في نيويورك، يُروَّج لحدث يشارك فيه قومي هندوسي بارز على أنه دعوة لإرسال رسالة إيجابية مفادها أن «العالم عائلة واحدة». لكنّ جماعات دينية ومنظمات حقوقية وهيئات تمثل الطوائف المحرومة تقول إنها غير مقتنعة، وتخشى أن يكون تجمّع السبت في ماديسون سكوير غاردن محاولة لافتة لتبييض سجلٍّ من التمييز والعنف.
الحدث هو «الاحتفال بالوحدة الكونية»، وتنظّمه منظمة «الهندوس الأميركيون من أجل التواصل والحوار»، وهي منظمة غير ربحية تدّعي أنها تعزّز «المزيد من السلام والوئام». لكنّ من المتحدّثين الرئيسيين فيه موهان باغوات، زعيم منظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» (آر إس إس) شبه العسكرية. وتتّهم هذه المنظمة بتبنّي سياسات تمييزية وإذكاء العنف ضد الأقليات في الهند، بما فيها المسلمون والمسيحيون والسيخ.
ومن المتوقع أن تشهد المنطقة خارج ماديسون سكوير غاردن احتجاجات تنديدًا بظهور باغوات. وقالت صفاء أحمد، وهي منظِّمة مجتمعية مسلمة من ولاية كارولاينا الشمالية، وقد جاءت إلى نيويورك للمشاركة في الاحتجاجات: «هذه حركة طبّعت عنف الغوغاء ضد المسلمين، والاعتداءات على رجال مسلمين على علاقة بنساء هندوسيات، وهدم منازل المسلمين بالجرافات». وأضافت للجزيرة أنها متشككة في ادعاءات منظّمي الحدث حول احتضان العالم كـ«عائلة واحدة»: «قد يتحدثون عن الوحدة، لكن هذا يتناقض تناقضًا صارخًا مع الواقع الدامي الذي تعيشه الأقليات في الهند».
التواصل في الخارج
يقول ناشطون إن الجماعات القومية الهندوسية تعمل على توسيع نفوذها في الولايات المتحدة، حيث يعيش نحو 2.5 مليون هندوسي. ولتحقيق ذلك، تستخدم وسائل متنوعة لتليين صورة آر إس إس، مثل الاحتفاء بالثقافة الهندوسية وإطلاق حملات لإبراز التمييز ضد الهندوس.
وترى سرافيا تاديبالي، نائبة المدير التنفيذي لمنظمة «هندوس من أجل حقوق الإنسان»، أن تجمّع السبت جزء من هذا الاتجاه. وقالت للجزيرة: «إنها نوع من جولة كسب حسن النية لتحسين الصورة العامة لمنظمة آر إس إس، وهي منظمة شبه عسكرية فاشية تورطت في عقود من العنف الطائفي ضد الأقليات الدينية في جنوب آسيا». وأضافت: «المنظمات التي تقف خلف هذا الحدث قدّمته بصفته دعوة واسعة إلى الاهتمام بالتاريخ الهندوسي مع التركيز على الشمولية، بينما في الواقع تدعو آر إس إس إلى العكس تمامًا».
إلا أن منتقدين أشاروا إلى أن القوميين الهندوس سعوا أيضًا إلى إقامة علاقات مع اليمين المتطرف العالمي، مع التركيز على اعتقاد مشترك بوجود تهديدات مزعومة من الإسلام والنخب العلمانية. وتُعد آر إس إس على نطاق واسع الأصل الأيديولوجي لحزب «بهاراتيا جاناتا» (بي جيه بي)، الذي يحكم الهند منذ 2014 ويسعى إلى إعادة تشكيل البلاد على أسس قومية هندوسية. وفي كلمة ألقاها في مؤتمر المحافظة الوطنية عام 2024 في واشنطن، قال رام مادهف، نائب رئيس الحزب، إن على المحافظين في الغرب أن ينظروا إلى الهند كمثال على هزيمة ما سمّاه «عصابة اليسار والليبراليين والماركسيين والراديكاليين الإسلاميين».
