زوطار الغربية، لبنان – في الرابع من أغسطس من كل عام، منذ 2020، تجتمع عائلات ضحايا الانفجار الهائل في مرفأ بيروت قرب موقع ما كان واحداً من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث. وما زالت هذه العائلات تضغط على السلطات اللبنانية من أجل العدالة والمحاسبة عن انفجار نترات الأمونيوم التي خُزنت بطريقة غير آمنة إلى جانب مواد سريعة الاشتعال. لكن لم يتحقق شيء من ذلك، رغم تغيير في القيادة وعد بدعم قضاء مستقل في قضية الانفجار الذي أوقع أكثر من 200 قتيل.
هذا العام لم أتمكن من حضور الذكرى، لأنني كنت أغطي مأساة أخرى، وهي الأحدث التي تحلّ بلبنان. كنت في زوطار الغربية، وهي بلدة صغيرة في جنوب لبنان صارت أطلالاً بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف، وأحياناً هدم متعمد لبيوت الناس، وسط القتال مع حزب الله اللبناني. يحاول السكان أن يبدأوا من جديد، لكنهم لا يستطيعون.
تقاتل إسرائيل وحزب الله منذ أكتوبر 2023، بدرجات متفاوتة من الشدة. وقد صعّدت إسرائيل النزاع مرتين: الأولى في سبتمبر 2024، والثانية في أوائل مارس من هذا العام، بعد بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ولم يكن سكان زوطار الغربية قد تعافوا من التصعيد الأول حتى وجدوا أنفسهم يفرون من القصف وينزحون من جديد.
معظم منازل البلدة متضررة لدرجة أنها غير صالحة للسكن. رأيت رجلاً في الثمانينيات من عمره يبكي وهو يريني جبل الخرسانة الذي كان منزله. قال: “أشعر بالمهانة. ليس لدي خيار سوى جمع الخردة المعدنية من منزلي المدمر لبيعها لكي أتمكن من البقاء على قيد الحياة.”
في 2019، انهار اقتصاد لبنان وعملته المحلية وقطاعه المصرفي بشكل شبه كامل، فلم يعد الناس قادرين على الوصول إلى مدخراتهم. ولم تفعل الطبقة السياسية شيئاً يذكر، إن فعلت، لإجراء الإصلاحات المالية المطلوبة لجذب تمويل دولي تشتد الحاجة إليه.
فاتورة إعادة الإعمار بعد التصعيد الأخير تقدر بمليارات الدولارات. لا يملك المسؤولون رقماً دقيقاً، لكنهم يقولون إنها قد تصل إلى 20 مليار دولار. وقد يكون هذا التقدير متحفظاً. أنا أزور قرى في أنحاء جنوب لبنان منذ تراجع العنف قبل أسابيع قليلة. الدمار غير مسبوق، والخدمات الأساسية لم تعد متوفرة، وفي بعض المناطق لا توجد شبكات اتصالات.
وهناك أيضاً عشرات القرى التي لا نستطيع الوصول إليها لأن الجيش الإسرائيلي يحتلّها. هناك، ما تزال المنازل تُهدم، ومرافق المياه تُدمّر، والأراضي الزراعية وبساتين الزيتون تُحرق. ويستمر هذا التدمير المتعمد رغم ما يفترض أنه وقف إطلاق نار، ورغم الاتفاق الإطاري مع لبنان، ورغم إدانة مسؤولين لبنانيين اتخذوا القرار المثير للجدل والانقسام بالدخول في محادثات مباشرة مع إسرائيل.
إعادة الإعمار ورقة ضغط
عندما تصاعد القتال في مارس من هذا العام، لم تكن إعادة الإعمار من جولة القتال السابقة في 2024 قد بدأت أصلاً. وقتها، قدّر البنك الدولي الخسائر بـ11 مليار دولار، وهو مبلغ لم تملكه الحكومة اللبنانية التي كانت شبه مفلسة. وقتها، كما هو الحال الآن، لم يقدم المانحون الدوليون أي مساعدة. وكانت مساعدات إعادة الإعمار ولا تزال تُستخدم كورقة ضغط لفرض نزع سلاح حزب الله.
لم يكن الأمر مجرد نقص في الأموال. خلال الأشهر الخمسة عشر بين وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 والتصعيد الأخير، واصل الجيش الإسرائيلي الضغط عبر استهداف كل جهود التعافي وإعادة البناء في جنوب لبنان بشكل منهجي. فقد استهدفت القوات الإسرائيلية الآليات الثقيلة ومعدات البناء، ودمرت المصانع والبيوت الجاهزة، وهاجمت العمال الذين كانوا يزيلون الركام لمنع النازحين من العودة. وكان نحو مئة ألف شخص قد نزحوا بالفعل قبل حرب هذا العام التي أجبرت أكثر من مليون شخص على مغادرة منازلهم.
المزيد من الدمار
في الذكرى السادسة لانفجار المرفأ، يجد لبنان نفسه أمام دمار جديد. أذكر أنني كتبت الكلمات نفسها العام الماضي، في الذكرى الخامسة. وكما في 2025، جاء دمار هذا العام من خارج البلاد، أي من إسرائيل. مناطق نفوذ حزب الله ما تزال مغطاة بالركام بعد الهجمات الإسرائيلية.
ومرة أخرى، ثمة حاجة إلى إعادة البناء. ومرة أخرى، يضطر كثير من اللبنانيين إلى جمع شظايا حياتهم بأنفسهم. وبينما يحاولون ذلك، يعيشون في خوف. في بلدة المنصوري الواقعة على خط الجبهة، التقينا رئيس بلديتها حيدر مديحي، فقال لنا ألا نقترب من التلال المحيطة بوسط البلدة. وأضاف: “الإسرائيليون يلقون قنابل صوتية كلما حاول أحد الوصول إلى تلك المناطق… كل يوم هناك إطلاق نار رشاش حول القرية… وقبل أيام كانت هناك غارات جوية على التلال… لا استقرار.”
وهذه قصة نسمعها مراراً وتكراراً في القرى الواقعة شمال منطقة الاحتلال. الهدوء النسبي هشّ، ولا يوجد أي اتفاق يضمن ألا تعود إسرائيل وحزب الله إلى الحرب مرة أخرى. إسرائيل تتصرف وكأنه لا يوجد وقف لإطلاق النار، في حين أن الاتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل، الذي وصفته الولايات المتحدة بأنه “تاريخي”، لا يتضمن التزاماً أو جدولاً زمنياً لانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.