عندما نسافر إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، نقضي وقتنا أولاً في الاستماع إلى الناس.
في مدينة بونيا، التقينا بعشرات من ممثلي المجتمع: ناجين، ونساء، وشباباً، ومنظمات محلية، وعاملين صحيين، وقادة من المناطق المتضررة. رسالتهم واضحة ومباشرة: أشركونا. نحن نعرف مجتمعاتنا. نعرف أين تلجأ العائلات للعلاج، وكيف تنتقل المعلومة، ولماذا تتراجع الثقة. أعطونا الوسائل لنكون جزءاً من الاستجابة. وهم على حق.
الإيبولا ينتشر عبر المجتمعات، والمجتمعات تملك المعرفة اللازمة لوقفه. فهي تستطيع اكتشاف المرض مبكراً، وتنبيه الفرق الصحية، والمساعدة في تحديد المخالطين وتتبعهم، ومواجهة الشائعات الخطيرة، ودعم الأسر في الوصول إلى العلاج والدفن الآمن والكريم. الاستجابة تكون أسرع دائماً عندما يقود المجتمع العملَ إلى جانب السلطات الوطنية والعاملين الصحيين.
قبل مئة يوم، أعلنت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية تفشي الإيبولا السابع عشر في البلاد، بعد تأكيد الإصابة بفيروس بونديبوجيو. وفي ما بعد، أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة ذات بُعد دولي، تبعها إعلان المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها حالة طوارئ صحية عامة ذات بُعد قاري.
حجم الأزمة هائل. حتى 21 آب/أغسطس، سجّلت الكونغو الديمقراطية 5290 إصابة مؤكدة و2516 حالة وفاة في 56 منطقة صحية. هذا هو الآن ثاني أكبر تفشٍّ للإيبولا يُسجَّل على الإطلاق، وهو ينتشر بسرعة أكبر من أي تفشٍّ سابق. يُغذّيه انعدام الأمن الناتج عن عقود من النزاع المسلح الذي قوّض القانون والنظام والخدمات الاجتماعية، وشرّد أكثر من مليون شخص.
في قلب الاستجابة يوجد أناس يحضرون كل يوم. عاملون صحيون يعتنون بالمرضى، وفرق مخبرية تحدّد الفيروس، وفرق تتبع المخالطين التي ترسم مسار انتشاره، وعاملون صحيون مجتمعيون يبنون الثقة حيث ساد الخوف والمعلومات المضللة، وفرق دفن تساعد الأسر على توديع أحبائها بأمان وكرامة.
هؤلاء يعملون تحت ضغط هائل، وغالباً في مناطق غير آمنة ويصعب الوصول إليها. بعضهم أصيب بالإيبولا أثناء أداء واجبه.
هذه الخدمة يجب أن يقابلها فعل ملموس: سلامة، ومعدات حماية، وتدريب، وإمدادات طبية كافية، ودفع الرواتب في وقتها، ودعم نفسي واجتماعي، والحصول على تشخيص سريع ورعاية داعمة عالية الجودة إذا مرضوا. سلامة العاملين في الخطوط الأمامية أمر أساسي لوقف انتقال العدوى.
الاستجابة حققت تقدماً. تحت قيادة السلطات الوطنية، وسّع الكونغوليون ومنظمة الصحة العالمية والمراكز الأفريقية والشركاء نطاق الترصد، ونشروا مختبرات، ودعموا مراكز العلاج، وعزّزوا الوقاية من العدوى، ووفّروا الإمدادات الأساسية.
أوغندا المجاورة تمكنت من قطع انتقال العدوى محلياً. كما تمكنت عدة مناطق صحية في شمال إيتوري وجنوب كيفو من قطع انتقال العدوى. هذه التجارب تُثبت أن التفشي يمكن وقفه بسرعة أكبر عندما يكسر الاكتشاف السريع والقيادة الوطنية الحاسمة والتعاون الوثيق مع المجتمعات سلاسل الانتقال.
لكن استمرار الطوارئ في بقية مقاطعة إيتوري وخمس مقاطعات أخرى يتطلب استجابة موسّعة على وجه السرعة.