نموذج مودي
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي بدأ مسيرته السياسية عضوًا في آر إس إس قبل أن يصبح رئيسًا لحزب بهاراتيا جاناتا، تبنّى القومية الهندوسية طوال فترة قيادته. ومثل باغوات، حمل رسالته إلى الخارج لمخاطبة أنصاره في الولايات المتحدة. ففي سبتمبر 2019، خاطب رئيس الوزراء حشدًا من 50 ألف شخص في تجمّع «هاودي مودي» في ولاية تكساس. وأبرز الحدث جاذبية مودي لدى الهنود المقيمين في الخارج، وكان من أكبر الأحداث من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة. بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو قائد آخر من اليمين المتطرف، صعد إلى المنصة إلى جانب مودي.
لكن مثل هذه الظهورات كانت مثيرة للجدل أيضًا. فقبل أن يصبح رئيسًا للوزراء في 2014، مُنع مودي من دخول الولايات المتحدة بسبب قيادته أثناء مذبحة عام 2002 التي استُهدف فيها مسلمون في ولاية غوجارات. وواجه اتهامات بأنه غضّ الطرف عن عمليات القتل، بل وقدّم لها دعمه.
ورغم الاحتجاجات، ما زال مودي يتمتع بشعبية هائلة في الهند، ويُصنَّف باستمرار بين القادة الأكثر شعبية في العالم. وأظهر استطلاع أُجري هذا الشهر من مجلة «إنديا توداي» أنه ما زال الخيار الأول لمنصب رئيس الوزراء في الهند، رغم تراجع نسب الرضا عنه.
انقسام في الشتات
ومع ذلك، حققت حملات تحسين صورة آر إس إس في الخارج نجاحًا محدودًا. فقد أظهر استطلاع عام 2024 أنه بينما تمتع مودي بدعم شبه غالبية بين الهنود الأميركيين لأدائه رئيسًا للوزراء، اعترف 70 بالمئة من المستجيبين بأن خطابه يمثل تهديدًا متزايدًا للأقليات في الهند.
كذلك أثار ظهور باغوات المخطط في ماديسون سكوير غاردن جدلًا حول تصريحاته وأسلوب قيادته المثيرين للجدل. وفي بيان صدر الأربعاء، دعت اللجنة الأميركية لحرية الدين الدولية، وهي مبادرة مستقلة داخل الحكومة الفيدرالية، إلى إلغاء تأشيرة باغوات. وحذّرت اللجنة من أنه «متواطئ في انتهاكات حرية الدين»، إلى جانب أعضاء آخرين في آر إس إس ومسؤولين هنود. وقال رئيس اللجنة آصف محمود: «لا تزال ظروف حرية الدين في الهند تتدهور، إذ يُستخدم العنف والتحريض بشكل متكرر لاستهداف الأقليات الدينية». وحثّ الولايات المتحدة على فرض عقوبات مستهدفة.
وعندما سُئل عمدة نيويورك، زهران ممداني، عن خطاب باغوات في مؤتمر صحفي هذا الأسبوع، انتقد أيضًا رسالة آر إس إس، مشيرًا إلى هويته كأميركي من أصل هندي. وقال: «من المقلق للغاية أن نشهد صعود حركة تقوم على رؤية إقصائية لأي بلد، بصراحة. وأنا أجد نفسي في معارضة عميقة لها». وأضاف أنه لا يدعم التجمع، لكنه يشك في أن للمدينة صلاحية إلغاء حدث خاص.
أما صفاء أحمد فقالت إن رد الفعل على حدث السبت يعكس تحالفًا متناميًا في الشتات الهندي، يجمع أصوات الهندوس والمسلمين والسيخ والطوائف المحرومة. وأضافت: «هناك أقلية صوتها مرتفع في الشتات، وأغلبية جديدة ناشئة لا تؤمن بسياسة مودي وآر إس إس، ولا تريد أن تحقق هذه السياسة انتشارًا هنا». وتوقعت أن يأتي رد الفعل عكسيًا في النهاية، قائلة: «أنا واثقة جدًا من أن باغوات سيُقابل برفض مدوٍّ، وأنه غير مرحب به».