كثّفت القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية في قطاع غزة منذ الإعلان عن خارطة طريق المرحلة الثانية من «وقف إطلاق النار» الأسبوع الماضي. ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبول حماس للاتفاق بأنه خطوة هائلة نحو الأمن والاستقرار. لكن الواقع في غزة مختلف تماماً؛ إذ قُتل يوم السبت 19 فلسطينياً على الأقل في هجمات إسرائيلية، ليرتفع عدد قتلى عطلة نهاية الأسبوع إلى 26 شخصاً، بينهم نساء وأطفال.
ورغم موافقة حماس على نزع السلاح على مراحل، تقول الحكومة الإسرائيلية إن لديها «مخاوف أمنية جدية» بشأن الخطة، وتواجه الاتفاق معارضة قوية من سياسيين إسرائيليين. ومن المرجح أن يؤدي القصف المستمر على غزة، الذي يمثل استمراراً لانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الأول، إلى تهديد خطة ترامب وتفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية بالفعل في القطاع.
موت مفاجئ
شهدت غزة زيادة كبيرة في الهجمات منذ إعلان ترامب، وهو ما يتناقض بوضوح مع التقدم الدبلوماسي الذي بشرت به واشنطن. كان «مجلس السلام» و«القوة الدولية لتثبيت الاستقرار» المشرفان على إدارة غزة بعد الحرب، قد أعلنا التوصل إلى اتفاق لتنفيذ المرحلة التالية من «وقف إطلاق النار» بناءً على خارطة طريق مفصلة من 15 نقطة. وبينما أعلنت حماس موافقتها الرسمية على الوثيقة، ثارت تساؤلات حول احتمال انسحاب الفصائل الفلسطينية في نهاية المطاف بسبب الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على القطاع.
وقال إياد القرّة، محلل سياسي فلسطيني مقيم في غزة، لقناة الجزيرة إن هذه الخطوة ستكون مغامرة غير محسوبة لحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى. وأضاف: «لا يزال هناك أمل في ألا تصل الفصائل إلى هذه المرحلة. وإلا، يُخشى أن يكون الثمن أكبر، لأن إسرائيل ستستغل ذلك لشن حرب أوسع على غزة. ومن الضروري ألا تعطي الفصائل لإسرائيل أي ذريعة أو مبرر لتجعل الأمر يبدو وكأن الطرفين يتحملان المسؤولية بالتساوي عن الفشل».
ذريعة الأسلحة
بدلاً من الترحيب بخارطة الطريق، عملت الحكومة الإسرائيلية بنشاط على فرض شروط جديدة صارمة. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن الحكومة تطلب نزع سلاح حماس بالكامل، وتسليم الأسلحة إلى دولة غربية، كما تصر على ألا يكون لأي جهة فلسطينية دور في إدارة عملية نزع السلاح. وقال دورون شبايلمان، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن القوات الإسرائيلية لن تنسحب قبل نزع السلاح الكامل لحماس، وهو ما يزيد العملية تعقيداً.
أما القرّة فرأى أن «أولوية حماس والفصائل اليوم هي تخفيف المعاناة عن السكان، وليس إعادة الأسلحة أو ورش العمل العسكرية. ومع أن الفصائل وافقت على تقييد هذه الأسلحة تحت إشراف دولي أو إقليمي لوقف الحرب، فإنها لن تشرّع أبداً الإلغاء الكامل لمفهوم المقاومة الفلسطينية».
مناورات انتخابية
ويرى خبراء أن حسابات سياسية داخلية عميقة تحكم موقف نتنياهو الغامض من قضية غزة، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر/تشرين الأول. ولاحظ مثانس شحادة، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، أن الحكومة تتعامل مع تفاهمات غزة بوصفها مجرد مناورة تكتيكية. وقال: «تسعى إسرائيل إلى مواصلة القتل والتجويع والحصار في القطاع، وإعاقة أي تقدم عملي حقيقي في المرحلة الثانية من الاتفاق، دون أن تعلن صراحة رفضها لخارطة الطريق».
كما يحاول نتنياهو تجنب مواجهة علنية مع ترامب باسترضائه، ربما عبر السماح بزيادات محدودة في إدخال المساعدات إلى غزة، مع المماطلة في القضايا الجوهرية مثل الانسحاب العسكري. وأضاف شحادة: «ستواصل حكومة بنيامين نتنياهو سياسة المماطلة والمراوغة والتعطيل حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول، لأن أي تنفيذ جاد لخارطة الطريق المتفق عليها سيضر نتنياهو انتخابياً».
