خطر الموت يطارد الصيادين في البحر الأحمر اليمني بعد تحوله إلى ساحة حرب

يعمل مظهر في بحر ظل لسنوات خطّ تماس في الحرب اليمنية. هو صياد في مدينة المخا على ساحل البحر الأحمر، ويواجه صعوبات كبيرة في تأمين قوت يومه منذ اندلاع الحرب عام 2015.

الوقود غالٍ، وكراء القارب مكلف. لكن المشكلة الأكبر لمظهر، الذي تجاوز الأربعين ويعول أسرة لا دخل لها سوى الصيد، هي أنه كلما خرج إلى البحر قد لا يعود. يقول: “حديثاً تعرّض قارب صيد في الخوخة لإطلاق نار، وفقدنا زميلين. لا أحد يعرف السبب، والسلطات لم تعلن عن الحادث”. الخروج من الشاطئ مغامرة خطرة منذ تحول البحر إلى ساحة معركة؛ يعرف مظهر صيادين اختفوا دون أثر، لكنه يقرر المخاطرة عندما لا يجد أهل البيت طعاماً.

ساحل البحر الأحمر اليمني من أهم مناطق الصيد في البلاد، وكان قبل الحرب ثاني مصدر للدخل من التصدير بعد النفط. تضرر قطاع الصيد منذ السنوات الأولى للحرب، وتراجعت صادرات الأسماك من المنطقة نحو 70% حسب دراسة نُشرت عام 2018.

للمنطقة أهمية استراتيجية أيضاً. ميناء الحديدة الرئيسي يبعد حوالي 160 كيلومتراً عن المخا، ومضيق باب المندب يقع عند مدخلها الجنوبي ويمثل بوابة أحد أهم الممرات المائية في العالم. لهذا كان الساحل ساحة تنافس شديد منذ الأيام الأولى للحرب.

اليوم يسيطر الحوثيون على معظم الأراضي الممتدة من حدود اليمن مع السعودية حتى الحديدة، بينما تعمل قوات موالية للحكومة، معظمها من قوات “حراس الجمهورية”، جنوب المدينة. ظل الخط الأمامي هادئاً في السنوات الأخيرة، لكن الهجمات الحوثية الأخيرة استهدفت أيضاً المخا.

لكن أكثر ما جذب الانتباه دولياً هو الأحداث في مياه البحر الأحمر. بدأ الحوثيون بعد حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023 باستهداف السفن المارة في المنطقة، كما هاجموا سفناً سعودية مؤخراً. ردّت الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل والسعودية بضربات على أهداف حوثية في اليمن، بما في ذلك على البحر الأحمر.

يقرأ  تظاهرات في أنحاء إسبانيا ضد ارتفاع ضريبة القيمة المضافة على مبيعات الأعمال الفنية

قال مظهر إن الصيادين يواجهون الآن حدوداً صارمة في البحر لا يمكنهم تجاوزها، ليس في المخا فقط بل في الخوخة المجاورة وأجزاء واسعة من الساحل. وأضاف: “ندفع المال لشراء براميل خردة وهياكل سيارات نلقيها في البحر لتشكيل شعاب اصطناعية. لكن مع كل تصعيد في البحر الأحمر يُمنع علينا الوصول إلى شعابنا لأسباب عسكرية، ونُجبر على الصيد قرب الشاطئ”.

وتابع: “لا أستطيع تسمية الطرف الذي يقيدنا الآن لأنني صياد، والكلام قد يعرضني للخطر. لكن كلا طرفي الحرب منعنا من الإبحار في أوقات مختلفة. نحن ضحايا كل فصيل يقاتل في منطقتنا”.

يقول صيادون محليون إن قوات “المقاومة الوطنية” التي خرجت منها لاحقاً قوات “حراس الجمهورية” كانت تمنعهم قبل 2018 من الذهاب إلى المياه العميقة والوصول إلى شعابهم. ورُفعت القيود لاحقاً، لكن الصيادين يؤكدون أن الحوثيين والقوات الحكومية فرضوا قيوداً على الإبحار منذ 2023.

قال مظهر: “في النهاية، الصيادون هم من يعانون لتأمين لقمة عيش أسرهم. لا يد لنا في هذه الحرب، لكننا نتحمل أسوأ نتائجها”. وأضاف أن كثيرين من زملائه اعتُقلوا بتهمة التهريب أو مساعدة طرف ضد آخر، وهي اتهامات لا أساس لها في رأيه.

