رواية جديدة مستوحاة من إيفا هيس: تجربة في الشكل (والرغوة)

في كتابها الجديد «فوم»، الصادر عن منشورات «سيميوتكست» في 15 سبتمبر/أيلول، تكتب كيت زامبرينو: «حين يسألني الناس، أقول إنني أكتب رواية قصيرة عن إيفا هيس». لكن هيس، النحّاتة الراحلة التي كانت تعتقد أن الفن والحياة لا ينفصلان، تظل تفلت منها وتغيب، إمّا لأنها تنغمر في شيء آخر وإمّا لأنها تُدفع بعيدًا عن متناول زامبرينو. وبعد أسطر قليلة، تكتشف الكاتبة أنها «نسيت أين كانت» في الكتابة: «دخلتُ في فترة من العمل المتواصل» — التدريس على الأرجح، أو أعمال تُنجَز لمرة واحدة، أو أعباء العائلة — «والتفكير من أجل الآخرين… خرجتُ تمامًا من نفسي». وفي المرة التالية التي تتحدث فيها عن موضوع كتابتها، تقول إنه «خرج من حياة الشقة». لكن «فوم»، التي تصفها دار نشرها بأنها «رواية تخمينية جديدة»، وتقول زامبرينو في مقابلة إنها «حكايات مقلقة ومقالات فنية معًا»، تجد أشكالها وموضوعاتها وهي تتكشّف.

هذا التشكّل ليس جديدًا على زامبرينو. منذ أول أعمالها عام 2009، وهي تبحث عن شكلٍ أدبي، وتستكشف إلى أي مدى يمكن لكتابٍ، أو لمجموعة كتابات، أن يبقى بلا شكل نهائي، عبر مشاريع عديدة، من بينها رواية «دريفتس» الصادرة عام 2020 ومذكرات «غرفة الضوء» الصادرة عام 2023. في هذين الكتابين، يروي الحكاية صوتٌ قريب من صوت «فوم»، صوتٌ متصل بالسيرة الذاتية وإن لم يكن مطابقًا له تمامًا. وهذا الصوت يتغير باستمرار.

وفي «فوم» توصّلت زامبرينو إلى طريقة أوضح للتعبير عن حبها للفن وسط الضغوط الخانقة للحياة اليومية، بصفتها أستاذة مؤقتة في الجامعة، ووالدة، ومستأجرة بلا شبكة أمان مالي. إنها لا تبسّط التجربة الفوضوية المعقدة للعيش في هشاشة، ولا تقلّل من الوعد والإمكانية اللذين يبقيانها على الكتابة. وهذا التوازن بين الكفاح والأمل صعب أن يُضرب بفعالية وصدق؛ لأن عوالم الفن والأدب والأكاديميا المتداخلة تنطوي على طبقية حادة تتعايش مع درجات لا تُحصى من الامتياز والقوة. وراوية زامبرينو، لأنها داخل هذه الظروف ومتورطة فيها، لا تقدر على تقديم تحليل من الخارج؛ لكنها تجعل ملمس هذه الفوارق والتفاوتات محسوسًا.

يقرأ  ذروة الإيمان والتقنية" في تأملات الفنان إم يونغزو من "آل ذا ليت

المراجعات التي قوبلت بها كتابات زامبرينو منذ عام 2012، عندما صدر كتابها الثالث «هيروينز» وأثار ردود فعل بين الحب والكراهية، رحلة عاصفة أكثر مما يتوقعه المرء لكاتبة تنقّب كثيرًا، وتهتم بالعملية نفسها، وتنشر غالبًا لدى دور صغيرة. «فوم» هو كتاب زامبرينو الثالث عشر، إذا احتسبنا الكتيّب الصغير الصادر عام 2013، وهذا العدد كثيرًا ما يُعلَّق عليه داخل كتاباتها وخارجها. فبين راوية «فوم» وطالبة سابقة صارت صديقة، تنشأ «مشاعر استياء كوخز الإبر»، لأنها «نشرت كتبًا كثيرة جدًا». وقد لاحظت مقالة في «نيويوركر» أن «مشاهد الانسداد الإبداعي» في كتب زامبرينو قد تبدو غير صادقة، لأن الكاتبة غزيرة الإنتاج بشكل لافت. كما أن رفضها انتساب كتاباتها إلى نوع أدبي محدد يثير الجدل؛ فهي، بحسب مراجعة في «بوك فورم» عام 2012، تفشل في التمييز بين مذكرات ورواية يحكيها شخص خيالي. وفي مراجعة أخرى في «بوك فورم» عام 2020، اشتكى ناقد من أنها تعبّر عن الشك والتردد والأعذار بطريقة تجعل ما هو على المحك يبدو أعلى كثيرًا عند الكاتب منه عند القارئ.

وحتى النقاد الذين يحتفون بها يجدون فيها عيوبًا تنبع غالبًا من توقعات شكلية سائدة. ففي صحيفة «نيويورك تايمز»، عابت كاثرين لاسي، وهي كاتبة تجريبية هي الأخرى، على رواية «دريفتس» — التي تحاول راويتها أن تكتب كتابًا بعنوان «دريفتس» ثم تنجب طفلًا — شيئًا واحدًا: «إن بنية السرد توحي بأن الولادة هي الإجابة عن كل سؤال كانت تطرحه، وأنها خلاص ضروري من متاعبها الوجودية». أعدتُ قراءة الجزء الأخير من الرواية مرتين لأرى ما رأته لاسي. ربما أنها رأت ببساطة حدثًا ختاميًا في نهاية كتابٍ ما كان ينبغي أن يُختتم، وساوت بين حنان الأم وحلٍّ سردي. أما أنا فرأيت كاتبة، رغم افتتانها بالطفل، كانت تحاول فقط تجاوز الألم والعودة إلى مكتبها.

