ما وراء تحوّل ترامب إلى الضغط الاقتصادي على إيران؟ وهل يُجدي نفعًا؟

بعد مرور أكثر من ٢٣ أسبوعاً على الحرب على إيران، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أنه يفضّل الضغط على اقتصاد طهران على العودة إلى هجوم عسكري، رغم أنه كان حذّر الأسبوع الماضي من أنه قد يشن مثل هذا الهجوم. وما تزال حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الممر المائي الذي أصبح محورياً في مفاوضات إنهاء الحرب، معطّلة بفعل القوات الإيرانية، بينما يشدّد الحصار البحري الأميركي قبضته على الموانئ الإيرانية.

وقالت إيران وعُمان إنهما قريبتان من التوصل إلى اتفاق بشأن إدارة مضيق هرمز، لكن ترامب قال إن الولايات المتحدة في «شبه مفاوضات» فقط مع إيران، بينما نفت طهران وجود أي محادثات مباشرة مع واشنطن. فبعد أشهر من القتال الواسع، لماذا يتحول ترامب إلى الضغط الاقتصادي بدلاً من القوة العسكرية في هذا الصراع؟

وكان ترامب قد هدد في بداية الشهر بشن هجمات على إيران بمستويات «لم يُشهد لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية»، لكنه ألغى تلك الهجمات وعاد إلى التكتيكات الاقتصادية.

ما قاله ترامب عن تغيير الاستراتيجية؟

قال ترامب لمجلة أكسيوس في مقابلة يوم الأحد، متحدثاً عن النهج الأميركي في الحرب على إيران: «نحن نتعامل مع الأمر بهدوء». ويشكل هذا تحولاً كاملاً عن تصريحاته الأسبوع الماضي، حين منح إيران «المخادعة» «فرصة أخيرة» لإبرام صفقة أو مواجهة ضربات كارثية.

والآن، يقول ترامب إنه يريد ضرب إيران اقتصادياً. وأوضح أن إيران في «وضع مالي سيئ للغاية»، مشيراً إلى التضخم المرتفع وصعوبة دفع رواتب جنودها، وأرجع الفضل إلى الحصار البحري الأميركي المفروض منذ أبريل/نيسان في زيادة هذا الضغط. وقال: «نحن فقط نراقب إيران وهي تعاني من تضخم ضخم، والحقيقة أنها لا تملك المال».

كما زعم ترامب أن تراجع أسعار النفط، الذي كان يتداول عند حوالي ٧٨ دولاراً للبرميل يوم الاثنين، خفف الأثر الاقتصادي للحرب وإغلاق مضيق هرمز على المستهلكين الأميركيين؛ علماً أن إغلاق المضيق كان قد دفع الأسعار إلى ما فوق ١٠٠ دولار للبرميل لفترة. وأضاف: «ستنتهي الأمور على خير، فهي تنتهي دائماً على خير، الأمر أشبه بلعبة شطرنج».

يقرأ  حماس تطالب بتكثيف الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب خروقات وقف إطلاق النار

من جهته، قال نائب الرئيس جيه دي فانس لقناة فوكس نيوز يوم السبت: «نحن في منتصف اللعبة، ونستخدم مجموعة واسعة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لضمان تحقيق أفضل نتيجة للشعب الأميركي».

ما أثر الحصار البحري الأميركي على إيران؟

تفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية منذ منتصف أبريل/نيسان. ويهدف هذا الحصار إلى خفض صادرات إيران النفطية، التي تُقدَّر بنحو ١.٥ مليون برميل يومياً، وبالتالي تقليص عائداتها النفطية بشكل كبير.

وقالت القيادة المركزية الأميركية يوم السبت إنها أعادت توجيه ٥٣ سفينة تجارية، وصعدت إلى متن سفينتين، وعطّلت اثنتين أخريين. ووصف ترامب ذلك بأنه «جدار من الفولاذ» لا يلين. كما أكدت السلطات الإيرانية أن صادراتها من النفط الخام أصبحت شبه معدومة بسبب الحصار.

وتضيف قيود تصدير النفط أعباءً إلى المشاكل الاقتصادية القائمة في إيران، والتي ترتبط باختلالات بنيوية داخلية وسوء إدارة، فضلاً عن سنوات من العقوبات القاسية. كما لحقت أضرار كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في أواخر فبراير/شباط، وقد طلبت طهران من واشنطن تعويضها عن هذه الخسائر كأحد شروط إعادة فتح مضيق هرمز.

هل تعاني الولايات المتحدة من نقص في الذخائر؟

أشارت تقارير إعلامية أميركية عدة إلى أن مخزونات الذخيرة في واشنطن باتت قريبة من النفاد بسبب القتال في الشرق الأوسط وأوكرانيا. وفي نهاية الشهر الماضي، ذكرت أكسيوس أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كاين حذّر وزير الدفاع بيت هيغسيث وترامب من أن نقص الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي قد يعوق قدرة الولايات المتحدة على حماية قواتها وحلفائها في الشرق الأوسط.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن مذكرة صادرة عن وزارة الدفاع أن البنتاغون طلب من الصناعات الدفاعية الأميركية الإسراع بشكل كبير في إنتاج الأسلحة وتسليمها، بما في ذلك ذخائر تعاني نقصاً حاداً بسبب الحرب مع إيران. لكن مسؤولاً في البنتاغون قال يوم السبت للجزيرة إن الولايات المتحدة تملك ذخائر كافية لمواصلة عملياتها العسكرية.