أكرم، صياد آخر في المخا، يصف خطراً مختلفاً: الألغام البحرية. قال: “في العام الماضي خرجت من المنزل مع جارين لي، وانفجر لغم بحري تحت قاربهما قرب الشاطئ في الخوخة. كيف يمكننا تجنبه؟ أستطيع أن أقول بثقة إن البحر الأحمر لم يعد آمناً، وعلينا الانتقال إلى مكان آخر”. وأضاف: “نعيش أسوأ أيام في البحر الأحمر. لكي تكون صياداً هنا، عليك أن تحمل كفنك على كتفيك”.

فؤاد دبلة، رئيس جمعية الصيادين في الخوخة، قال إن أكثر من 30 ألف صياد تضرروا من الأوضاع على ساحل البحر الأحمر، ويواجهون صعوبة في تأمين احتياجات أسرهم الأساسية، لأن الصيد مصدر دخلهم الوحيد. وأشار إلى أن 113 صياداً فقدوا في البحر الأحمر منذ 2023، دون أن تحصل أسرهم على أي معلومات عنهم. وأضاف أن الألغام البحرية نتيجة مباشرة للحرب وتهدد حياة الصيادين باستمرار.

يقرأ  الرهين غالي وزيف برمان يحتفلان بعيد ميلادهما الثامن والعشرين في أسر حماس

وقال دبلة إن الألغام قتلت 264 صياداً وأصابت 215 آخرين بعاهات، ما دفع كثيرين إلى التوقف عن الصيد والبحث عن عمل آخر. كما ذكر أن صيادين تعرضوا للاحتجاز من قبل قراصنة في البحر الأحمر.

وأوضح دبلة أن الصعوبات والأخطار التي يواجهها الصيادون جعلت كثيرين يبحثون عن طرق أخرى لكسب المال. “عندما أدرك الصيادون أنهم لم يعودوا قادرين على الإبحار بأمان، وأن أسرهم تفتقر إلى الطعام، لم يبق أمامهم إلا خياران: المخاطرة بحياتهم في البحر أو إيجاد عمل آخر. وكثيرون اختاروا الثاني حفاظاً على سلامتهم”.

أما أكرم، فيخطط للانتقال إلى عدن حيث يعتقد أن الصيد على الساحل الجنوبي سيكون أكثر أماناً. قال: “لا شيء يستحق أن نخاطر بحياتنا من أجله. عائلات الذين فقدناهم تعاني الآن لتأمين ما يكفي من الطعام”. «أشجع زملائي على الانضمام إليّ والانتقال إلى مجال آمن».

بهذه العبارة يلخّص إسماعيل، وهو في الثامنة والأربعين من عمره، الأسباب التي دفعته قبل عام إلى ترك مهنة الصيد نهائياً. فإسماعيل، الذي ينحدر من عائلة توارثت الصيد أباً عن جد، باع معدات الصيد التي جمعها على مدى عشرين عاماً، واشترى بمبلغها حافلة صغيرة يعمل عليها.

قال إسماعيل للجزيرة وهو يمسك بمقود حافلته: «الخطر يحيط بالصيادين من كل اتجاه، ولا نعرف متى نلقى حتفنا في البحر. ولا أظن أن أي عاقل كان سيستمر في الصيد في ظل هذا الخطر».

أيدت زوجته قراره بترك الصيد، وباعت جزءاً من حليّها لمساعدته في مشروعه الجديد. وقد شعرت بالارتياح لأن القلق الذي كان يلازمها ويلازم أطفالهما الخمسة في كل مرة يذهب فيها إلى البحر قد انتهى أخيراً.

وأضاف إسماعيل: «أحياناً كنا نبقى في البحر أربعة أيام، وكان هذا أمراً طبيعياً في السابق. أما اليوم فالوضع لم يعد آمناً، فإذا غبت أكثر من يوم تشعر عائلتي بالذعر، وأعتقد أن قلقهم كان في محله».

يقرأ  والد الرهينة الإسرائيلي المُحرَّر إفياتار ديفيد:«بعد أن أُجبر على حفر قبره بنفسه، بدأ يستعيد نفسه ويعود تدريجيًا إلى طبيعته السابقة»

اليوم يحصل إسماعيل على دخل متواضع من قيادة الحافلة الصغيرة، لكنه راضٍ لأنه أصبح آمناً ويستطيع الجلوس مع أسرته على كل وجبة دون خوف دائم.

أما مظهر، الذي ما زال يمارس الصيد قريباً من الشاطئ، فيرى أن الذين تحولوا إلى أعمال أخرى اتخذوا القرار الصائب. وقال: «فكرت أكثر من مرة في ترك هذه المهنة الخطرة، لكن لا بديل لدي. وما إن أجد بديلاً حتى لن أتردد لحظة واحدة».

أضف تعليق