هزيمة الدعم السريع لن تنهي حرب السودان بل تفتّتها

كان للجيش السوداني صيف جيد. في الشهر الماضي، استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على عدة بلدات على طول طريق التصدير الاستراتيجي، المعروف محلياً باسم “ساديرات”، والذي يربط وادي النيل الأوسط بغرب البلاد، ودفعت قوات الدعم السريع إلى موقف دفاعي في معظم مناطق وسط السودان.

وعلى خلفية هذه المكاسب، يتحدث قادة الجيش الآن بثقة أكبر عن هزيمة الدعم السريع بالكامل، لا مجرد احتوائها.

لكن عند التوجه شرقاً إلى ولاية النيل الأزرق، تنقلب الصورة. ففي منتصف أغسطس/آب، استعادت الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، بلدة كورمك واستولت على قيسان في غضون أيام، في هجمات قالت مصادر عسكرية سودانية إنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية عبر الحدود. كما أظهرت هجمات بطائرات مسيّرة على عدة مدن تسيطر عليها القوات المسلحة هذا الشهر أن الدعم السريع قادرة على الوصول إلى أبعد من دارفور، معقلها الرئيسي.

الدرس المستفاد من هذا الصيف ليس أن الجيش السوداني على وشك تحقيق نصر حاسم، بل أن النصر العسكري والتسوية السياسية أصبحا أمرين مختلفين تماماً. وحتى الهزيمة الكاملة للدعم السريع قد لا تنهي الحرب، بل تجزئها إلى عدة صراعات أصغر.

النظر إلى التحالفات التي تخوض القتال يساعد في تفسير ذلك. فالجيش السوداني يقود التحالف المناهض للدعم السريع وينسق أعماله، لكنه يعتمد أيضاً على حركات مسلحة حليفة، منها فصائل دارفورية وقعت اتفاق جوبا للسلام عام 2020. وتشمل هذه الفصائل حركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة والي دارفور مني مناوي. وكان اتفاق جوبا يتطلب دمج قوات هذه الحركات في الجيش والأجهزة الأمنية، لكنها ما زالت مترددة في التخلي عن استقلالها العسكري الذي يمنحها نفوذاً سياسياً.

وكان ياسر العطا، مساعد القائد العام السابق ورئيس الأركان الحالي، قد أعلن في مارس/آذار أن الجيش سيفعّل آليات لتنظيم ودمج الجماعات المسلحة غير النظامية المتحالفة معه في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، لكن لم يحدث سوى القليل منذ ذلك الحين.

يقرأ  أربع سنوات على حرب أوكرانيا — موسكو ترى إثباتًا لصوابها لا فشلاً

وقبل ذلك بعامين، قال شمس الدين كباشي نائب القائد العام في حفل تخريج لمقاتلي حركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي إن الجيش “بدأ في سن قانون وهياكل للسيطرة على جماعات المقاومة الشعبية”، محذراً من أن المليشيات شبه المستقلة والتحالفات القبلية والمتطوعين الذين يدعمون الحرب، أو ما يسمى “المقاومة الشعبية”، سيكونون “الخطر القادم إذا استمرينا على هذا النحو”. لكن بعد أكثر من عامين على هذا الكلام، ما زالت المشكلة الأساسية من دون حل إلى حد كبير.

أما تحالف الدعم السريع نفسه فيتفكك أمام الأعين. فقد انشق عدد من كبار القادة، منهم النور القبة وآخرون، ومؤخراً حمد خليفة والي إقليم كردفان المعين من قبل الدعم السريع، وسط تقارير عن إغراءات مالية سعودية ومظالم قبلية. وعندما انشق النور القبة، أخذ معه عشرات المركبات القتالية ومجموعة كبيرة من المقاتلين. وبما أن الدعم السريع أقرب إلى شبكة من التشكيلات شبه المستقلة منها إلى قوة قتالية موحدة، فإن هذه الانشقاقات يجب أن تقلق الجيش بقدر ما تطمئنه؛ فالمنشقون غالباً ما يأتون كقوات متماسكة موالية لقادتها، لا كجنود اعتادوا الانصياع لسلسلة قيادة. وبهذا المعنى، يرث الجيش ضعف الدعم السريع البنيوي مع كل انشقاق.

ومن الأمثلة أيضاً أبو عقلة كيكل، وهو ضابط تدرّب في الجيش وقاتل إلى جانبه بعد اندلاع الحرب في 2023، قبل أن ينشق إلى الدعم السريع في نهاية ذلك العام، ثم يعود إلى الجيش في أكتوبر/تشرين الأول 2024. وقوات درع السودان التابعة له ما تزال في الواقع تحت إمرته هو أكثر من إمرة الجيش، حتى وهو يظهر إلى جانب قادة الجيش وقادة دارفور في الصور الاحتفالية بعد الانتصارات الأخيرة.

