بعد الفيضانات.. الجوع يضرب موزمبيق في كارثة ثانية

بعد أشهر من اجتياح مياه الفيضانات حيّه، ما زال جواكيم بينتو يمشي أمام قطع الأراضي الفارغة التي كانت يوماً ما مزارعه. الأرض التي كانت تطعم أسرته وتمدّه بالدخل أصبحت اليوم مجرد تذكير بما فُقد. اختفت مواشيه، وابتلعت الفيضانات الحدائق التي كانت توفر له الطعام والأمان.

لكن بينتو البالغ من العمر 50 عاماً، لم تنتهِ الكارثة عندما انحسرت المياه. بالنسبة إلى هذا المقيم في شاي-شاي بمحافظة غزة جنوبي موزمبيق، كانت النجاة من الفيضان مجرد بداية المعاناة.

قال بينتو للجزيرة: «إما أن نموت بسبب الفيضان، أو إن نجونا يأتينا الجوع».

اجتاحت الفيضانات موزمبيق من أواخر ديسمبر 2025 إلى أوائل 2026، تاركة مجتمعات مثل مجتمع بينتو تواجه أزمة ثانية: تدبير ما يكفي من المال لشراء الطعام بعد أن فقدوا القدرة على إنتاج معظمه بأنفسهم.

أضاف: «دمرت الفيضانات آبارنا ومواسيرنا ومواشينا وحدائقنا، وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل حاد».

### خسارة المحاصيل

ما تزال موزمبيق تتعافى من أحد أكثر مواسم الفيضانات تدميراً في السنوات الأخيرة. أثرت الكارثة على مجتمعات في عدة مقاطعات وسطى وجنوبية، من بينها غزة ومابوتو وإينهامبان وسوفالا وزامبيزيا.

بالنسبة إلى الأسر الزراعية، كان الدمار فورياً: اختفت الحقول تحت الماء، وفُقدت المحاصيل، وتضررت الطرق التي كانت تستخدم لنقل الطعام من المزارع إلى الأسواق.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تأثر نحو 275,405 هكتارات من الأراضي الزراعية، وهو ما هدد سبل عيش نحو 314,783 مزارعاً.

في ريف موزمبيق، الزراعة ليست مجرد مصدر دخل، بل هي شبكة أمان للأسرة. قبل الفيضانات، كانت حديقة بينتو تقلل اعتماده على المتاجر والتجار؛ إذ كانت توفر الطعام لأسرته وتساعدها في مواجهة الزيادات المفاجئة في الأسعار. أما الآن، فالحدائق حول حيّه أصبحت فارغة، وعلى الأسر التي كانت تعتمد على محاصيلها أن تلجأ إلى أسواق ارتفعت أسعارها.

يقرأ  متمردون يعلنون سيطرتهم على مقر الجيش السوداني في مدينة استراتيجية

وحذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن الفيضانات عطّلت وصول الغذاء إلى الناس في مناطق متضررة كثيرة. أصبحت الطرق غير سالكة، وتوقفت الأسواق عن العمل في بعض المجتمعات، وارتفعت تكاليف النقل. وفي الأماكن التي قطعت فيها مياه الفيضان الطرق، لم يعد الغذاء يصل بسهولة إلى المحتاجين.

في الوقت نفسه، انخفض الإنتاج المحلي مع تضرر الأراضي الزراعية.

قالت آنا ماتو هومبري، المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي في موزمبيق، للجزيرة: «رغم أن معدل التضخم يختلف من منطقة إلى أخرى، فإن ما نراه على أرض الواقع هو ضغط كبير على أسعار المواد الغذائية، بسبب انخفاض حاد في المعروض، إلى جانب زيادة كبيرة في الاحتياجات الإنسانية».

وأضافت: «في مناطق كثيرة متضررة من الفيضانات، فُقدت مخزونات الغذاء، ودُمرت الأراضي الزراعية، والعديد من الأسواق لا يعمل إطلاقاً». وقالت إنه لا يمكن استبعاد حالات معزولة لتجار يستغلون النقص، لكن يبدو أن السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار هو فقدان الإنتاج وتعطل طرق الإمداد.

### ارتفاع الأسعار

امتدت آثار الفيضانات إلى ما هو أبعد من الحقول المتضررة.

قال تافادزواناشي مابهاودي، أستاذ تغير المناخ والنظم الغذائية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي: «في كل مرة تشهد منطقة الجنوب الأفريقي فيضانات أو جفافاً، ترتفع أسعار الغذاء بسبب نقص الإمدادات وارتفاع تكلفة استيراد الغذاء».

