تدمير محطة تحلية المياه يفاقم أزمة مياه الشرب في غزة

في مدينة غزة، يتجوّل زهير النصر في حي الشيخ رضوان حاملًا وعاءين للماء، يبحث عن مكان يملؤهما. الرجل البالغ من العمر 74 عامًا لا يعرف تحديدًا أين سيجد مياه شرب لعائلته.

يقول زهير إنه طوال الأسبوع الماضي بالكاد استطاع ملء الوعاءين. الماء الذي حصل عليه يأتي من بئر مياه جوفية، وليس من المياه المحلّاة التي كان يعتمد عليها سابقًا.

قبل أسابيع فقط، لم يكن زهير بحاجة إلى هذا البحث المضني. فقد كانت محطة تحلية مياه شُيّدت حديثًا قرب الخيام التي يسكن فيها قد وفّرت مياه شرب نظيفة لمنطقته. وكانت الأنابيب موصولة، ما سمح للسكان بالحصول على المياه على مدار الساعة.

يقول زهير إن المحطة، طوال نحو شهرين، جعلت تدبير الحياة أثناء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أسهل قليلًا.

زهير يعيش مع عائلته الكبيرة، فهو أب لثلاثة عشر طفلًا وجدّ لأكثر من عشرين حفيدًا، في خيمة، لأن منزله في بيت حانون شمال مدينة غزة دمّرته إسرائيل خلال الحرب.

تأمين الماء للعائلة مهمة يومية أساسية، وكانت محطة التحلية تعني أنه لم يعد مضطرًا لحمل المياه لمسافات طويلة.

لكن في 24 أغسطس، قصفت إسرائيل محطة التحلية، في استمرار لخرقها اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر. دمر القصف المحطة، وألحق أضرارًا بالخيام والمنازل القريبة.

وبدون المحطة، اضطر زهير وعائلات فلسطينية كثيرة في الشيخ رضوان إلى العودة لقطع مسافات طويلة للحصول على الماء.

يقول زهير: “كنا مرتاحين، والآن نعاني. الماء هو شريان حياتنا، للشرب والطبخ والغسيل والاستحمام”.

عندما أعاد الماء الحياة

يقول زهير إن حيّه أصبح أنظف وأكثر حيوية بعد وصول محطة التحلية في وقت سابق من هذا العام. مصدر الماء النظيف الثابت شجّع الناس على العودة وإعادة الاستقرار في المنطقة.

يقرأ  معاناة صامتةلماذا يفقد أطفال غزة القدرة على التكلّم؟أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

ويضيف: “حيث يوجد الماء توجد الحياة”.

بالنسبة للعائلات التي فقدت بيوتها ونزحت بسبب الحرب، كانت المحطة مصدر ندرة استقرار. لكن هذا الارتياح استمر شهرين فقط.

عندما صدر أمر الإخلاء الإسرائيلي القسري، يقول زهير إنه كان يأمل ألا تستهدف المحطة. وهو ما زال يشعر بالحيرة تجاه تدميرها، مشيرًا إلى أنها كانت محطة مياه مدنية تخدم عائلات في منطقة تعاني أصلًا من نقص حاد في مياه الشرب.

ويرفض زهير الادعاءات الإسرائيلية بأن الموقع كان يُستخدم لأغراض أخرى غير توفير المياه، معتبرًا أن ما قيل عن وجود مستودع أسلحة بالقرب منه غير صحيح.

ويتساءل: “لماذا تدمير مكان كان يوفّر الماء للناس؟”.

محطة بُنيت لحيّ عطشى

يقول محمد محمود، 53 عامًا، وهو مالك محطة التحلية التي دمّرت، إن المحطة كانت تعمل شهرين فقط قبل القصف.

ووفقًا لمحمود، كانت المحطة الوحيدة التي تخدم جزءًا كبيرًا من حي الشيخ رضوان، وكانت توفّر مياهًا محلاة مجانًا لـ17 مأوى ومركزًا جماعيًا.

يقدر محمود خسائره بما لا يقل عن 500 ألف دولار، بينها نحو 250 ألف دولار ثمن آلات ومعدات التحلية.

كانت المحطة قد بُنيت باستخدام معدات ومواد صعب الحصول عليها وغالية الثمن في زمن الحرب.

