استدعت وزارة الخارجية الباكستانية، يوم الأربعاء، كبرى الدبلوماسيين الأميركيين في إسلام آباد، وذلك بعد ساعات من وصف السفير الأميركي لدى الهند، سيرجيو غور، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية بأنها “جزء مهم من الهند” خلال أول زيارة له إلى المنطقة.
ورفضت باكستان هذا التصريح، وأعادت التأكيد على أن كشمير منطقة متنازع عليها دولياً.
وكانت زيارة غور، الذي يشغل أيضاً منصب المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جنوب ووسط آسيا، هي أول زيارة مستقلة يقوم بها سفير أميركي في منصبه إلى كشمير الخاضعة للإدارة الهندية منذ عام 2019، أي منذ أن جردت الهند المنطقة من حكمها الذاتي في ذلك العام.
وأدلى غور بهذه التصريحات علناً، إلى جانب عمر عبد الله، رئيس وزراء جامو وكشمير، وهو ما زاد من استفزاز إسلام آباد.
وتأتي هذه الواقعة في وقت حساس بالنسبة لعلاقات واشنطن مع البلدين المتنافسين في جنوب آسيا، إذ تسعى باكستان إلى التقارب مع إدارة ترامب أكثر من أي وقت مضى، بينما تحاول الولايات المتحدة الموازنة بين هذه العلاقة وشراكتها الاستراتيجية مع الهند.
فماذا قال السفير الأميركي بالضبط؟ ولماذا أثار هذا الانزعاج؟ وهل يغيّر أي شيء؟
ما الذي قاله السفير الأميركي؟
سيرجيو غور، مساعد ترامب السابق البالغ من العمر 38 عاماً، والذي تمت المصادقة على تعيينه سفيراً للولايات المتحدة في الهند في يناير، قضى يومين في سريناغار ولداخ هذا الأسبوع.
وبعد لقائه عبد الله في سريناغار، قال للصحفيين إنه سعيد بزيارة “جزء مهم من الهند” لأول مرة.
كما قال إن واشنطن تعيد النظر في تحذير السفر الذي أصدرته، مشيراً إلى تحسن الأوضاع الأمنية في ظل إدارة عبد الله.
ويصنف التحذير حالياً جامو وكشمير عند مستوى “لا تسافروا”، بسبب الإرهاب والاضطرابات المدنية، مع استثناء منطقتي لداخ وليه في الشرق.
جاء رد إسلام آباد مساء الأربعاء، حيث استدعت وزارة الخارجية القائمة بأعمال السفير الأميركي ناتالي بيكر، التي تترأس البعثة الأميركية في البلاد حالياً.
ووجهت الوزارة ما وصفته بـ“مذكرة احتجاج رسمية”، رفضت فيها وصف كشمير الخاضعة للإدارة الهندية بأنها “جزء من الهند”، وأكدت مجدداً أنها منطقة متنازع عليها دولياً، بانتظار الحل النهائي وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي.
وجاء في البيان أن تصريحات غور غير صحيحة واقعياً، وتتناقض مع الموقف الأميركي الطويل الأمد بشأن النزاع.
كما شكر البيان ترامب على عرضه المساعدة في حل قضية كشمير، وهو العرض الذي قدمه بعد اتفاق الهند وباكستان على وقف إطلاق النار الذي أنهى حربهما التي استمرت أربعة أيام العام الماضي، وحثت باكستان واشنطن على إبقاء تصريحاتها الرسمية متسقة مع هذا الموقف.
لماذا تثير كشمير كل هذا التفاعل؟
كشمير منطقة في جبال الهيمالايا، تطالب بها كل من الهند وباكستان منذ انتهاء الحكم الاستعماري البريطاني في أغسطس 1947.
تدير كل من الهند وباكستان جزءاً من الإقليم، لكن كل منهما تطالب به بالكامل، وخاضتا عدة حروب من أجله.
ودعا قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي عام 1949 إلى تحديد الوضع النهائي للإقليم عبر استفتاء، لم يُعقد حتى الآن.
في يونيو، وقّعت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بياناً مشتركاً مع وزير الخارجية الباكستاني في إسلام آباد، جاء فيه ذكر كشمير إلى جانب الحرب في أوكرانيا، ودعا إلى حل النزاع “من خلال الحوار والدبلوماسية”.
ورفضت وزارة الخارجية الهندية هذا الإشارة، قائلة إن من ليس لهم علاقة بالموضوع عليهم الامتناع عن التعليق عليه.
كما أثار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان احتجاجات مماثلة من نيودلهي مرتين على الأقل، بعد إعرابه عن دعمه للموقف الباكستاني بشأن كشمير.
وترامب نفسه أثار خلافاً عام 2019، عندما قال خلال لقاء مع رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك عمران خان، إن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي طلب منه شخصياً التوسط في قضية كشمير. لكن حكومة مودي نفت ذلك سريعاً في البرلمان.
بالنسبة لباكستان، فإن استخدام الولايات المتحدة لعبارة “كشمير المتنازع عليها” يشكل اعترافاً خارجياً مهماً بجهودها لتوجيه الأنظار إلى القضية.
أما بالنسبة للهند، فإن أي إشارة إلى أن كشمير ما زالت مفتوحة أمام وساطة خارجية، تتعارض مع أساس موقفها.
ما هو الموقف الأميركي تاريخياً؟
تحافظ الولايات المتحدة رسمياً على موقف مفاده أن كشمير منطقة متنازع عليها، وأن وضعها يجب أن يُحسم بين الهند وباكستان، مع مراعاة رغبات الشعب الكشميري.
