تمكنت القوات الروسية خلال العام الماضي من توسيع نطاق تحليقها والتحكم في طائراتها المسيّرة داخل أوكرانيا بشكل ملحوظ، بعد أن تحوّلت على نطاق واسع إلى استخدام أجهزة راديو تعمل عبر شبكات متداخلة. وذكر تقرير صادر عن شركة التحليلات الكييفية “كي إنسايتس” أن هذه التقنية سمحت لروسيا بتمديد مدى التحكم المباشر من قبل مشغّل بشري إلى مسافة تتراوح بين 150 و175 كيلومترًا من أبعد محطة أرضية روسية، أي ما يعادل تقريبًا ضعف المدى الذي كانت تحققه الشبكات الروسية في عام 2025.
التقنية المستخدمة تُعرف باسم “راديو MIMO الشبكي”، وهي تتيح للطائرة المسيّرة أن تعمل كنقطة ترحيل متحركة داخل شبكة راديو لا مركزية، بدلًا من أن تعتمد على رابط لاسلكي مباشر واحد يعود إلى المشغّل. ووفقًا للتقرير الذي أعده إتيان هيرتز، المتخصص في ترددات الراديو والمقيم في أوكرانيا، فإن روسيا بدأت منذ عام 2025 بتركيب هذا النظام على عدة أنواع من مسيّراتها، بما في ذلك مسيّرات “غيران” و”جيربيرا” الهجومية، ومسيّرات “أورلان” و”سوبركام” للاستطلاع، ومسيّرات “لانست” و”سكالبل” و”مولنيا”.
وأفادت مصادر عسكرية أوكرانية لـ”كي إنسايتس” أن سلسلة من المسيّرات المترابطة عبر الشبكة يمكنها اليوم الحفاظ على تحكم مباشر من المشغّل حتى مسافة 150 إلى 175 كيلومترًا من أبعد محطة أرضية روسية. وأوضح التقرير أن مشغّلين روسًا أظهروا قدرة على التحكم اللحظي بمسيّرات “غيران” و”جيربيرا” أثناء تحليقها قرب مدينة دنيبرو، على بُعد نحو 100 كيلومتر من خط الجبهة.
وفي 17 يوليو/تموز، استخدمت روسيا مسيّرة من طراز “غيران” تابعة للواء العملياتي المنفصل الخمسين في قوات الأنظمة غير المأهولة، المعروف باسم “فارياغ”، لاستهداف مصنع لتكثيف الغاز قرب بلدة سيليشتشينا في منطقة بولتافا الأوكرانية. وقال التقرير إن المسيّرة قطعت مسافة 125 كيلومترًا من الأراضي الخاضعة لسيطرة روسيا، مع الحفاظ على تحكم مباشر من المشغّل طوال الرحلة. وأشارت “كي إنسايتس” إلى أن اللواء “فارياغ” كثف ضرباته في منطقتي سومي وتشيرنيهيف بدلًا من تركيزه السابق على مناطق أبعد جنوبًا، وهو تحول قد يشير إلى استعداد روسي لتكثيف العمليات على جبهة شمالية.
أجهزة الراديو التي تتيح هذه المدى ليست روسية الصنع. فقد تتبعت “كي إنسايتس” هذه الأجهزة إلى شركتين صينيتين هما “شنتشن سينوصن تكنولوجي” و”شنتشن شينغكاي تكنولوجي”، كما تعمل شركة “أجاكس تكنولوجيز” ومقرها سانت بطرسبرغ على توزيع بعض هذه الأجهزة داخل روسيا. وخلص التقرير إلى أن روسيا لا تزال تعتمد بشكل كامل على المكونات الصينية في أجهزة راديو الشبكة الأساسية، حتى لو كان للمهندسين الروس دور في دمج هذه الأنظمة داخل المسيّرات.
ويشير التقرير إلى أن أجهزة راديو الشبكة المتداخلة أغلى بكثير من بديل شائع يستخدمه كثير من مشغّلي المسيّرات، وهو محطات “ستارلينك” التابعة لشركة سبيس إكس، والتي يزيد سعرها قليلًا عن 400 دولار. أما أجهزة المودم الصينية التي تستخدمها روسيا فيتراوح سعرها بين 2000 و12,000 دولار، ومداها ينخفض بشكل حاد بعد مسافة 100 إلى 200 كيلومتر، على عكس تغطية “ستارلينك” شبه العالمية. كما أن وصلات الشبكة المتداخلة تعاني من كمون أو تأخير أعلى من “ستارلينك”، ما يجعلها أقل فاعلية في استهداف الأهداف سريعة الحركة. وتوقعت “كي إنسايتس” أن تعمل الشركة الروسية “Bureau 1440” على توسيع نطاق تحكم المشغّلين الروس لاحقًا هذا العام عبر كوكبة أقمار صناعية جديدة تُدعى “راسفيت”.
وسلّط التقرير الضوء على حالة محددة، إذ حوّلت القوات الروسية في منطقة زابوريجيا مسيّرة “مولنيا 2R” منخفضة التكلفة، والتي يبلغ سعرها عادة بين 800 و1200 دولار، إلى عقدة ترحيل جوي عبر الشبكة المتداخلة، وذلك بإضافة كاميرات ومعالجات رؤية حاسوبية وراديو شبكي، ما رفع تكلفتها إلى ما يُقدّر بين 4000 و5000 دولار. وبما أن هذه المسيّرة المعدّلة قادرة على معالجة بياناتها الحسّية بنفسها، وكذلك نقل الإشارات من مسيّرات أخرى على بُعد عشرات الكيلومترات، فإنها تتيح للقوات الروسية الحفاظ على تغطية ترحيل جوي بتكلفة منخفضة، وبتكرار أكبر، دون الحاجة إلى الاعتماد على مسيّرات أغلى وأصعب في التعويض مثل “أورلان”.
وقالت “كي إنسايتس” إن مدى الاتصال وجودة الفيديو اللذين توفرهما هذه التقنية ساعدا روسيا على تحويل جزء كبير من مسيّرات “غيران-2″ و”جيربر” ذات المحركات المكبسية بعيدًا عن الضربات بعيدة المدى في عمق أوكرانيا، حيث تعترض الدفاعات الجوية الأوكرانية ما بين 90 و95% من المسيّرات القادمة، نحو ضربات متوسطة المدى تستهدف بنية تحتية ثابتة مثل قطارات الركاب ومحطات الغاز. وأضاف التقرير أن هذه الحملة أدت إلى تعطيل أو إلحاق الضرر بأكثر من 250 محطة غاز في مناطق شمال شرق أوكرانيا وشرقها ووسطها وجنوبها.
وخلصت “كي إنسايتس” إلى أن قدرة روسيا في مجال المسيّرات الشبكية تقترب من التكافؤ التقني مع أساطيل طائرات الناتو المسيّرة، وقد تشكل مخاطر على لوجستيات الناتو في أي نزاع مستقبلي مع روسيا أو بيلاروسيا. غير أن التقرير لاحظ أن وصلات الفيديو الروسية ما تزال تعاني من كمون أعلى مما تتحمله أنظمة الناتو عادةً. ولم يحدد التقرير إطارًا زمنيًا لوصول القدرات الروسية إلى هذا المستوى، ولا كيف تخطط وحدات الحرب الإلكترونية الأوكرانية لمواجهة شبكات التوسع الروسية هذه.