وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.. هل يقنع عاصم منير القادة العسكريين بالعودة إلى الحوار؟

في زيارة هي الرابعة له إلى طهران هذا العام، تنقّل المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، يوم الاثنين في أروقة السلطة في العاصمة الإيرانية، حيث التقى الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف – كبير مفاوضي طهران في المحادثات مع واشنطن لإنهاء الحرب المستمرة منذ ستة أشهر – كما عقد اجتماعات في المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارتي الخارجية والداخلية.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المفاوضات بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب جموداً. ويرى محللون أن اختبار منير الحقيقي كوسيط يكمن في قدرته على استثمار مكانته كأحد أقوى القادة العسكريين في المنطقة لإقناع نظرائه في الزي العسكري الإيراني بالعودة إلى طاولة الحوار مع واشنطن.

قبل أيام من الزيارة، كان بزشكيان قد قال في تجمع للأطباء بطهران إن الوقت قد حان لإنهاء الحرب بينما هي في موقع قوة، موجهاً رسالة إلى المؤسسة الأمنية الإيرانية وإلى واشنطن معاً. وقال: “من الأفضل أن ننهي الحرب الآن ونحن في موقع قوة وكرامة”، مضيفاً أن “العالم بأسره يعترف بانتصارنا”. لكن بعد ذلك بساعات، وتحديداً في الحادي والعشرين من أغسطس/آب، توعد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء علي عبد اللهي، بردود “ثورية وساحقة ومثيرة للندم ومدمرة” على أي خطأ أمريكي. وهذا التفاوت اللافت بين موقف الرئيس وموقف القادة العسكريين هو ما يتعين على منير اجتيازه، بحسب المحللين.

ولذلك، ربما كان اللقاء الأهم لمنير يوم الاثنين هو لقاؤه بالجنرال محسن رضائي، ممثل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي والأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي. فإضافة إلى موقعه، يُعد رضائي جسر التواصل بين الجيش والمرشد الأعلى.

وجاءت الزيارة في يوم كان العالم والمنطقة بانتظار ما هدد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من “يوم الإنزال الاقتصادي” ضد إيران، وما توعد به من عقوبات على الدول التي تواصل التجارة معها. وفي وقت لاحق، كشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن “عملية العزل الاقتصادي”، وهي حملة عقوبات واسعة تستهدف الأصول الرقمية والذهب والطيران والتكنولوجيا وشبكات الشحن الإيرانية. لكنه مع تحذيره الدول الأخرى من قطع علاقاتها التجارية مع طهران، امتنع عن الإعلان الفعلي عن عقوبات ضد تلك الدول، معترفاً بأن مثل هذه الخطوة ستفجّر النظام المالي العالمي.

يقرأ  الصين تطرد كبار قادة الجيش في أحدث حملة تطهير لمكافحة الفساد — أخبار شي جينبينغ

وفي اليوم نفسه، أبقى وزير الدفاع بيت هيغسيث خيار شن ضربات جديدة مفتوحاً، قائلاً: “إذا احتجنا إلى ضربات عسكرية فسنستخدمها. وإذا كانت إيران حمقاء بما يكفي لتتجاوز حدودها أو تعبث بالجيش الأمريكي، فسنفعل ما يلزم”.

ليس واضحاً ما إذا كانت زيارة منير ساعدت في درء تحرك أمريكي أوسع ضد إيران وشركائها التجاريين. لكن التوقيت كان مهماً، كما يشير محللون، إذ وصل منير إلى طهران بعد أيام من تلقيه مكالمة هاتفية من ترامب، يقال إنه طلب فيها من إسلام آباد استخدام نفوذها لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

وقالت هيئة العلاقات العامة للقوات المسلحة الباكستانية إن الزيارة التي استغرقت يوماً واحداً أسفرت عن “مباحثات شاملة” حول إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب. وأضافت أن المسؤولين الإيرانيين “أشادوا بالدور البناء والجهود الصادقة لباكستان”. أما وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي رافق منير، فذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً المحادثات بأنها “إيجابية ومثمرة للغاية”، ومؤكداً أنه “تم إحراز تقدم كبير”.

هذه هي الزيارة الرابعة لمنير إلى طهران هذا العام، لكنها الأولى منذ التغيير الذي شهده الهرم العسكري الإيراني في وقت سابق من هذا الشهر. ففي العاشر من أغسطس/آب، عيّن خامنئي عبد اللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة، وعيّن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي. أما أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني، فيشغل منصبه منذ مارس/آذار، حين قُتل سلفه في الضربات الأولى للحرب.

ويرى محللون أن هؤلاء العسكريين هم من يرسمون الآن خيارات إيران الحربية، وهو ما قد يمنح رجلاً بزي عسكري أفضلية على الدبلوماسيين التقليديين في إقناع طهران بالعودة إلى المحادثات. وقال أحمد سعيد، نائب أميرال سابق في البحرية الباكستانية والمحلل الدفاعي، للجزيرة: “من الواضح بشكل متزايد أن الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية الأوسع هما من يقرران مسار الحرب والسلام خلال هذه الأزمة”.

