قيود السفر الإسرائيلية والأوروبية تحاصر طلاب غزة

مريم النجار، طالبة تبلغ من العمر 24 عاماً من خان يونس في غزة، كانت تنتظر رسالة قد تغيّر حياتها. وبعد أسبوعين من تقديمها للحصول على منحة دراسية من جامعة كاسينو وجنوب لاتسيو في إيطاليا، وصلها بريد إلكتروني جعلها تشعر، ولو للحظات، أن سنوات الدراسة الطويلة بدأت تؤتي ثمارها.

أكدت الجامعة أنها حصلت على مقعد لنيل درجة الماجستير في الاقتصاد والإدارة. وكانت هذه واحدة من المرات القليلة التي شعرت فيها مريم بالأمل خلال فترة طويلة من اليأس. وقالت للجزيرة: “القبول كان بمثابة شعاع نور ظهر فجأة، وأعاد إليّ الإحساس بالحياة والأمل. كنت أتقدّم للمنح وأنا أشعر بيأس عميق، ولم أكن أتوقع أن أحصل على أي قبول”.

لم تكن المنحة مجرد فرصة لمريم لمواصلة دراستها العليا في جامعة مرموقة، بل منحتها أملاً في مستقبل جديد وسط الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في غزة.

لكن الحصول على مقعد في الجامعة فتح الباب أمام مجموعة جديدة من التحديات. فإيطاليا كانت وجهة رئيسية لإجلاء الطلاب الفلسطينيين من قطاع غزة بين عامي 2025 و2026. وتم إجلاء نحو 229 طالباً من غزة قبل مايو/أيار 2026، وانضم إليهم حوالي 40 طالباً آخر في يونيو/حزيران 2026.

ويعود جزء من الطلب الكبير على إيطاليا إلى انخفاض تكاليف المعيشة والرسوم الدراسية مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية. ففي إيطاليا تبلغ التكلفة السنوية للطالب حوالي 10,200 يورو (11,773 دولاراً)، بينما تتراوح في المملكة المتحدة بين 30,000 جنيه إسترليني (40,408 دولارات) و60,000 جنيه إسترليني (80,820 دولاراً) في السنة.

بالنسبة لمريم، لم تكن هذه التكاليف، رغم أنها ما تزال مرتفعة، هي التحدي الأكبر؛ بل كانت الصعوبة في كيفية الوصول إلى إيطاليا في ظل الحصار الإسرائيلي على غزة. وقالت: “لم أصدق أن السفر أصبح مضموناً، لأن القبول كان مجرد بداية الطريق. ما تزال هناك خطوات وتحديات كثيرة يجب تخطيها”.

يقرأ  حماس تنفي اتهامات الأمم المتحدة بشأن التعامل مع توزيع المساعدات في غزة

تقدّمت مريم بطلب للحصول على تأشيرة وتمت الموافقة عليه، ثم تواصلت مع عدة منظمات يمكن أن تساعدها في رحلتها إلى إيطاليا. لكن القيود الإسرائيلية على السفر، التي أصبحت أكثر تشدداً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تعني أنها لم تحصل بعد على إذن بمغادرة غزة. وهذا جعل وصولها إلى الجامعة في الوقت المحدد لبدء الفصل الدراسي الخريفي موضع شك.

كل يوم يمرّ في غزة المحاصرة يزيد شعور مريم بأن الفرص تضيع، خصوصاً وأن إسرائيل كادت أن تدمّر قطاع التعليم والبنية التحتية في القطاع بالكامل. وأضافت: “الأمر لا يبدو مجرد رحلة من أجل التعليم، بل أصبح تحدياً كبيراً. كثير من الطلاب رُفضت طلبات تأشيراتهم أكثر من مرة، وهناك عقبات تمنع الطلاب من السفر ومواصلة الدراسة في الخارج”.

وتابعت: “بعد سنوات من المحاولة والتمسك بالأمل، أصبح فقدان هذه الفرصة أو تأجيل دراستي كابوساً أخشى أن يتحقق. هذه المنحة تمثل لي أكثر من مجرد تعليم؛ إنها طريق نحو مستقبل حاولت الوصول إليه رغم كل الظروف”.

كثير من الطلاب في غزة حصلوا على عروض مماثلة للدراسة في الخارج، لكن آمالهم تحطمت بسبب صعوبات السفر والتمويل. وقالت مريم: “خلف كل طلب وكل منحة هناك طالب يحمل حلماً يحاول فقط ألا يفقد مستقبله. المنحة ليست مجرد فرصة للدراسة، بل هي أمل في ألا تتحول سنوات صمودنا ونضالنا أثناء الحرب إلى حلم ضائع”.

من جانبها، قالت وزارة الخارجية الإيطالية إنها تعمل مع الجامعات للمساعدة في تسهيل سفر الطلاب من غزة إلى إيطاليا. لكن البروفيسورة جوفانا تشيتي من جامعة بولونيا رأت أن العقبة الرئيسية أمام الطلاب ليست الحصول على القبول الجامعي، بل التعامل مع بيروقراطية معقدة، سواء لمغادرة غزة أو لدخول إيطاليا.