وجاء تدمير المحطة في وقت كانت فيه أزمة مياه الشرب في غزة تتفاقم. فبحسب مسح أشارت إليه الأمم المتحدة، كان 90% من سكان غزة يعانون في أوائل يوليو من انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة وموثوقة للشرب والطبخ والنظافة.

وفي مدينة غزة تحديدًا، كانت النسبة أعلى، إذ بلغت 92%.

كما اعتمد نحو 75% من سكان غزة مع نهاية يوليو على المياه المنقولة بالشاحنات كمصدر رئيسي للشرب، حيث كانت جهات إنسانية توصل أكثر من 20 ألف متر مكعب يوميًا إلى آلاف نقاط التجميع.

يقرأ  رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي تحلّ البرلمان تمهيدًا لانتخابات مبكرة

لكن هذا النظام نفسه يجد صعوبة في تلبية الطلب. فقد أفادت اليونيسف في أغسطس أن ما يصل إلى 63% من الناس لم يتمكنوا من جمع الحد الأدنى الموصى به من المياه، وهو ستة لترات للشخص يوميًا للشرب والطبخ.

وبالنسبة للعائلات في شمال غزة، فإن اختفاء مصدر محلي آخر يعني مزيدًا من الاعتماد على نظام يكافح أصلًا للوصول إليها.

عندما لا تأتي الشاحنات

ندى عروقي، أم لأربعة أطفال تبلغ من العمر 36 عامًا، وتعيش في منطقة المخابرات شمال غرب مدينة غزة، تقول إن شاحنات المياه غالبًا ما تصل إلى حيّها مرتين فقط في الأسبوع. وأحيانًا لا تصل طوال أسبوع كامل.

والآن، كلما وصلت شاحنة، عليها أن تستفيد منها بأقصى شكل ممكن. تقول: “أصبح الوضع طارئًا”.

تملأ ستة أوعية وتحملها من نقطة التجميع إلى مكان سكن العائلة. ولا يوجد إمداد منفصل للاستحمام أو التنظيف، فتعتمد العائلة على نفس الماء للشرب والاستخدامات اليومية. وعندما لا يصل الماء، تضطر لشراء مياه شرب.

النقص أثار أيضًا مخاوف بشأن نظافة المياه التي تأتي عبر الشاحنات. تقول ندى إن أحد أطفالها أصيب بمرض في المعدة وأمضى ثلاثة أو أربعة أيام في المستشفى، وأخبرها الأطباء أن المرض مرتبط بالماء.

وبالنسبة لعائلة تكافح بالفعل لتأمين كفايتها من الماء، فإن شراء مياه الشرب يشكل عبئًا إضافيًا يصعب تحمّله.

حماتها، مريم عروقي، البالغة من العمر 60 عامًا، وتعيش في الخيمة نفسها، تصف نتيجة أخرى للنقص: الأثر الجسدي لجلب الماء إلى المنزل. تقول إنها تضطر إلى ملء برميل منزلي كبير ثلاث أو أربع مرات يوميًا، لأن العائلة تعتمد عليه طوال النهار.

ولا يوجد لديها إمداد مياه بلدي ولا مضخة مياه منزلية تعمل على المياه الجوفية.

يقرأ  إسرائيل والولايات المتحدة تصعّدان ضرباتهما ضد إيران: منازل ومستشفيات وملاعب بين الأهداف

وتقول مريم: “أنا مضطرة لحمل الماء بنفسي”. “جسدي وعظامي تنهار بسبب هذا الأمر.”

هكذا تصف المرأة معاناتها، حيث تتحدث عن إصابات في الأوتار، ومشاكل في اليدين، وآلام في الصدر، وارتفاع في ضغط الدم. وتقول إنها نُصحت بالتوقف عن هذا العمل الشاق.

لكن التوقف ليس خيارًا متاحًا، فالعائلة بأكملها بحاجة إلى الماء. ما زالت هي وأحفادها يمشون حاملين أوعية فارغة، يبحثون عن أي مكان ليملأوها.

وتضيف: “كفاحنا من أجل الماء لا ينتهي أبدًا. من يستطيع العيش دون ماء؟ الماء هو الحياة.”

أضف تعليق