توفي الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، أحد أهم أعلام الفن العربي المعاصر، عن عمر يناهز 79 عاماً. وأعلنت عائلته الخبر أمس عبر حسابها على إنستغرام، بعد أن كانت قد أشارت في وقت سابق إلى أن حالته حرجة.
وقالت العائلة في بيانها: «كُتب الفصل الأخير… بقلوب مثقلة بما لا تعبر عنه الكلمات، ننعي أبينا الحبيب… للعالم، يترك خلفه حياة مليئة بالجمال والذاكرة وإرثاً سيظل حياً في كل من تأثر به. أما لنا، فنحن فقدنا أباً، مصدر حبنا وقوتنا وبيتنا».
مثل غيره من الفنانين الفلسطينيين في جيله، حملت لوحات منصور أحلام الفلسطينيين وشهادتهم إلى ما وراء الجدران التي تحيط بالضفة الغربية وقطاع غزة. من أشهر أعماله لوحة «جمال المحامل» (1973)، التي تصور حمالاً فلسطينياً مسناً يحمل مدينة القدس على ظهره، ويخطو خطوة إلى الأمام. في وسط اللوحة تظهر القبة الذهبية للمسجد الأقصى في القدس الشرقية. العمل يكشف السمة التي اشتهر بها منصور: صور سريالية تفيض بالمشاعر، ومع ذلك فلسطينية الهوية بوضوح لا لبس فيه.
أما أعماله الأخرى فقد واجهت الصورة التي كانت وسائل الإعلام الغربية تروّجها عن فلسطين. فبالنسبة إليه، لم يكن الوطن معرّفاً بالموت. في لوحة «صمود وأمل» مثلاً، يظهر ثلاثة فلسطينيين في مخيم لاجئين مدمَّر، يرفعون أنظارهم إلى حمامة.
وكتبت الفنانة الفلسطينية إيميلي جاسر، الحائزة على الأسد الذهبي، تعليقاً على صورة جمعتها به: «خسرنا اليوم عملاقاً. صديقي ورفيقي ومرشدي على هذا الطريق منذ التقينا قبل ثلاثين عاماً… أعيش الليلة ألماً وخسارة عميقة، لكنني أتذكر ابتسامتك الدافئة وقلبك، تلك الابتسامة التي كانت تجعلني أبتسم دائماً».
وقال غاليري زاوية، الذي تأسس في رام الله عام 2013 بوصفه أول غاليري مخصص للفنانين الفلسطينيين: «تجاوز تأثيره حدود ممارسته الفنية. فقد ساعد كفنان ومعلم ومرشد في تكوين أجيال من الفنانين الفلسطينيين، وكان له دور حاسم في تطور الثقافة البصرية الفلسطينية. برحيله، تخسر فلسطين والعالم العربي شخصية فنية عملاقة».
كما نعته مؤسسة الشارقة للفنون ومؤسسة موزاييك رومز في لندن، معتبرتين أن رحيله خسارة للمجتمع الفني الدولي.
وُلد منصور في بلدة بيرزيت قرب رام الله عام 1947، أي قبل عام واحد من النكبة، حين شُرّد مئات آلاف الفلسطينيين مع قيام دولة إسرائيل. ظل إرث الاحتلال ماثلاً في حياته وفنه، وكان الاثنان متشابكين بشكل وثيق.
تخرج من أكاديمية بتسالئيل للفنون والتصميم في القدس عام 1970، ضمن أول جيل من الفلسطينيين درس في هذه الأكاديمية تحت الاحتلال. وقال منصور في مقابلة سابقة: «بدأت الحركة الفنية الفلسطينية فعلياً عام 1972. قبل ذلك لم تكن هناك بنية تحتية ولا إطار للفن. كنا نعيش في غيتو ثقافي، معزولين عن التطورات الفنية. التنقل كان صعباً، وكثير من الفنانين مُنعوا من السفر. كان الفنانون يتعرضون للاعتقال ومصادرة أعمالهم. أنا شخصياً أُلقيت في السجن أربع أو خمس مرات».
عام 1972، أقام منصور وزملاؤه أول معرض فني في فلسطين المحتلة، بمشاركة نحو 18 فناناً من الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي العام التالي أسسوا رابطة الفنانين الفلسطينيين، وتولى منصور رئاستها من 1986 إلى 1990. وفي وقت لاحق، شارك في تأسيس غاليري 79، الذي يعد أول فضاء فني في الضفة الغربية.
وفقاً لمنصور، شنت إسرائيل في الثمانينيات حملة قانونية ضد «الفن السياسي»، شملت حظر استخدام الألوان الأحمر والأسود والأخضر والأبيض. وقال للجزيرة في 2024: «هذه هي ألوان العلم الفلسطيني، والعلم رمز للشعب». وأوضح أن هذا الحظر أدى، من دون قصد، إلى ظهور أحد أبقى رموز المقاومة الفلسطينية: البطيخ، الذي حمل الألوان نفسها وجرّب حدود الحظر.
في عام 1989، بعد عامين على اندلاع الانتفاضة الأولى، أسس منصور مع ثلاثة فنانين هم نبيل عناني وفيرا تماري وتيسير باركات، حركة «رؤى جديدة»، في لحظة اعتُبرت تاريخية في مسيرة الفن الفلسطيني. وقال منصور لمعهد فهم الشرق الأوسط: «جاءت الانتفاضة الأولى بفلسفة الاعتماد على الذات».