يقرأ  في الجولف، ومن خلاله:الإطار الجديد لإل آي في يضع الأثر في صميم الرياضة الاحترافية

وقالت تشيتي: “العقبة الرئيسية أمام الطلاب الفلسطينيين من غزة ليست الحصول على القبول الجامعي نفسه، بل قدرتهم على مغادرة غزة واستكمال الإجراءات المطلوبة للوصول إلى إيطاليا. حتى بعد الحصول على القبول، يحتاج الطلاب إلى إذن بمغادرة غزة، وفي كثير من الحالات عليهم العبور عبر إسرائيل والأردن”.

وأضافت: “الممرات الإنسانية تتطلب مفاوضات دبلوماسية مكثفة، لأن الحصول على تصاريح الخروج من غزة صعب للغاية. الطلاب مؤهلون أكاديمياً ولديهم دافع كبير. المشكلة ليست في قدرتهم على الدراسة، بل في إنشاء مسار واضح وموثوق ليصلوا إلى جامعاتهم. التأخير في إجراءات السفر أصبح مصدر قلق كبير للطلاب الذين حصلوا بالفعل على منح ومقاعد جامعية”.

مع تزايد أعداد الطلاب الذين يجدون أنفسهم في أوضاع مشابهة لوضع مريم، ظهرت مبادرات تركّز على المنح الدراسية وسفر الطلاب لمواجهة هذا التحدي المتنامي. ومن بين هذه المبادرات “غزة+40″، التي تضم أكثر من 1,200 طالب فلسطيني مسجل يسعون للحصول على مساعدة لمواصلة تعليمهم خارج غزة. وهؤلاء الطلاب معرضون لخطر فقدان منحهم أو مقاعدهم الجامعية إذا لم يصلوا إلى جامعاتهم في المواعيد المحددة للتسجيل.

أكثر من 500 من هؤلاء الطلاب حصلوا بالفعل على عروض جامعية من مؤسسات في مختلف أنحاء أوروبا، بينما يواصل آخرون تلقي الدعم خلال عملية التقديم والمنح. وتقول المبادرة إن التسجيلات ما تزال في تزايد، حيث يتم استقبال نحو 5 إلى 10 تسجيلات جديدة من طلاب ومتطوعين يومياً.

وساعدت “غزة+40” 120 طالباً على مغادرة غزة لمواصلة دراستهم في الخارج منذ تأسيسها، إضافة إلى 20 من أفراد أسرهم سافروا معهم. ورغم حصول مئات الطلاب على قبولات ومنح دراسية، تبقى مغادرة غزة العقبة الأكبر أمام مواصلة تعليمهم.

وتقول المبادرة إن غياب مسار إنساني واضح ومستقر للخروج من غزة نحو الجامعات في الخارج هو أحد أكبر التحديات التي تواجه الطلاب الفلسطينيين. وتشير إلى أن بعض الدول كانت توفّر في السابق طرقاً أسهل نسبياً للطلاب من غزة، لكن هذا الأمر يتغير الآن.

يقرأ  نهائي كأس العالم 2026: حفل الختام وعرض ما بين الشوطين – كل ما تريد معرفته

ففي إيطاليا مثلاً، أُبلغ الطلاب مؤخراً بأنه يجب عليهم إثبات إتقان اللغة الإيطالية قبل النظر في إجلائهم من غزة. وبينما تقول الحكومة إن هذا الشرط ضروري، فإنه يخلق حاجزاً إضافياً أمام طلاب يعيشون أصلاً في قلب واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وقال ناصر طه من مبادرة “غزة+40”: “الطلاب لا يفقدون الفرص بسبب مؤهلاتهم الأكاديمية أو التزامهم، بل بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم. نحن بحاجة إلى تنسيق أقوى بين الحكومات والجامعات والمنظمات الدولية لضمان أن يتمكن طلاب غزة من الوصول إلى جامعاتهم وألا يفقدوا فرصهم التعليمية”.

وتؤكد المبادرة أن تأمين مسار لطلاب غزة نحو الدراسة في الخارج يتطلب تنسيقاً بين الحكومات والجامعات والمنظمات الدولية.

أما دعاء فوزي حمدان، الطالبة في جامعة بولونيا، فقالت إن المنحة بدت فرصة لمواصلة تعليمها بعد ثلاث سنوات من الانقطاع في غزة. ورغم استكمالها جميع الأوراق المطلوبة، ومع انقطاع الكهرباء المتكرر، وضعف الاتصال بالإنترنت، والنزوح القسري، ما تزال تنتظر تأشيرة إيطالية.

وقالت دعاء للجزيرة: “الجزء الأصعب هو أن تحصل على قبول من جامعة، لكنك لا تعرف ما إذا كنت ستتمكن من الوصول إليها في الوقت المحدد. نحن لا نطلب معاملة خاصة. نريد فقط الفرصة للوصول إلى جامعاتنا والبدء في الدراسة مثل طلاب العالم جميعاً”.

أضف تعليق