كيف يحوّل نتنياهو الدين إلى سلاح في خطابه الحربي؟ | أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

في يونيو/حزيران الماضي، وخلال كلمة ألقاها في مؤتمر يهودي بارز عُقد في فندق والدورف أستوريا في القدس الغربية، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عمّا وصفه بأنه تحوّل في العقيدة الأمنية للبلاد.

واستشهد نتنياهو بعبارة عبرية تعود إلى نصوص دينية وقانونية يهودية قديمة، ومعناها: “إذا جاء أحد ليقتلك، فقُم واقتله أولاً”، ثم اختصرها بالإنكليزية بعبارة أبسط: “اقتلوهم أولاً”.

بهذه العبارة، أشار نتنياهو إلى أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية يجب أن تقوم على أخذ المبادرة قبل أن يتمكن العدو من الضرب، وهي الفكرة ذاتها التي كانت وراء الاستراتيجية الإسرائيلية في حرب 1967 ضد جيرانها العرب.

الخطاب العسكري التقليدي كان يتجنب عادة وصف الصراعات الإسرائيلية بأنها حرب مقدسة وجودية، ويبدو أن السبب هو الخوف من الانتقادات العالمية التي قد تجلبها مثل هذه الخطابات.

خلال جلسات محكمة العدل الدولية في يناير/كانون الثاني 2024، أشار المحامي الجنوب أفريقي تيمبيكا نغكوكيتوبي إلى أمر نتنياهو للقوات الإسرائيلية في بداية الحرب على غزة بـ”تذكّر ما فعله بك عماليق”. وقال المحامي للمحكمة: “هذا يشير إلى الأمر الإلهي في الكتاب المقدس لشاول بالانتقام وتدمير مجموعة كاملة من الناس”. وخلص نغكوكيتوبي إلى أن هذا دليل على نية إبادة جماعية في غزة، حيث قُتل أكثر من 73,400 فلسطيني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما يصف خبراء آخرون الحرب بأنها إبادة جماعية.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، قدّمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا طلباً رسمياً إلى المملكة المتحدة لفرض عقوبات مالية وسفر مستهدفة على نتنياهو بسبب هذا التصريح.

“حيوانات بشرية”

استخدم قادة وقادة عسكريون إسرائيليون آخرون لغة مماثلة لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وتبرير العمليات العسكرية. فعندما أعلن وزير الدفاع السابق يوآف غالانت فرض حصار كامل على غزة، شمل قطع الكهرباء والغذاء والوقود، قال إن إسرائيل تحارب “حيوانات بشرية”. ورغم أن هذه العبارة ليست مرجعاً دينياً صريحاً، إلا أنها تعكس لغة التجريد من الإنسانية التي يستخدمها القادة الإسرائيليون ضد الفلسطينيين.

يقرأ  هل ستلجأ الصين إلى القوة ضد تايوان؟برنامج تلفزيوني

في الماضي، أصدرت شخصيات دينية يهودية فتاوى موجهة إلى الجيش. ففي عام 2004، حذّر الحاخام أفراهام شابيرا، وهو حاخام كبير، الجنود من أن تفكيك المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية وغزة هو خطيئة كبرى تشبه أكل لحم الخنزير.

منذ نكبة 1948، عندما تم تطهير 750 ألف فلسطيني عرقياً من منازلهم أثناء قيام دولة إسرائيل، استخدم القادة الإسرائيليون أيضاً الخطاب الديني في أوقات الحرب. ووفقاً لدراسة صادرة عن معهد سياسة الشعب اليهودي عام 2025، فإن أول رئيس وزراء إسرائيلي دافيد بن غوريون، رغم كونه “صهيونياً علمانياً”، استخدم في خطبه الحربية مراجع كتابية وحاخامية أكثر مما استخدمها نتنياهو.

كما استخدم الإسرائيليون الكتاب المقدس لتبرير احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية. ويُعد وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريش من بين العديد من السياسيين الإسرائيليين الذين يعتقدون أن المستوطنين لهم حق كتابي في الضفة الغربية المحتلة، التي يسمونها بالاسم التوراتي “يهودا والسامرة”.

وقد خصصت الحكومة الإسرائيلية مؤخراً أموالاً غير مسبوقة ضمن ميزانية قدرها 271 مليار دولار لترسيخ الاحتلال في الضفة الغربية، حيث يعيش الآن حوالي 700 ألف مستوطن. ويأتي هذا وسط موجة عنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، حيث وقع أكثر من 3,700 هجوم على الفلسطينيين هناك خلال العامين الماضيين.

إبراهيم أبو شريف، أستاذ مشارك في جامعة نورث وسترن في قطر، قال للجزيرة إن تقديم الصراع من خلال الصور الكتابية يحوّل الجغرافيا السياسية المعقدة إلى دراما أخلاقية. وأضاف: “الحرب في جوهرها ليست لاهوتية، بل هي جيوسياسية. لكن اللغة المحيطة بها تستعين بشكل متزايد بصور مقدسة وسرديات حضارية”.

هذا الخطاب السياسي تجسّد بشكل ملموس على خطوط المواجهة، وأبرز مثال على ذلك الحاخام أفراهام زربيف، وهو جندي احتياط في الجيش الإسرائيلي وقاضٍ حاخامي، قام بهدم منازل في غزة وجنوب لبنان. في يناير/كانون الثاني 2025، تفاخر زربيف على التلفزيون الإسرائيلي بالدمار الذي لحق بغزة، وأعرب عن شماتته بأن عشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية النازحة “لا منزل لها”.

يقرأ  قافلة متجهة إلى غزةتبعد نحو ٣٠٠ ميل عن سواحل إسرائيل

وقد قدّمت مؤسسة هند رجب شكوى ضده أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب لمشاركته في تدمير أحياء فلسطينية. ومن جهة أخرى، اختارته وزيرة النقل ميري ريغيف لإشعال شعلة في حفل عيد الاستقلال. وأدانت منظمة “بتسيلم” هذا الاختيار واعتبرته تأييداً على مستوى الدولة للتدمير الممنهج للحياة الفلسطينية، وقالت المنظمة الحقوقية الإسرائيلية إن هذه الخطوة ترسل رسالة مفادها أن “الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب هي روح الأمة”.

أضف تعليق