلب إصدار شهادتي وفاة رسميتين لهما. لكن حتى ذلك لم يكن ممكناً، لعدم وجود شهود أو أدلة كافية تؤكد وفاتهما”.
آمال وأسئلة بلا إجابة
بعد أشهر، في مايو/أيار، أعادت معلومة جديدة إحياء الأمل لدى العائلة. تلقى رفعت اتصالاً من شقيق زوجته، الذي كان يساعده في التواصل مع منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات دولية ومحامين.
يقول رفعت: “اتصل بي وأخبرني أن محامية من داخل أراضي 1948، قدّمت نفسها كشخص يتابع قضايا المفقودين مع منظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر، قالت إن الولدين على قيد الحياة ومحتجزين في سجني عوفر والنقب الإسرائيليين”.
تتذكر أشجان تلك اللحظة: “أخبرني زوجي، فضممنا بعضنا إلى بعض وبكينا بشدة. بكينا لأننا ظننا أنهما ربما عائدان”.
لكن تلك المعلومة لم تُؤكد رسمياً أبداً. حاولت العائلة التواصل مع المحامية مرة أخرى، لكنها لم تتلق أي رد. كما حاولت الجزيرة الوصول إلى المحامية، لكن أرقام الهواتف التي قدمتها العائلة لم تكن تعمل.
تقول أشجان: “أنا مثل الغريق الذي يتمسك بأي قشة. قلبي يقول لي إنهما على قيد الحياة. أراهما في أحلامي يأتيان إليّ ويقولان لي: لا تبكي”.
وتضيف أنه قبل اختفائهما، كان عثمان، وهو مراهق على طيف التوحد، يلاحظ حزنها قبل أي شخص آخر. “كان يحاول مواساتي بأي طريقة ممكنة. وبسبب طيبته، تعلّق به سامي كثيراً، وكان يتبعه في كل مكان”.
يحاول رفعت حبس دموعه وهو يستمع إلى زوجته وهي تصف ابنيهما. يقول إن الولدين كانا يحاولان مساعدة العائلة رغم اعتراضه على ذلك، إذ كانا يخرجان بحثاً عن المساعدات على أمل إحضار الطعام إلى المنزل.
“منذ أن غادرا، أشعر أنني أعيش في دائرة لا تنتهي”. “لا أستطيع أن أمضي قدمًا، ولا أستطيع أن أتوقف عن التفكير فيما حلّ بهم.”
عائلات عالقة في حالة من عدم اليقين
قصة عائلة عبد العال تعكس معاناة واسعة تعيشها عائلات كثيرة في غزة تبحث عن أقرباء مفقودين، في ظل غياب المعلومات المؤكدة وانتشار أخبار متضاربة.
ويقدّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نحو 11,200 شخص ما زالوا في عداد المفقودين في القطاع، بينهم من يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الركام، وآخرون لا يُعرف مكانهم.
وتقول ندى أبو عيطة، مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسريًا، إن أحد أكبر التحديات في توثيق حالات المفقودين هو ما تصفه بـ“تعدد المصادر”.
وتوضح أن عمل المركز يعتمد على التواصل مع العائلات، وجمع التفاصيل حول حالات الاختفاء، وتوثيق الظروف المحيطة بكل حالة.
لكن بالنسبة لعائلات تعيش أصلًا وسط الحرب والنزوح والفقدان، فإن عدم معرفة مصير شخص عزيز يضيف طبقة أخرى من المعاناة.
وتضيف أبو عيطة: “إنهم يعيشون في حالة من عدم اليقين تمنعهم من مواصلة حياتهم أو حتى تجاوز حزنهم على المفقود. في الصباح يبحثون عن أمل في العثور عليهم، وفي المساء يقتنعون أنهم ماتوا”.
وتقول إن هذا الغموض المؤلم يجعل العائلات أكثر عرضة للانخداع بمعلومات من مصادر غير رسمية، خاصة عندما تقدم تلك المصادر إمكانية العثور على المفقودين.
غياب المعلومات الكاملة من الجانب الإسرائيلي، حتى بالنسبة للمنظمات الدولية، يجعل بعض العائلات تعتقد أن وسطاء غير رسميين أو محامين قد يملكون معلومات لا تملكها المؤسسات المعروفة.