كثير من القادة في المعسكر المناهض للدعم السريع يتمتعون بهامش واسع من الاستقلال العملياتي، وبالتالي لهم حساباتهم السياسية الخاصة. وسيظهر هذا بوضوح أكبر بعد نهاية الحرب، عندما يختفي العدو المشترك الذي يغطي على الخلافات.

يقرأ  ملخص أسبوعي عن فلسطين — احتجاجات تجتاح الضفة الغربية بعد إقرار قانون عقوبة الإعدامأخبار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي

أما الإسلاميون في السودان فيحتلون موقعاً غريباً. فقد زوّدت ألوية مثل لواء البراء بن مالك، المرتبط بالحركة الإسلامية التي كانت تساند حكم عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني، الحربَ بآلاف المقاتلين، وكان لها دور أساسي في استعادة الخرطوم من الدعم السريع. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على لواء البراء بن مالك، بينما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على قائده المصباح أبو زيد. ومع هذا الضغط الدولي وتقدم الجيش في الميدان، بدأ بعض مقاتلي الإسلاميين وقادتهم في الانسحاب، في إطار ما وصفته تقارير “سودان تريبيون” بأنه “انسحاب تكتيكي”. وقد كتب المصباح مؤخراً: “عدنا إلى حياتنا المدنية”.

لكن الانسحاب من ساحة المعركة ليس انسحاباً من السياسة. فقد قال أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً، لوكالة رويترز العام الماضي إن الحركة الإسلامية يمكن أن تدعم فترة أطول من حكم الجيش، مع التطلع إلى العودة إلى السلطة عبر “صندوق الاقتراع”.

وإضافة إلى ذلك، هناك نقطة اشتعال محتملة أخرى: لقد منحت الحرب مقاتلي الألوية الإسلامية مثل البراء بن مالك سنوات من الخبرة الميدانية. ولا يوجد سبب كبير للاعتقاد بأن مقاتلين ساعدوا في استعادة العاصمة سيسلّمون أسلحتهم وينفضّون فور انتهاء الحرب، على الأقل من دون تسوية سياسية تفتح طريقاً للتسريح.

في هذا السياق يجب قراءة الحوار الوطني الذي أعلنه قائد الجيش والرئيس الفعلي عبد الفتاح البرهان مؤخراً، ليس بوصفه حلاً شاملاً لمشكلة المليشيات في البلاد، بل بوصفه عملية سياسية قد تحول تحالفات الجيش في زمن الحرب إلى نفوذ بعد الحرب.

واستبعد البرهان صراحةً عودة قادة الدعم السريع إلى السلطة، متعهداً بعدم وجود “سلام ناقص” يسمح لحميدتي أو غيره من قادة الدعم السريع بالعودة إلى الحكومة. وبالنظر إلى سجل الدعم السريع السيئ في مجال حقوق الإنسان خلال الحرب، فإن هذا الاستبعاد له ما يبرره، لكن مشكلة الجماعات المسلحة الأوسع تظل قائمة: كيف سيُفكك ما تبقى من قوات الدعم السريع أو يُدمج فعلياً، خصوصاً في دارفور؟ وكيف يمكن إخضاع مليشيات الجيش المتحالفة لسلسلة قيادة واحدة بعد أن تهدأ المعارك؟

يقرأ  إعدام ثلاثة رجال في اليوم ذاته بينما تشهد أمريكا ارتفاعاً حاداً في عقوبة الإعدام

وهناك مشكلة بنيوية أقدم من هذه الحرب تدفع إلى عدم الثقة في دعاوى النصر الكامل. فالجيش السوداني عانى طويلاً في بسط قوته على أطراف البلاد بشكل مستدام. وفي عهد عمر البشير، اعتمدت الحكومة على مليشيات الجنجويد لمساعدتها في قتال التمرد في دارفور. وفي عام 2013، ضُمّ كثير من مقاتلي الجنجويد إلى قوات الدعم السريع المنشأة حديثاً.

ولا يوجد سبب كبير للاعتقاد بأن جيشاً منهكاً وفقيراً يعتمد على المتطوعين والمليشيات الإسلامية والقوات الموقعة على اتفاق جوبا، يمكنه الآن أن ينجح حيث فشلت الدولة مراراً قبل الحرب: في دارفور، المنطقة التي تعادل مساحتها مساحة فرنسا تقريباً، حيث ما زالت الدعم السريع تستخدم طرق إمداد عبر الحدود.

فحتى لو انكسرت الدعم السريع في النهاية، فإن أسلحتها ومقاتليها لن يختفوا؛ بل ستنتقل إلى أي متنفذ سياسي يكون في أفضل موقع لالتقاطها. وفي الخرطوم، ستفتح أسئلة اليوم التالي خلافاتٍ أبقاها القتال مغلقةً في الوقت الحالي.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة.

أضف تعليق