دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محكمة اتحادية إلى رفض طلب تقدمت به هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” لاستدعاء أفراد أسرته المباشرين للإدلاء بشهاداتهم، في إطار دعوى قضائية تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار تتعلق بفيلم وثائقي عرضته الهيئة.
وفي مذكرة قُدّمت الجمعة، قال محامو ترامب إن “بي بي سي” شرعت في “حملة تحقيق ذات طابع سياسي” بمحاولتها إجبار نجله الأكبر دونالد ترامب الابن وابنته إيفانكا وصهره جاريد كوشنر على الإدلاء بشهاداتهم. وطلب فريق ترامب من المحكمة رفض طلب الهيئة، واصفاً إياه بأنه “حملة صيد واسعة” تتجاوز نطاق القضية.
وجاء في المذكرة: “هذه القضية تتعلق بخطأ محدود، وهو قيام بي بي سي عمداً بتركيب مقطعين من خطاب الرئيس ترامب في 6 يناير/كانون الثاني 2021، وكان بينهما ما يقرب من خمس وخمسين دقيقة”. وأضافت: “بدلاً من التقاضي بشأن هذا الخطأ المحدود، حاولت بي بي سي إجراء تحقيق واسع النطاق متنكر في شكل إجراءات استدعاء أدلة”.
بدأت القضية في ديسمبر/كانون الأول، حين أعلن ترامب أنه سيقاضي الهيئة بسبب حلقة من سلسلة “بانوراما” الوثائقية تناولت طريقه إلى ولاية رئاسية ثانية. وركّز جزء من الفيلم على أحداث 6 يناير/كانون الثاني 2021، اليوم الذي كان من المقرر أن تُصدق فيه نتائج انتخابات 2020. وكان ترامب قد خسر تلك الانتخابات لكنه زعم زوراً أن هزيمته جاءت نتيجة تزوير.
وفي خطاب ألقاه ذلك اليوم أمام البيت الأبيض، كرر اتهامه غير المثبت بأن الانتخابات كانت “مزورة” أمام حشد من أنصاره، شارك بعضهم لاحقاً في الهجوم على مبنى الكابيتول الأمريكي بعد ساعات من الخطاب.
وتضمّنت حلقة “بانوراما” مقتطفات من خطاب ترامب، وقال منتقدون إن جملتين من كلمته رُكّبتا معاً لتبدوا وكأنهما اقتباس متصل. الجملة الأولى كانت: “بعد هذا سنتوجه إلى الأسفل، وسأكون معكم، سنتوجه إلى الأسفل”. والثانية جاءت من جزء لاحق من الخطاب: “ونحن نقاتل. نحن نقاتل بضراوة”.
ورغم أن “بي بي سي” اعتذرت عن هذا التعديل وأزالت الحلقة من منصاتها، رفع ترامب دعوى قضائية بمليارات الدولارات اتهم فيها الهيئة بالتشهير. ونفت “بي بي سي” هذا الاتهام وتعهدت بالدفاع عن نفسها أمام المحكمة. وتُنظر القضية حالياً في المحكمة الاتحادية بجنوب فلوريدا.
وفي إطار دفاعها، سعت الهيئة إلى أخذ أقوال شخصيات قريبة من ترامب لتحديد أفكاره وتصرفاته في يوم هجوم 6 يناير. وأشارت إلى أن دونالد ترامب الابن وإيفانكا كانا حاضرَين في خطاب والدهما، وأنهما تحدثا مع الرئيس ودائرته المقربة أثناء اندلاع العنف في الكابيتول. كما أظهرت رسائل نصية نشرها الكونغرس أن دونالد ترامب الابن حثّ رئيس موظفي والده على “إدانة هذا الهراء في أقرب وقت ممكن”. أما كوشنر، فلم يكن في البيت الأبيض، لكن “بي بي سي” ترى أن دوره كمستشار لترامب يمكن أن يساعد في كشف الحقائق المتعلقة بذلك اليوم.
وقال محامو الهيئة إن كوشنر، بعد حديثه مع قادة في الكونغرس، صاغ “بياناً مقترحاً” لترامب لإصداره، وكان سيدين استخدام العنف. ورأت “بي بي سي” في طلبها أن شهادات ترامب الابن وإيفانكا وكوشنر يمكن أن توضح “عبء الإثبات الواقع على ترامب لإظهار أن الإيحاء بأنه حرض على العنف في 6 يناير سيكون كذباً جوهرياً”.
لكن الطلب أضاف أن الهيئة لم تنجح في إبلاغ أفراد العائلة الثلاثة بمذكرات الاستدعاء بسبب الحماية التي يوفرها لهم جهاز الخدمة السرية. ويُقال إن “بي بي سي” حاولت تسليم مذكرات إلى إيفانكا وزوجها في منزلهما في مايو/أيار، لكن عملاء الخدمة السرية قالوا إنهم غير مخولين بقبول الوثائق. وفي الشهر نفسه، عجزت الهيئة عن تسليم ترامب الابن مذكرة استدعاء في برج ترامب بنيويورك، لذلك طلبت من المحكمة السماح لها بتسليم الوثائق عبر البريد المسجل.
وفي مذكرة الجمعة، اتهم محامو ترامب الهيئة بشن حملة “ساخرة” تنطوي على “مضايقة عائلة الرئيس ومعاونيه وموظفيه ومسؤولين وآخرين”. ووصفوا جهودها بأنها “إعادة تحقيق بلا حدود في أحداث 6 يناير 2021”. كما ذهبت المذكرة إلى أن أي تفاعلات شملت إيفانكا وكوشنر تخضع “للحصانة الرئاسية”، نظراً لأن الزوجين كانا مستشاراً ومستشاراً كبيراً لترامب على التوالي.
وقد لجأ ترامب مراراً إلى مبدأ الحصانة الرئاسية خلال فترتي ولايته. وفي هذا الشهر فقط، أصدرت وزارة العدل الأمريكية مذكرة تقول إن هذه الحصانة تشمل حتى التواصل مع مستشارين خاصين يعملون خارج السلطة التنفيذية، وهو ما يعني عملياً اعتبار التعاملات مع شركات وأفراد من خارج الحكومة خارج نطاق مذكرات الاستدعاء.
ويخشى منتقدون أن تشكل هذه المذكرة عائقاً أمام شفافية الحكومة في عهد ترامب، وقد تمنع الكونغرس من الوصول إلى مواد التحقيق. ووصف السيناتور آدم شيف المذكرة بأنها وثيقة تأمين ضد رقابة الكونغرس، في حال خسر الحزب الجمهوري أغلبيته في المجلسين خلال انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني. وكتب شيف في بيان: “يجب النظر إلى هذا الرأي القانوني الأخير على أنه إجراء حزبي يهدف إلى حماية الرئيس وأنشطته الفاسدة من مذكرات الاستدعاء الصادرة عن الكونغرس عندما تنقلب الأغلبية”.
ولم تصدر المحكمة الاتحادية في جنوب فلوريدا قرارها بعد بشأن طلبات الاستدعاء التي تقدمت بها “بي بي سي”. ومن جهتها، طلبت الهيئة رفض الدعوى بالكامل، بحجة أن ترامب يحاول كتم حرية التعبير.