وتقول أبو عيطة إن المركز تلقى بلاغات كثيرة من عائلات اتصل بها أشخاص يدّعون أنهم محامون أو ممثلون لمنظمات، وأخبروهم أن أقرباءهم محتجزون في السجون الإسرائيلية.
لكن بعد فحص بعض هذه الحالات والتحقق من المنظمات التي ادعى هؤلاء الأشخاص تمثيلها، وجد المركز أن بعض تلك المؤسسات غير موجودة، وأن بعض الأسماء تبدو مختلقة.
وتضيف أبو عيطة: “لا يمكننا إجبار العائلات على تصديق هذه المعلومات أو رفضها”.
وتتابع: “في حالات كثيرة، تختار العائلات تصديق هذه البلاغات، التي نصنفها في المركز على أنها مضللة، لأنها تريد التمسك بأي أمل قد يعيد ابنها إليها”. وتشير إلى أن غياب قوائم رسمية شاملة للمعتقلين يجعل الوضع أكثر صعوبة.
طلبات مفتوحة
يقول بات غريفيثز، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القدس، إن عمل المنظمة يبدأ بما يُعرف بـ“طلب التتبع”.
فعندما تتقدم عائلة إلى اللجنة، تقوم المنظمة بجمع بيانات الاتصال، ومعلومات عن الشخص المفقود، وأي تفاصيل متاحة عن ظروف الاختفاء. وهذا يسمح للمنظمة بمشاركة المعلومات المؤكدة متى توفرت.
لكن غريفيثز يقول إن العملية غالبًا ما تكون صعبة للغاية. ويضيف: “هذا العمل بطيء ومعقّد ومحبط في كثير من الأحيان. لا تتوفر لدينا دائمًا إجابات نشاركها مع العائلات”.
ومن أكبر العقبات التي تواجه اللجنة الدولية، أنها لم تتمكن من الوصول إلى أماكن الاحتجاز الإسرائيلية منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، رغم استمرار الحوار مع السلطات الإسرائيلية لاستعادة هذا الوصول.
ويقول غريفيثز: “هذا يعني أننا لم نعد قادرين على تأكيد العائلات هوية المعتقلين كما كنا نفعل سابقًا”.
أما في الحالات التي يُعتقد فيها أن الأشخاص قد قُتلوا، فيقول غريفيثز إن هناك تحديات كبيرة تتعلق بالبحث عن الرفات والتعرّف عليها عبر الفحوصات الجنائية. ويضيف أن هذه الصعوبات قد تؤخر تأكيد المعلومات للعائلات لأشهر أو حتى سنوات.
ويقول: “العيش في هذه المنطقة الرمادية، دون معرفة مصير أو مكان شخص عزيز مفقود، هو ألم مريع وفريد من نوعه. نحن نتحدث مع عائلات كثيرة تمر بهذه التجربة”.
ويشير غريفيثز إلى أن اللجنة الدولية لديها حاليًا “آلاف طلبات التتبع المفتوحة”، لكنها لا تنشر رقمًا محددًا للمفقودين لأن الرقم يتغير يوميًا مع فتح حالات جديدة وإغلاق حالات أخرى.
وعندما تتوفر معلومات مؤكدة، تضيف المنظمة، تتواصل مع العائلة التي فتحت الطلب، سواء كان الشخص محتجزًا في مكان ما، أو غير قادر على التواصل، أو في أسوأ الحالات، قد توفي.
ويقول: “في النهاية، للعائلات الحق في معرفة مصير أو مكان أحبائهم. سواء كان ذلك بمساعدتهم على إغلاق ملف الفقدان، أو أملًا في استئناف التواصل أو لم شملهم مع عزيز لديهم، فإننا نقوم بهذا العمل من أجلهم”.
بالنسبة لرفعت، لم تعد أي معلومة جديدة تريحه. بل على العكس، تطيل ألمه لأن العائلة لا تستطيع التحقق منها.
يقول: “لا أريد أن أبحث إلى الأبد. أريد أن أعرف. عندما يكون لدى الإنسان شخص مفقود، لا يستطيع أن يحزن عليه، ولا يستطيع أن يحتفل بعودته”.
أما أشجان، فتقول إن كل ما تريده “هو معلومة واحدة مؤكدة عن مصيرهم”.
وتضيف بصوت يخنقه البكاء: “إذا كانوا ماتوا، قولوا لنا. وإذا كانوا أحياء، قولوا لنا”.