وكرر مسؤولون أميركيون عبارات من قبيل “سياستنا لم تتغير” عبر إدارات متعاقبة، بما في ذلك في عام 2019، عندما قال دبلوماسي أميركي كبير للكونغرس إن تحرك الهند لم يغيّر نظرة واشنطن إلى خط السيطرة باعتباره حدوداً “بحكم الأمر الواقع”.
ورسمياً، تتجنب واشنطن الاعتراف بسيادة أي من البلدين على الإقليم.
وجاءت نقطة تحول كبرى في عام 1999، عندما طلب الرئيس الأميركي بيل كلينتون من رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف سحب القوات الباكستانية من كارجيل في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، بعد القتال الذي دار بين البلدين هناك.
ورأى محللون على نطاق واسع أن هذه الواقعة كانت بداية ميل واشنطن نحو نيودلهي.
لكن بعد المواجهة الأشد عنفاً بين البلدين منذ عقود العام الماضي، ادعى ترامب الفضل في وقف إطلاق النار، وعرض “العمل معكما” من أجل “حل” لقضية كشمير.
ورحبت باكستان بالعرض، ورشحت ترامب لجائزة نوبل للسلام. بينما رفضت الهند أي وساطة أميركية، قائلة إن وقف إطلاق النار تم عبر محادثات عسكرية مباشرة.
وقال جوهر سليم، وزير الخارجية الباكستاني السابق ورئيس معهد الدراسات الإقليمية في إسلام آباد، للجزيرة، إن تصريح غور لا ينبغي فهمه على أنه تغيير في السياسة الأميركية.
وأضاف سليم: “لا يمكن قراءة السياسة الأميركية بشأن قضية بالغة الأهمية مثل جامو وكشمير من خلال تصريح ارتجالي خلال زيارة سفير أميركي معتمد في الهند. أي تغيير في السياسة سينعكس في التصريحات الرسمية لواشنطن، وصياغات وزارة الخارجية، ويجب أن يصدر من مستوى البيت الأبيض”.
وقال إن مثل هذه الهفوات ليست جديدة.
وأضاف: “في بعض الأحيان يقع السفراء في ما نسميه ’الانحياز للمحلي‘، وفي محاولة لإرضاء مضيفيهم قد يدلون بتصريحات لا تمت بصلة لسياسة بلادهم المعلنة، مما يخلق مواقف غير مريحة”. وصفت أوساط دبلوماسية باكستانية الاحتجاج الذي وجّهته إسلام أباد إلى السفير الأميركي لدى الهند بأنه خطوة قوية ومتوقعة، بعد تصريحات أدلى بها المبعوث الأميركي بشأن كشمير. وقال الدبلوماسي الباكستاني السابق سليم إن هذه الحادثة “مثال كلاسيكي” استدعت “مذكرة احتجاج قوية” من وزارة الخارجية الباكستانية.
وأشار سليم إلى أن عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرر الوساطة بين باكستان والهند، وهو ما “لم يحظَ بتقدير في نيودلهي”، يظهر أن واشنطن لم تستقر بعد على موقف واضح تجاه الهند. وأضاف: “أتوقع صدور توضيح من واشنطن قريبًا”.
ويذكر سليم أنه استدعى السفير الأميركي في إسلام أباد خلال توليه منصب وزير الخارجية في أواخر عام 2022، بعد تصريح “مسيء جدًا” أدلى به الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن، ووصف فيه باكستان بأنها “واحدة من أخطر دول العالم”. وقال سليم إن المذكرة الدبلوماسية ليست أداة لمعاقبة واشنطن، بل “تُستخدم للضغط على نقطة معينة وطلب تفسير”. وأضاف أن الرد الأميركي كان “بنّاءً” في تلك المرة، ويعتقد أنه سيكون كذلك هذه المرة أيضًا.
وأكد أن العلاقة الباكستانية الأميركية علاقة واسعة وقوية، ولا يمكن أن يزعزعها تصريح سفير واحد. وأشار إلى دور باكستان كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، والتعاون الاقتصادي، ومكافحة الإرهاب، والأمن الإقليمي، وأفغانستان، والتعاون الدفاعي، “وبالطبع العلاقة مع إدارة ترامب نفسها”.
من جهته، وصف الجنرال والدبلوماسي الباكستاني السابق طارق رشيد خان الحادثة بأنها “تحديد للحدود بشأن قضية محددة”. وقال إن احتجاج إسلام آباد يوضح أن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن “لا تعني القبول بأي موقف بشأن كشمير يخالف الموقف الباكستاني الرسمي”. وأضاف: “كشمير ما زالت قضية غير مكتملة منذ تقسيم 1947، ولهذا السبب حتى جملة واحدة قد تصبح ذات أهمية استراتيجية كبيرة”.
أما سليم فيرى أن الأهم ليس كلمات السفير غور نفسها، بل ما قد تسببه أي “انزلاقة لغوية” في المستقبل. وقال: “جامو وكشمير ليست مجرد نزاع إقليمي؛ إنها قضية هوية وطنية وشرعية وأمن بالنسبة لباكستان. ولا تستطيع باكستان ولا الهند أن تسمحا لأي تغيّر طفيف في مفردات المجتمع الدولي حول كشمير، لأن كلا الطرفين يعتقد أن لغة اليوم قد تصبح سابقة الغد”.
وقال عائز تشودري، السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، إنه يعتقد أن تصريحات غور “قد تكون تعليقات شخصية”، مضيفًا أن الموقف الأميركي من كشمير معروف. وأوضح أن “المذكرة الباكستانية مجرد تذكير بأن على المبعوث الأميركي في نيودلهي الالتزام بالموقف الأميركي الرسمي. ونزاع كشمير قضية قديمة يجب حلها من أجل السلام والاستقرار الأوسع في جنوب آسيا”.