وأكد المحلل السياسي أحمد الحيلة هذا التقييم، متوقعاً فترة طويلة من الغموض المتعمد تهدف إلى تقويض الاتفاق عبر القوة العسكرية على الأرض. وقال الحيلة للجزيرة: «يرى نتنياهو والائتلاف الحكومي أن قبول الاتفاق يشكل انتكاسة سياسية وانتخابية، لأنه يحفظ للفلسطينيين مبدأ الحق في المقاومة، ويمنع التهجير، ويفتح الباب لإعادة إعمار غزة». وأضاف أن رفض إسرائيل تحديد موقفها رسمياً يجعل فترة التفاوض الحاسمة البالغة 14 يوماً لوضع بروتوكولات التنفيذ مجمدة تماماً.
إدارة الركام
كما ترفض القوات الإسرائيلية الانسحاب من منطقة «الخط الأصفر» الأولى، وهي منطقة تشكل حوالي 52 بالمئة من مساحة قطاع غزة، وتريد حرية كاملة في تنفيذ عمليات عسكرية في جميع أنحاء القطاع. وفي المقابل، تدعو خارطة الطريق إلى تمكين إدارة فلسطينية مستقلة وذات طابع تقني لإدارة الشؤون المدنية وإعادة الإعمار في القطاع. ويقول القرّة إن منح إسرائيل حرية عسكرية كاملة يجعل أي إدارة فلسطينية بلا معنى تماماً.
«حرية العمل الإسرائيلية في غزة تعني عملياً احتلالاً كاملاً. اللجنة الإدارية لا يمكنها أن تعمل في فراغ؛ فهي تحتاج إلى آليات ثقيلة ومعابر مفتوحة وبيئة مناسبة لإعادة بناء البنية التحتية والمدارس»، يقول القرّة. ويضيف: «إذا عملت لجنة إدارية في مناطق تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، سينظر الناس إليها باعتبارها مجرد ميليشيا متعاونة مع الاحتلال».
عزلة دبلوماسية
كما قدمت إسرائيل اعتراضات رسمية على مشاركة قطر وتركيا في آليات التحقق من خارطة الطريق، وطالبت باستبعادهما من عملية الإشراف. ويرى القرّة أن هذا محاولة لتجريد الفلسطينيين من ثقلهم الدبلوماسي الإقليمي. وقال: «تعتقد إسرائيل أن أحد مصادر قوة حماس اليوم على المستوى الدبلوماسي هو علاقتها القوية بقطر وتركيا. وبالتحريض ضد الدور القطري، تحاول تل أبيب عزل الجانب الفلسطيني وتجريده من أي سند سياسي إقليمي يضمن التزام إسرائيل بالتزاماتها».
ومع استمرار تعثر العملية الدبلوماسية، تواصل الثقة في الدور الأميركي كوسيط نزيه في التآكل. استخدم نيكولاي ملادينوف، المبعوث الرئيسي لهيئة السلام، منصة «إكس» للتعبير عن إدانته للتصعيد العسكري، لكنه تجنّب تسمية إسرائيل بشكل مباشر بصفتها المسؤولة عن الهجمات.
وقال ملادينوف في تدوينته: «أدت ضربات استمرت يومين في مختلف أنحاء غزة إلى مقتل مدنيين وتدمير إمدادات طبية يعتمد عليها الناس»، مضيفًا أن «تحقيق سلام دائم أمر صعب لكنه ممكن إذا بذل الجميع قصارى جهدهم»، في تذكير واسع لكلا الطرفين بالتزاماتهما الملزمة.
من جهته، علّق القرة على الدور الأميركي، مؤكدًا أن القيادة الفلسطينية لا تضع أي أوهام بشأن انحياز واشنطن.
وقال القرة: «المسألة ليست مسألة ثقة، بل القدرة على تحييد الولايات المتحدة عن كونها شريكًا كاملًا مع إسرائيل».
وأضاف: «الفصائل تدرك الصراع الإقليمي الأوسع، وهدفها هو الحفاظ على قنوات التواصل، وتزويد الجانب الفلسطيني ببيانات حول الانتهاكات الإسرائيلية، ومنع واشنطن من إعطاء ضوء أخضر لإسرائيل لتدمير ما تبقى من غزة بالكامل».