وأوضح مابهاودي، وهو من أبناء المنطقة ودرس التهديدات المناخية التي تواجه النظم الغذائية في الجنوب الأفريقي، أن الكوارث المتكررة تغيّر طريقة بقاء المجتمعات الهشة. وأضاف للجزيرة: «ويعني أيضاً أن غذاء الناس يصبح أقل تنوعاً لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى مجموعة من الأطعمة».

وجاءت الفيضانات الأخيرة بينما كانت المجتمعات ما تزال تتعافى من الجفاف الشديد المرتبط بظاهرة النينيو المناخية في 2024-2025، والتي أثرت على الإنتاج الزراعي في أجزاء من الجنوب الأفريقي. وبالنسبة إلى الأسر التي أضعفها الجفاف بالفعل، فإن كارثة أخرى لا تترك لها وقتاً للتعافي.

يقرأ  مزارعو كوبربلت في زامبيا يرفعون دعوى ضد شركات تعدين مرتبطة بالصينمتهمون بتسبب «كارثة بيئية»

### انقطاع طرق الإمداد

وصلت الأزمة أيضاً إلى التجار الذين يحاولون مواصلة نقل الغذاء.

قال شوا أنوليس، سائق شاحنة وتاجر طعام في شاي-شاي: «لم يكن أمامنا خيار سوى إضافة 10% إلى سعر الأرز والدقيق والدجاج الحي ومنتجات أخرى».

عطّلت الفيضانات طرق النقل الرئيسية التي تربط جنوب موزمبيق وشمالها، ما دفع تكاليف الوقود والتوصيل إلى الارتفاع. وأضاف أنوليس للجزيرة: «انظر إلى الطريق السريع الرئيسي الذي يربط جنوب البلاد بشمالها؛ لقد غمرته المياه وأصبح غير سالك. وتكاليف الوقود ما زالت مرتفعة أيضاً».

وقال إن سعر الدجاج المجهّز ارتفع بعد الفيضانات، لأن نقل الطعام وتوفيره أصبح أكثر تكلفة. «إنها تجارة، ومسألة بقاء».

لكن بالنسبة إلى الأسر التي خسرت محاصيلها، فإن الأسعار المرتفعة تضيف عبئاً جديداً. فالتجار يحاولون تغطية التكاليف المرتفعة، بينما تكافح الأسر التي كانت تطعم نفسها من أرضها لشراء ما تحتاج إليه.

### عبء مناخي

تتحمل موزمبيق مراراً تكاليف الظواهر المناخية المتطرفة، رغم أن مساهمتها في انبعاثات الغازات الدفيئة المسؤولة عن الاحتباس الحراري ضئيلة. ويتحدد حجم تعرض البلاد لهذه الكوارث بموقعها الجغرافي، واعتمادها على الزراعة، ومحدودية الموارد المتاحة لإعادة البناء بعد الكوارث.

ويشير مابهاودي إلى أن موقع موزمبيق في اتجاه مجرى الأنهار الكبرى يزيد من هشاشتها أيضاً، لأن الفيضانات يمكن أن تتأثر بهطول الأمطار وبأنشطة استخدام الأراضي خارج حدودها.

لكن الأثر لا يُقاس فقط بالمحاصيل المفقودة والمنازل المتضررة. فالكوارث المتكررة تقلص الوقت المتاح للمجتمعات للتعافي. فالأسر تفقد محاصيلها، وتبدأ في إعادة البناء، ثم تواجه صدمة أخرى قبل أن تستعيد توازنها.

### تعافٍ معلّق

بالنسبة إلى بينتو وآلاف غيره من الناجين، فإن انحسار مياه الفيضانات لم يكن نهاية الأزمة. التحدي اليوم هو إعادة بناء سبل العيش قبل حلول الصدمة التالية.

يقرأ  من هو الكونت بنفَيس، المرشح البرلماني في دائرة كلاكتون البريطانية وهل يفوق في الشهرة نايجل فاراج؟

وقال مابهاودي: «المجتمعات نفسها التي دمر الجفاف محاصيلها ما تزال تتعافى، والآن دمرتها الفيضانات. هناك حدود لقدرة الناس على تحمل الكوارث المتتالية». لا يوجد نص مصدر مرفق لأقوم بإعادة كتابته. يرجى إرسال المقال الذي ترغب في إعادة صياغته بالعربية.

أضف تعليق