يقرأ  في خضم الفوضى بالمكسيك: صور مفبركة أشعلت المخاوف

تبدأ «فوم» في المستشفى، حيث وضعت الراوية للتو طفلها الثاني، وخرجت مشيمة تشبه «مبنى سكنيًا منهارًا». والكتابة عن تجربة النفاس الثانية تعيدها باستمرار إلى التجربة الأولى، وإلى الشقة التي ستحتاج الأسرة إلى مغادرتها بعد التسمم بالرصاص وإضراب عن دفع الإيجار وإجراءات قانونية. لم تأخذ الراوية إجازة أمومة بعد أيٍّ من الطفلين؛ وبعد طفلها الأول، لجأت في حساب مالي يائس لا يكاد ينجح إلى استئجار «مساعدة أم»، وهي طالبة سابقة يمكنها، من الناحية المثالية، أن تساعد في رعاية الطفل والأعمال المنزلية والعمل الكتابي.

وهذه المهمة الأخيرة هي التي تثير اهتمام الشابة الطموحة التي تريد أن تصبح كاتبة، واسمها إيفا. العلاقة بين إيفا والراوية متوترة. تحصل إيفا على مرونة لا حدود لها، لأنها تتقاضى أجرًا زهيدًا، ومع ذلك فهو أجر أكثر مما يستطيع الراوية وزوجها تحمّله. الراوية تملك السلطة بوصفها ربّة عمل، ومعلمة، وكاتبة منشورة؛ لكن إيفا تملك، كما تظن الراوية، أبوين يدعمانها ويدفعان إيجار شقتها ويمنحانها حرية الإصرار على أنها تحتاج وقتًا تكتب فيه. وعندما تخفّض إيفا الأولى ساعات عملها، تستعين الراوية بإيفا ثانية. وهكذا تتكاثر الإيفاوات في الكتاب قبل وقت طويل من دخول إيفا هيس، النحّاتة، التي تعرّفت إليها الراوية عبر إيفا الأولى الموظفة. وكان يمكن أن تبدو الإيفاوات حيلة سردية، لكنها لا تبدو كذلك، لأن لا صلة مصطنعة بين هؤلاء النساء. وبعد أن تُقدَّم إيفا هيس بوصفها موضوعًا محتملًا للكتابة، تواصل إيفاوات أخرى الظهور: طالبة لامعة ماتت منتحرة، وكانت متحفظة على كتابة الراوية، أي على كآبة شخصياتها، وعلى كون تلك الشخصيات بيضاء ومغايرة جنسيًا؛ وطالبة مشاغبة يجعل سلوكُها الراويةَ في مواجهة إدارة جامعية غير داعمة؛ وطبيبة قلب متعالية. هذه الأشياء معًا تبدو دليلًا على حياةٍ مشدودةٍ حتى التمزّق، وعلى عجز صاحبها عن فعلٍ يتجاوز مجرد تعدادها، وعلى امتيازٍ يقترن بالعجز في الوقت نفسه.

يقرأ  من هو وسيم الأسد الذي حكم عليه بالإعدام لارتكابه فظائع الحرب في سوريا؟

على نحوٍ مشابه، يبدأ الفوم بالظهور في الكتاب قبل أن يُسمّى خيطًا رئيسيًا فيه. فهناك أحذيةٌ من الفوم، وزهورٌ صناعيةٌ في كتلةٍ من الفوم في المستشفى، وفومٌ يُرشّ فيتمدد ويصفرّ حتى يملأ ثقوب الجدار التي لا يصلحها المالك إصلاحًا لائقًا. ثم يتحوّل الفوم إلى بديلٍ محتملٍ عن الشكل، وإلى اسمٍ لتلك «الرغبات في النعومة» التي يشعر بها الراوي، «كأنها رغبة إيفا هيسه في الشكل واللاشكل» (وهنا يبني الراوي على مقابلةٍ أجرتها سيندي نيمسر مع الفنانة عام 1970). يستحضر الفوم صلابةً هشّةً تميّز منحوتات هيسه، كما تميّز تأرجح زامبرينو بين الهشاشة والامتياز. والفوم، بعبارة زامبرينو، هو «أنظمة عصبية وعداوات»؛ وهو ملمس، وهو — كما كتب الفيلسوف بيتر سلوتردايك في الاقتباس الذي يفتتح به الكتاب — «لا شيء تقريبًا، لكنه ليس لا شيء». ولعل الفوم نموذجٌ للكتابة خارج شكلٍ مفروضٍ سلفًا، وللطريقة التي يمكن بها تمرير العمل الإبداعي عبر الفجوات التي يتركها العمل التعاقدي (أي التدريس الجامعي بعقودٍ مؤقتة) والواجبات المنزلية، مع بقاء هذا العمل واسعًا على نحوٍ مدهش.

أضف تعليق