من أجل قلب المسار، يتم حالياً توسيع فرق الترصد وتجهيزها لاكتشاف الحالات مبكراً وتحديد المخالطين بسرعة. كما يتم تعزيز الرعاية السريرية الآمنة وإجراءات الوقاية من العدوى في كل مكان يلجأ إليه الناس للعلاج.
يتم نشر المزيد من فرق التواصل مع المجتمعات وإشراكها، بهدف تمكين الناس من المشاركة في الاستجابة ومعالجة العوائق التي تحول دون الرعاية. كما يعمل المزيد من فرق الدفن الآمن والكريم لمنع انتقال العدوى المرتبط بالوفيات. وتُبذل جهود خاصة للوصول إلى الفئات الضعيفة والمجتمعات في المناطق غير الآمنة والتي يصعب الوصول إليها.
لكن رغم كل هذه الجهود، لا يزال المطلوب أكثر. نحتاج إلى توسيع الاستجابة بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بالقدرات الحالية، في جميع محاور الاستجابة.
المرافق الصحية تحتاج أيضاً إلى حماية عاجلة من العدوى. حتى 20 آب/أغسطس، أُصيب 158 عاملاً صحياً وتوفي 45 منهم. كل مرفق في منطقة متأثرة أو عالية الخطورة يحتاج إلى موظفين مدرّبين، ومعدات حماية، ومياه نظيفة، وصرف صحي، وأنظمة فعالة للوقاية من العدوى.
الفرق الوطنية والمحلية تحتاج إلى تمويل يمكن التنبؤ به من أجل الترصد والمختبرات والعلاج والخدمات اللوجستية والوقاية من العدوى وإشراك المجتمع. يجب دفع رواتب العاملين في الخطوط الأمامية في وقتها. المنظمات المحلية بحاجة إلى دعم مباشر لتواصل عملها مع المجتمعات. والإمدادات يجب أن تصل قبل نفاد المخزون.
تأخير التمويل يكلف أرواحاً، والتجزئة في التمويل تترك ثغرات، والإيبولا يستغل الاثنين. على الأرض، أقمنا في منظمة الصحة العالمية والمراكز الأفريقية تكاملاً وثيقاً بين المنظمات الصحية والإغاثية التي تعمل مع الحكومة. لذلك يجب على المانحين دعم هذا التكامل وتعزيزه، بدلاً من دعم جهود منعزلة ومنفصلة.
التنسيق العابر للحدود يجب أن يبقى قوياً أيضاً. الناس ينتقلون داخل البلدان وفيما بينها للتجارة والعمل والدراسة والعلاج ودعم أسرهم. يجب أن تكون الحدود جسوراً للعمل الصحي المنسق. هذا لا يتطلب إغلاق الحدود أو فرض قيود عامة على السفر والتجارة. مثل هذه الإجراءات قد تعطّل عمليات الاستجابة وتضرّ بسبل العيش دون أن توقف الانتقال. الأولوية هي ترصد منسق، وتبادل سريع للمعلومات، وخدمات صحية جاهزة على طول طرق التنقل.
المئة يوم الأولى أوضحت الأولويات.
ابحثوا عن كل حالة. تابعوا كل مخالط. اكسروا كل سلسلة انتقال. احموا كل عامل صحي وعامل في الخطوط الأمامية. أنقذوا الأرواح وتأكدوا ألا يُترك أي مجتمع خلف الركب. قرّبوا الفحص والعلاج من كل مجتمع متضرر. عزّزوا التنسيق العابر للحدود. وسّعوا الدعم الدولي. حوّلوا كل تعهد إلى فعل.
منظمة الصحة العالمية والمراكز الأفريقية ستواصلان العمل مع الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة والمجتمعات والشركاء لتنفيذ هذه الأولويات. مسؤوليتنا هي أن نجلب قوة التعاون الدولي والقاري الكاملة خلف الاستجابة التي تقودها الدولة.
أوغندا ومناطق في الكونغو الديمقراطية أظهرت كيف يمكن تغيير مسار التفشي، من خلال الاكتشاف السريع والعمل الحاسم والتعاون الوثيق مع المجتمعات. لكن هذه الإجراءات يجب أن تُنفَّذ على نطاق واسع. النجاح يعتمد على قيادة وطنية مستدامة، وتضامن قاري، ودعم دولي. يجب أن نرتقي إلى مستوى هذا التحدي، معاً.