فُشار وكرتون.. سينما في غزة تمنح الفتيات مهربًا قصيرًا من الحرب

كل يوم خميس، تنتظر ناتالي الهطوم، التي تبلغ من العمر 14 عاماً، شيئاً واحداً. تستعدّ مبكراً، تودّع أمّها، وتتوجّه إلى السينما.

لكن هذه ليست سينما عادية متعددة القاعات. فغزة تعيش منذ ما يقرب من ثلاث سنوات حرباً إسرائيلية إبادة جماعية. هناك شبّاك للتذاكر وفشار، لكن كل ذلك جزء من العرض نفسه، إنها “تجربة سينمائية” وليست السينما الحقيقية.

فبدلاً من شاشة السينما، توجد شاشة تلفاز، وبدلاً من مقاعد الصالة، توجد كراسٍ بلاستيكية.

الفتيات اللواتي يحضرن عروض الأفلام الأسبوعية التي تنظّمها جمعية خيرية في دير البلح، هنّ جميعاً نازحات مثل ناتالي، ويبحثن عن أي نوع من الهروب من الحياة التي يعشنها منذ بدء الحرب.

تقول ناتالي: “أحب السينما كثيراً لأنها تغيّر الجو. تشعرك وكأنك لا تعيشين الحرب، وكأنك لا تعيشين هذه الأيام الصعبة”.

ناتالي من حي الرمال في مدينة غزة، لكنها تعيش مع عائلتها منذ الحرب في غرفة واحدة مستأجرة في وسط غزة، بعد أن قُصف منزلهم في الأشهر الأولى من الحرب التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأدت حتى الآن إلى استشهاد أكثر من 73 ألف فلسطيني.

نجت ناتالي وعائلتها بصعوبة من ذلك القصف، كما فقدت جدّها وجدّتها وابن عمّها خلال الحرب.

وتقول: “هذه الأحداث أثّرت فيّ كثيراً من الناحية النفسية. صدمت جداً. أتذكر دائماً الذكريات التي جمعتني بابن عمي، فأحزن كثيراً”.

ورغم استمرار الهجمات الإسرائيلية على غزة رغم وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول، تجد ناتالي ملاذاً من محيطها الصعب في مدرستها، وفي أنشطة مثل جلسات السينما الأسبوعية في المركز الذي تنظمه منظمة اتحاد لجان الإغاثة والطبية الأميركية (UOSSM USA).

وتضيف: “كلما أتيت إلى المركز، أشعر بالراحة. أشعر بالسعادة”.

العرض الأسبوعي مخصص للفتيات من سن 11 إلى 16 عاماً، وقد صُمم ليكون وسيلة ممتعة تحاكي تجربة الذهاب إلى السينما. تستمر العروض حوالي ساعة إلى ساعتين، وترافقها ألعاب وأنشطة أخرى.

يقرأ  عرض رومانسي أيقوني من بوليوود يحتفل بثلاثين عاماً من العرض المتواصل في مسرح مومباي— أخبار بوليوود

البرنامج نما منذ جلساته الأولى التي كانت تحضرها ما بين 15 و20 فتاة. أما اليوم، فيمكن أن تشارك في الجلسة الواحدة ما بين 35 و40 فتاة، وكثيرات يأتين مع صديقاتهن بعد أن سمعن عن النشاط من المشاركات الأخريات.

راما أبو محمد، 15 عاماً، من الحاضرات. تقول إن دخول المركز يشبه الدخول إلى “عالم آخر”.

وتضيف: “أشعر وكأنني أنفصل عن ضغوط الحرب وكل ما نعيشه في الخارج. إنه مكان آمن جداً لنا”.

وتقول راما إن المركز يمنح الفتيات مساحة للحديث عن تجاربهن الصعبة دون خجل.

“يمكننا أن نطلق ما بداخلنا ونتحدث عن مواقف تحصل معنا. وهم دائماً موجودون لمساعدتنا ويقولون لنا كيف نتعامل مع هذه المواقف.”

جلسات السينما مهمة لها بشكل خاص لأن الأفلام تُختار حول قضايا تهم الفتيات في سنّها.

وتقول: “تعلّمنا كيف نتحكم في مشاعرنا وكيف نعتني بأنفسنا”.