يقرأ  إقبال متزايد على منظومات اعتراض الطائرات المسيرة الأوكرانيةالشرق الأوسط يسجل طلباً مرتفعاً في الاستحواذ عليها

وفي مقابلة حصرية مع الجزيرة، قال جاريد كونلي، النائب الأول لمدير وحدة الابتكار الدفاعي في وزارة الدفاع: «لدينا ذخائر كافية للمهمة المطلوبة، والوزارة لديها اليوم كل ما تحتاجه لخوض حرب».

هل يواجه ترامب ضغوطاً داخلية بسبب هذه الحرب؟

كان ترامب قد بدأ ولايته الثانية في البيت الأبيض في مطلع العام الماضي، واعداً بتجنب «الحروب الغبية». وفي الوقت الحالي، لا تحظى الحرب على إيران بشعبية داخل الولايات المتحدة، حيث يسعى الرئيس وزملاؤه الجمهوريون إلى الدفاع عن أغلبيتهم الضئيلة في الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني. وأشار استطلاع حديث أجرته رويترز/إبسوس إلى أن حوالي ٣٥ بالمئة فقط من الأميركيين يوافقون على الحرب. أظهر استطلاع جديد للرأي أن الحزب الديمقراطي يتفوّق على الحزب الجمهوري في نظر الناخبين الأمريكيين عندما يتعلق الأمر بإدارة الحرب و"الإرهاب". فبين الناخبين المسجّلين، اختار 37% الديمقراطيين باعتبارهم الأقدر على التعامل مع هذه الملفات، مقابل 36% اختاروا الجمهوريين.

وهذه هي المرّة الأولى التي يتصدّر فيها الديمقراطيون في هذا السؤال منذ أن بدأ استطلاع رويترز/إبسوس طرحه في ديسمبر 2024، حين كان الجمهوريون متقدّمين بفارق واضح: 39% مقابل 28%.

هل ينجح الضغط الاقتصادي على إيران؟

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون في قطر، مهران كامرافا، أنّ المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تتقدّم ببطء شديد، ويعرب عن شكّه في نجاح حملة الضغط الاقتصادي التي تشنّها واشنطن على طهران.

ولفت كامرافا إلى أنّ إيران استطاعت أن تمارس ضغطًا كبيرًا على دول الخليج التي تتمركز فيها القواعد والمعدّات العسكرية الأمريكية، وذلك عبر مهاجمتها بالصواريخ والمسيّرات. وقال في هذا السياق: "ما رأيناه هو أنّ الإيرانيين يحاولون ممارسة ضغط اقتصادي على دول الجوار، خصوصًا قطر والإمارات والسعودية والكويت، بحيث يضغطون هم بدورهم على الولايات المتحدة للتفاوض مع إيران".

وأضاف: "في الوقت نفسه، أمريكا تمارس ضغطًا اقتصاديًا على إيران… إذًا لا أحد من الطرفين مستعدّ لأن يبادر ويمدّ يده ويقول: لنجلس ونتفاوض". وأعرب كامرافا عن تشكّكه في فعالية الضغط الاقتصادي الأمريكي، خصوصًا أنّ القيادة الإيرانية ليست تحت ضغط سياسي داخلي مشابه لما تعيشه إدارة ترامب.

يقرأ  ثوران بركان فويغو يدفع غواتيمالا لرفع مستوى التحذير إلى ثاني أعلى درجة خطر

وأوضح أنّ طهران تواجه ضغطًا اقتصاديًا هائلًا، لكن النظام السياسي الإيراني قمعيّ في النهاية، فمن يتّخذ القرارات لا يهتم مباشرة بمعاناة الطبقات الوسطى. وقال: "ما يريدونه هو البقاء في السلطة"، مضيفًا: "لذلك لست واثقًا من أنّ هذا التكتيك سينجح في هذه المرحلة".

هل حقّقت أمريكا أهدافها المعلنة من الحرب؟

ليس تمامًا. فالولايات المتحدة وإسرائيل غيّرتا أهدافهما مرارًا وبشكل كبير منذ بدء الحرب في 28 فبراير، أي اليوم الذي قتلتا فيه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

في البداية، قالت أمريكا إنّ الحرب تهدف إلى منع إيران من تطوير سلاح نووي – وهو ما تنفيه طهران دائمًا – وإجبارها على تغيير نظام الحكم، وهو الهدف الذي أسقطه ترامب بهدوء لاحقًا. كما كانت هناك مطالب أخرى، مثل تقييد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وإنهاء دعم الجماعات المسلّحة المتحالفة مع إيران في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وجماعات أخرى في العراق وسوريا.

ومع استمرار الحرب، أصبحت التكاليف الملقاة على دول الخليج، وأزمة الطاقة العالمية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، تشكّلان ضغطًا كبيرًا على واشنطن للوصول إلى اتفاق سلام مع إيران.

وضعت إيران شروطها الخاصة لإنهاء الحرب، من بينها رفع العقوبات الأمريكية، وفكّ الحصار البحري، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة. لكن مذكرة التفاهم التي وقعّتها إيران وأمريكا في 17 يونيو، والتي نصّت على إعادة فتح مضيق هرمز وبدء فترة تفاوض مدّتها 60 يومًا، انهارت خلال أيام فقط، بسبب خلافات أساسية حول طريقة إدارة المضيق.

ورغم أنّ مذكرة التفاهم تضمّنت رفع العقوبات الأمريكية عن إيران في نهاية المطاف، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار، فإنّها لم تتناول بشكل صريح المطالب الأمريكية بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني أو الجماعات المسلّحة الموالية لإيران في المنطقة. ويبدو أيضًا أنّ الولايات المتحدة تخليت نهائيًا عن أي أمل في تغيير النظام في إيران.

أضف تعليق