يقرأ  بي بي سي: إعلانات إنستغرام في الهند تروّج لمحتوى اعتداء جنسي على الأطفال

وكان نقوي قد سافر إلى طهران ثماني مرات منذ أبريل/نيسان دون أن تثمر زياراته أي انفراجة تُذكر. لكن منير، على عكسه، ليس سياسياً؛ إنه جنرال يبدو أنه يحظى بثقة القيادة الإيرانية، والأهم من ذلك، بثقة ترامب الذي وصفه بأنه “المشير المفضل” لديه. وقال سعيد: “المكالمة بدأها ترامب نفسه قبل أيام، وطلب فيها من القيادة الباكستانية استخدام نفوذها لإعادة إيران إلى طاولة الحوار”.

أما ما قاله المسؤولون الإيرانيون لمنير، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية، فلم يختلف كثيراً عما يرددونه طوال الأسبوع. فنقلت وكالة إرنا عن رضائي قوله: “نحن لا نثق بأمريكا، وعليها أن تغير سلوكها”. وكان قاليباف أكثر وضوحاً، حيث قال لمنير بحسب إرنا: “نحن نتابع تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وعلى أمريكا أن تلتزم بالتزاماتها وفقاً لتلك المذكرة”. أما بزشكيان فقد طلب من منير نقل رسالة إلى واشنطن مفادها “تصحيح لهجتها ونهجها”، محذراً من أن “الاعتماد على القوة والتنمر لن يؤدي إلا إلى تعقيد العملية”، وفقاً لوكالة تسنيم.

وفي مسار موازٍ، كان من المتوقع أيضاً أن يصل وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي إلى طهران في اليوم نفسه لجولة محادثات منفصلة تركز بشكل خاص على مضيق هرمز. وهو مسار سار بالتوازي مع الوساطة الباكستانية منذ أشهر، وليس جديداً أن تلعب عُمان دوراً في هذا الملف.
أجرى المسؤول العُماني مباحثات متكررة مع طهران حول قواعد الملاحة في المضيق، وفق ما أشارت إليه تقارير سابقة.

من جهته، قال إجاز حيدر، المحلل الدفاعي المقيم في لاهور، إن المسارين الدبلوماسيين العُماني والباكستاني متكاملان. وأوضح في حديث لـ”الجزيرة” أن قناتَي مسقط وإسلام أباد تكمّلان بعضهما، لأن البند الخامس من مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام أباد يؤكد على ضرورة تفاهم ثنائي بين عُمان وإيران حول المضيق، علماً أن مضيق هرمز يمر عبر المياه الإقليمية للبلدين.

يقرأ  المملكة المتحدة وفرنسا وألمانياعلى أهبة الاستعداد لإعادة فرض عقوبات على إيرانإذا لم تُستأنف المفاوضات

وأضاف حيدر أن أي اتفاق إيراني عُماني لإدارة المضيق بشكل مشترك ليس في مصلحة الولايات المتحدة، ولهذا هدّد ترامب بقصف عُمان، في إشارة إلى تصريحات أدلى بها في 17 أغسطس/آب، حين قال لقناة “فوكس نيوز” إنه سيقرع عُمان إذا “وقفت في طريقه” لإعادة فتح المضيق، وكانت هذه المرة الثانية التي يهدد فيها هذا الحليف الأمريكي بسبب هرمز.

أما سعيد، المسؤول البحري السابق، فقال إن ميزة إسلام أباد كوسيط تكمن في “وصولها المباشر إلى وحدي، وعبد اللهي، ورضائي”، وهم الذين يُعدّون المهندسين الفعليين لصناعة القرار الإيراني.

وفي السياق، قال مسؤول إيراني مقرّب من المفاوضات، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن زيارة البوسعيدي إلى طهران تأتي “بالدرجة الأولى للاستماع إلى ما قررته إيران وما بحثته مع الوسيط الباكستاني”.

أما أندرياس كريغ، أستاذ الدراسات الدفاعية المشارك في كينغز كوليدج لندن، فرأى أن الخلافات التي ظهرت بين القيادة العسكرية والمدنية في إيران تكشف عن هوّة في فهم كل طرف لموقف الحرب. فبزشكيان وقاليباف، حسب كريغ، يحذّران عملياً من أن إيران لا يمكنها العيش إلى ما لا نهاية في هذه الحالة، بينما تعتقد أجزاء من الحرس الثوري العكس، وترى أن الوقت يعمل ضد واشنطن.

غير أنه أشار في النهاية إلى أن محسن رضائي، وأحمد وحدي، والحرس الثوري هم المفتاح لأي تفاهم سياسي يهدف إلى إنهاء الحرب، لأن ترتيباتهم العسكرية هي التي تحدد ما إذا كان الاتفاق قابلاً للتنفيذ. وأضاف أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يمكنه التفاوض على شيء، وقطر يمكنها التوسط، لكن لا شيء من ذلك سينجح إذا لم يقبل الجهاز الأمني بالنتائج العملية المترتبة عليه.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن مونير هو المرشح الذي يعتقد الوسطاء أنه الأقدر على نقل الجنرالات الإيرانيين من غرفة العمليات إلى طاولة المفاوضات.

أضف تعليق