في اليوم العالمي للعمل الإنساني، علينا أن نتأمل في واقع العمل الإنساني اليوم. لقد قام العمل الإنساني دائمًا على افتراض مشترك بأن هناك خطوطًا لا يجوز تجاوزها، حتى في الحروب.
على مدى جيل كامل، كانت لدينا اتفاقيات دولية ملزمة تعتبر حماية طفل يحتاج إلى الغذاء، أو حماية طبيب يعالج المرضى والجرحى، حقًا قانونيًا أساسيًا. أما اليوم، فقد اختفى الإجماع على هذه القوانين والمعنى الذي تقوم عليه.
كثير من الحكومات لم تعد تدافع باستمرار عن النظام القائم على القواعد الذي ساعدت في إنشائه. بعضها يتجاهل القانون الدولي علنًا عندما يناسبها ذلك. وبعضها يطبقه بشكل انتقائي، فيدين خصومه بسبب انتهاكاتهم، ويتسامح مع الحلفاء الذين يرتكبون السلوك نفسه. وكثير غيرها يلتزم الصمت في اللحظات التي لا بد فيها من الإدانة والتحرك.
عندما تشعر الحكومات أن مصالحها الجيوسياسية والداخلية أهم من التزاماتها القانونية، يتراجع النظام الإنساني القائم على القواعد ويفسد. يصبح التطبيق غير متسق، ويصبح التسامح مع سقوط ضحايا مدنيين كثيرين أمرًا روتينيًا، ويصبح كل شيء مباحًا، حتى ما لا يمكن تصوره.
اليوم، يُسمح للإفلات من العقاب بالانتشار. فأصحاب النوايا السيئة يشعرون بجرأة أكبر على خرق القوانين التي وُجدت لجعلنا جميعًا أكثر أمانًا، لأنهم يعرفون أنهم لن يُحاسَبوا.
هذا الأمر مهم لأن الأزمات الإنسانية لا تنشأ من فراغ. بل هي نتيجة مباشرة لهذه الخيارات السياسية القائمة على المساومات. في هذه النظرة، لم تعد حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني تُفهم على أنها واجب عالمي، بل أصبحت مثل سلعة يمكن المساومة عليها أو حجبها أو تطبيقها بشكل انتقائي. وتصبح الحماية استثمارًا سياسيًا يطلب عائدًا سياسيًا.
يمكننا أن نلمس عواقب هذا في حياة الناس. فقد قُتل ما لا يقل عن 1,000 عامل إنساني في السنوات الثلاث الماضية، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف العدد في السنوات الثلاث التي سبقتها. وفي عام 2025، ووفقًا للأمم المتحدة، كانت هناك مئات الهجمات على العمليات الإنسانية؛ قُتل فيها 350 عاملًا إنسانيًا، وأصيب 322، وتم اختطاف 235.
في أوكسفام، فقدنا خمسة من زملائنا ومن موظفي الشركاء في غضون ثماني سنوات، وتعرّض أكثر من 1,300 من موظفينا لما لا يقل عن 1,200 حادث أمني.
غالبًا ما يحدث قتل العاملين في المجال الإنساني في أماكن تكون فيها أطراف النزاع مسلحة أو ممولة أو محمية من قِبَل الحكومات نفسها التي تمول الاستجابة الإنسانية.
لكن ضعف الحماية ليس التحدي الوحيد الذي يواجه العمل الإنساني اليوم. ففي كثير من الأحيان، تفرض الدول قيودًا غير ضرورية تمنع العاملين في المجال الإنساني من أداء واجباتهم.
في ديسمبر الماضي، قالت السلطات الإسرائيلية لأوكسفام و36 منظمة دولية أخرى إنه إذا أرادت مواصلة تقديم الإغاثة الإنسانية في غزة والضفة الغربية، فعليها تسليم معلومات تشمل البيانات الشخصية للموظفين. هذه المطالب تتعارض مع حقوق زملائنا وسلامتهم. رفضت جميع المنظمات السبع والثلاثين هذه المطالب، وأُلغي تسجيلها.
لم تُنهِ إجراءات إسرائيل فورًا قدرتنا على الوصول إلى الناس، لأن لدينا حقًا قانونيًا في العمل بموجب تسجيلنا لدى السلطة الفلسطينية. لكن هذا أثّر بشكل كبير في عملنا، إذ لا يُسمح لنا بإدخال البضائع، ونعتمد على البضائع المحلية التي ارتفعت أسعارها بسبب الحرب والندرة.
كما أن العمل الإنساني مهدد بتراجع التمويل باستمرار. هذا العام، أقدمت دول مجموعة السبع على أكبر تخفيض في المساعدات في التاريخ، حيث خفضت المساعدات التنموية بنحو الثلث في عام 2026 مقارنة بعام 2024. وهذا يحدث رغم تفاقم الاحتياجات الإنسانية، كما في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تواجه أسرع تفشٍّ مسجَّل للإيبولا، أو في السودان حيث يموت الناس بسبب المجاعة.
هذه التخفيضات في التمويل خيار سياسي، وكذلك استخدام حق النقض ضد إجراءات مجلس الأمن، والقرارات التي تتجاوز الأحكام الملزمة للمحاكم الدولية، ووقف تمويل وكالات الأمم المتحدة، وعسكرة إيصال المساعدات، أو تسييس خطط التوزيع التي تديرها أطراف النزاع.
القانون الدولي الإنساني عالمي وملزم. يجب حماية المدنيين وتسهيل إيصال الإغاثة. يجب ألا يُستخدم التجويع كسلاح. ويجب ألا يتعرض العاملون في المجال الإنساني والمستشفيات وشبكات المياه والمدارس والملاجئ للهجوم أبدًا.
كل هجوم على عامل إنساني يجب أن يؤدي إلى تحقيق مستقل، وإذا ثبتت جريمة، إلى محاكمة. قرار مجلس الأمن رقم 2730 طالب بذلك بالضبط قبل عامين.
سيكون اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة اختبارًا جيدًا لمسؤوليتنا الجماعية. يجب أن تحقق هذه العملية مساءلة حقيقية لمن ينتهكون القانون الدولي. نحن بحاجة إلى استعادة الاحترام للقواعد التي تحمينا جميعًا.
اليوم العالمي للعمل الإنساني هو مناسبة لتذكر جميع العاملين في المجال الإنساني الذين فقدوا أرواحهم وهم يعتنون بالآخرين. لكن التذكر دون مساءلة ودون عمل يتحول إلى تسامح مع ما لا يمكن تبريره. يجب أن نتصرف بشكل أفضل: #احموا_العاملين_الإنسانيين
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.