جيهان أبو زنونة، منسقة نفسية واجتماعية تساعد في إدارة النشاط، تقول إن السينما جزء من جهد أوسع لتقديم دعم نفسي للأطفال.

وتضيف: “أطفال غزة عاشوا تجارب صعبة كثيرة خلال ما كان يجب أن يكون طفولتهم”.

الفكرة هي منحهم استراحة مؤقتة من الظروف المحيطة بهم.

وتقول: “نحاول أن نفصلهم تماماً عن الخيام، والحر، والحشرات، والواقع القاسي الذي يعيشونه كل يوم”.

الأنشطة لا تنتهي بانتهاء الفيلم. فالمشرفات يناقشن القصة والشخصيات مع الفتيات، ويشجعنهن على التحدث عن مشاعرهن وما فهمنه من الفيلم.

البرنامج يشمل أيضاً جلسات حول السلامة الشخصية، والحدود الشخصية، والمشاعر، والحماية من التحرش.

وتقول أبو زنونة: “الخصوصية شبه معدومة في الخيام، والآباء غالباً مشغولون بمهام البقاء اليومية”.

“لهذا نعمل مع الفتيات على السلامة الشخصية والحدود وفهم السلوك غير الملائم بطرق بسيطة ومناسبة لأعمارهن”.

يقرأ  هل تشهد الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة تراجعًا؟

وتضيف أن الأنشطة مصممة لتكون عملية وليست مجرد تعليم نظري، حتى تفهم الفتيات كيف يتصرفن في مواقف قد تواجههن في حياتهن اليومية.

بالنسبة لراما، هذه المحادثات مهمة بقدر الترفيه.

وتقول: “هذه المواضيع مهمة جداً لنا في عمرنا، خاصة أثناء الحرب. كل واحدة منا قد مرّت بموقف سواء في الخيام أو حتى في البيت”.

“كفتاة، تحتاجين أن تعرفي كيف تتعاملين مع هذه الأشياء”.

البرنامج جزء من عمل أوسع تنفذه منظمة UOSSM USA لدعم الأطفال والعائلات في غزة، وفقاً لزهراء أبو محمد، وهي موظفة في المنظمة.

وتقول إن العائلات النازحة تواجه ضغوطاً متزايدة وتحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي.

“نركّز على الأطفال لأنهم يستحقون مكاناً آمناً للحديث واللعب والتفاعل مع الآخرين ومع مجتمعهم”.

واختارت المنظمة الأفلام لأنها تفتح مجالاً للحديث عن المشاعر دون أن يبدو النقاش وكأنه درس.

وتضيف أبو محمد: “اخترنا السينما لأنها ليست للمتعة فقط. نحن لا نتحدث فقط عن القصة أو الشخصية”. تنظّم منظمة UOSSM USA نشاطاً أسبوعياً لعرض الأفلام في دير البلح، يتيح للفتيات النازحات مثل ناتالي وراما فرصة لا للترفيه عن أنفسهن فقط، بل أيضاً للتحدث عن واقعهن الصعب والبحث في كيفية التعامل معه بشكل أفضل. وخلال الجلسات، يتحول النقاش إلى مساحة آمنة تشارك فيها الفتيات مشاعرهن، كما تقول المشرفة: “نتحدث عن مشاعرهن ومشاعر الشخصية”.

تقول راما إنها غالباً ما تعود إلى البيت وتحكي لعائلتها عن يومها. وتضيف: “أشعر أنني أعيد شحن طاقتي، ثم أعود لمواجهة كل شيء من جديد. وكأنني أفرّغ جزءاً مما أحمله بداخلي”.

أما ناتالي، فتغادر قاعة السينما لتعود إلى الغرفة المزدحمة في دير البلح حيث تقيم أسرتها. لكنها تقول إنها تخرج بحالة ذهنية مختلفة، إذ تشعر بخفة وتفاؤل أكبر. وتتطلع إلى إخبار صديقاتها ووالدتها عن الفيلم وما تعلمته خلال النقاشات، وتتمنى: “لو كان هذا النشاط يومياً، وأتمنى ألا ينتهي أبداً، حتى لو انتهى المشروع أو بدأ المدرسة”.

يقرأ  سقوط ١٬١٥٨ جندياً وعنصراً أمنياً إسرائيلياً منذ بدء مجزرة ٧ أكتوبر

أضف تعليق