ورفضت الحركة استخدام المواد الفنية المستوردة من إسرائيل والغرب، واكتفت بمواد محلية، «في سعي جمالي لرفع الرؤية الفنية إلى مستوى يؤكد حرية الفنان الداخلية وقدرته على رؤية الجمال والحقيقة وسط نضاله اليومي من أجل الحرية»، كما جاء في بيانها التأسيسي عام 1989. وتضعه الدراسات الحديثة في قلب تاريخ المقاومة الفلسطينية اللاعنفية، وتصفه بأنه «سلف فني لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات».
ومنذ عام 1989، حل زيت الزيتون والحناء والشاي والبهارات والقهوة محل ألوان الزيت والأكريليك، كما استُخدم الغراء الحيواني والطين والجلد في ملصقات المجموعة ولوحاتها وأعمالها المتعددة الوسائط، التي استلهمت من الهندسة الإسلامية التقليدية. أما منصور فاتخذ الطين خامة له، يضع منها طبقات ويشكلها في أعمال خزفية. وقال للجزيرة: «كنت قلقاً في البداية من الشقوق التي تظهر في الطين، لكن مع الوقت أدركت أن في هذه الشقوق رمزية. إنها تحمل شيئاً صادقاً وقوياً». وأضاف متحدثاً عن هذا النهج: «أعتقد أن هذا هو الرابط بين الفن التقليدي والفن الحديث الذي ينتجه الجيل الأصغر الآن».
كرس منصور جزءاً كبيراً من حياته لبناء بنية تحتية فنية للأجيال القادمة. عام 1994 شارك في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس الشرقية، الذي ربط بين الفنانين في فلسطين والمغتربين. ومع رفاقه في «رؤى جديدة»، أسس أيضاً الجمعية الفلسطينية للفن المعاصر، ثم أول أكاديمية دولية للفنون الجميلة في الأراضي الفلسطينية، والتي اندمجت لاحقاً مع جامعة بيرزيت.
وكتبت الفنانة سما الشايبي، التي قالت إنها التقت منصور في أول زيارة لها إلى فلسطين عام 2004: «كان دائماً سخياً بشكل مدهش بوقته وأفكاره ورغبته في مساعدة الفنانين الذين جاءوا بعده. نعم، إنه أسطورة، لكنه أيضاً رجل عائلة وصديق رائع. لا أستطيع تخيل عالم لا يكون فيه».
وأشاد المتحف الفلسطيني بمنصور، واصفاً إياه بأنه «الوجه الفلسطيني المحبوب وأحد الذين علّمونا، على مدى عقود، كيف نرى فلسطين». وأضاف المتحف، الذي يتخذ من بيرزيت مقراً له، أن لوحاته «أصبحت إحدى الطرق التي حفظنا وتخيلنا بها هذا الوطن».
وفي مناسبة خاصة، وثّق المتحف الذكرى السابعة والثلاثين للانتفاضة الأولى والذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس مجموعة «رؤى جديدة» بأربع لوحات جدارية، أُنجزت بمساعدة فنانين شباب وأعضاء هيئة تدريس من أقسام الفن والموسيقى والتصميم في جامعة بيرزيت. وتحمل لوحة منصور عنوان «على جناح الملاك»، وتصوّر المدينة القديمة في القدس. وقال المتحف عند كشف النقاب عن اللوحات إن الأعمال «وُلدت لتكون أساس المعرض الدائم للمتحف الفلسطيني»، وإنها «ستبقى على جدرانه ما دام قائماً، عربون امتنان لفناني مجموعة رؤى جديدة الذين قادوا حركة تجديد، بينما استمدوا قوتهم من تراث شعبهم العظيم».
واصل منصور العمل في استوديوه حتى تفاقمت حالته الصحية، وكان ينشر أعمالاً جديدة على إنستغرام بانتظام حتى العام الماضي. كما استخدم منصته العامة لانتقاد رد إسرائيل على هجوم حماس في السابع من أكتوبر. وقد قُتل ما لا يقل عن 70 ألف فلسطيني في قطاع غزة على يد القوات الإسرائيلية حتى الآن، في حملة وصفته لجنة أممية مستقلة، في وقت سابق من هذا العام، بأنه إبادة جماعية.
وكثيراً ما كان الفن والسياسة موضوعاً للمقابلات مع منصور، الذي لم يتردد أبداً في الرد. وقال للجزيرة: «أعتقد أنني أقف إلى جانب الصواب في التاريخ، وأبذل قصارى جهدي لإظهار ذلك. لا أعتقد أن هناك وصفة جاهزة لما يجب أن يفعله الفنانون. لكن عليهم أن يكونوا صادقين مع مشاعرهم، وأن يشعروا بالآخرين. أستطيع بسهولة أن أذهب إلى استوديوه، وأنسى كل شيء آخر، وأنتج زهوراً وفتيات جميلات، وأقيم معارض، وأبيع الأعمال، وهكذا. لكن هذه ليست طبيعتي. ولا ينبغي للفنانين أن يفعلوا ذلك؛ بل عليهم أن يكونوا أكثر نشاطاً في مجتمعهم». وأضاف: «أؤمن بالفن بوصفه أداة اجتماعية، لا ديكوراً لبيوت الأثرياء».