ميلوني تدخل التاريخ: حكومتها الأطول بقاءً في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية

في منتجع “أبيتوني كوتيليانو” الجبلي، الواقع في جبال الأبنين في المنطقة الممتدة بين توسكانا وإميليا، يحتفل أنصار رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

وقد حققت ميلوني وحزبها يوم الجمعة رقماً قياسياً جديداً، بعد أن أصبحت حكومتها الأطول بقاءً في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية.

إيطاليا، المشهورة بعدم استقرارها السياسي، شهدت 68 حكومة خلال ثمانية عقود. ورغم أن الراحل سيلفيو برلسكوني ما زال يحمل لقب رئيس الوزراء الأطول خدمة، لأنه تولى المنصب لفترة أطول موزعة على أربع ولايات، فإن حكومة ميلوني الحالية أصبحت الحكومة الواحدة الأطول استمراراً، إذ تجاوزت الرقم القياسي الذي كان بحوزته والبالغ 1412 يوماً متتالياً.

وكانت أبيتوني كوتيليانو، الوجهة المفضلة لعشاق التزلج، إحدى البلديات التي جعلت هذا الإنجاز ممكناً، بعد أن منحت حزب ميلوني أغلبية ساحقة في الانتخابات الوطنية التي جرت في أكتوبر 2022.

وقال أندريا توناريللي، مستشار في الفرع المحلي لحزب إخوة إيطاليا، إنه تُقام فعالية احتفالية على شاطئ البحر بهذه المناسبة. وأضاف أن من لا يستطيعون الوصول إلى هناك سيتجمعون في المكتب المحلي للحزب لمشاهدة التجمع.

توناريللي، وهو مهندس في بلدية المنطقة ويبلغ من العمر 35 عاماً، وصف هذا الإنجاز بأنه “مصدر فخر”. وقال: “قبل عشر سنوات، كان هذا الأمر غير متصور. وأنا أشعر بالانفعال وأنا أقول ذلك؛ فالفضل يعود إلى من استطاعوا أن يجذبوا الشباب من أمثالي”.

وانضم توناريللي إلى الحزب عام 2017، ويقول إنه رجل جبلي. وهو يرى أن اليسار يتبنى ما يسميه “البيئوية المكتبية”، وهي التي تقيّد الصيد، وتعطل مشروعات البنية التحتية الكبرى، وتعارض القطع الانتقائي لأشجار الغابات. كما تبنى الخطاب “الوطني” القائم على وضع “الإيطاليين أولاً”، عبر حماية الحدود والترويج للمنتجات المحلية والتراث التقليدي.

يقرأ  هبوط أرباح هوندا تحت وطأة تعريفات ترامب على صانعة السياراتأخبار صناعة السيارات

وتابع: “أبرز ما يميزنا هو إيماننا بما نفعله وتفانينا فيه كلياً. هذه ليست محطة وصلت إليها ميلوني أو الحزب أو ناشط واحد، بل إنجاز لمجتمع بأكمله يصنع التاريخ في هذا البلد”.

رمزية عميقة

وقالت غرازيا دي ماجو، أصغر أعضاء مجلس النواب عن حزب إخوة إيطاليا، إن هذا الرقم “يحمل رمزية عميقة”. وأوضحت أن ميلوني أول امرأة تتولى منصب رئيسة الوزراء، وتنتمي إلى اليمين، “وهذا يعني عدم وجود اختصارات ولا محسوبيات”.

هذا الكلام يحمل إشارة إلى رفض إيطاليا لديكتاتورية بينيتو موسوليني، وإلى حساسيتها تجاه أيديولوجيات اليمين المتطرف. وكانت ميلوني قد سعت إلى إبعاد نفسها عن الفاشية، وقالت في عام 2022 إن اليمين الإيطالي أحال هذه الأيديولوجيا “إلى التاريخ”.

دي ماجو، التي تبلغ من العمر 31 عاماً، غادرت منطقة بازيليكاتا جنوبي إيطاليا في الثامنة عشرة من عمرها، وبدأت مسيرتها السياسية بتوزيع المنشورات أثناء دراستها لتخصص الاتصالات في ميلانو. وترى أن إنجاز ميلوني يشكل مثالاً يحتذى. وقالت: “إنها قصة تُظهر أن الشغف والتضحية والقيمة الشخصية يمكن أن تصنع فرقاً، وتثبت أن حكومة يمينية يمكنها أن تكون ذات مصداقية ومستقرة وقادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها”.

استقرار أم جمود؟

لكن محللين يشككون في أن يكون طول عمر الحكومة دليلاً على استقرار سياسي حقيقي. وقال باولو كاروزي، مدرس التاريخ المعاصر في جامعة روما الثلاثية، إن “الاستقرار السياسي لا يُقاس بطول عمر الحكومة”. وأضاف أن الحكومات في العقود الماضية كانت تسقط، لكن الأيديولوجيات السياسية كانت تبقى صامدة. أما اليوم، فالمشهد السياسي يتميز بتقلب الناخبين؛ فالإيطاليون لم يعودوا يرغبون في التصويت، وإذا صوتوا فإنهم غالباً يكافئون الأحزاب التي تشارك في الانتخابات للمرة الأولى.

ويرى كاروزي أن عاملين رئيسيين ساعدا حكومة ميلوني على البقاء. الأول هو قانون الانتخابات الصادر عام 2018، والذي طُبق في انتخابات 2022، وقد عمل لصالحها بمنح الائتلاف اليميني أغلبية مطلقة. والثاني أن حزب إخوة إيطاليا تخلى عن جزء كبير من برنامجه الانتخابي للحفاظ على الاستقرار، على عكس حكومات سابقة أضعفت تحالفاتها بإصرار كل حزب على أجندته الخاصة.

يقرأ  فنانون فرنسيون يدعون إلى مقاطعة فرع بومبيدو في سيول احتجاجاً على علاقاته مع إسرائيل

ونتيجة لذلك، تواجه ميلوني الآن صعوداً سريعاً لحزب يميني متطرف جديد بزعامة الجنرال السابق روبرتو فاناكي، والذي أصبح القوة السياسية الرابعة في البلاد بعد سبعة أشهر فقط من تأسيسه. وقال كاروزي إن حزب “المستقبل الوطني” الذي يترأسه فاناكي سيكون قادراً في انتخابات عام 2027 على الادعاء بأنه “الحامل الحقيقي الوحيد لقيم اليمين”.

أما بييرو إنيازي، عالم السياسة في جامعة بولونيا، فيرى أن طول عمر الحكومة ليس مؤشراً على التغيير، بل على الجمود. وقال: “الاستقرار قد يكون مفيداً لإحداث التغيير، وقد يكون وسيلة للبقاء على حاله أو حتى للعودة إلى الوراء”، معتبراً أن الثاني هو ما يصف مسار حكومة ميلوني.

فالاقتصاد الإيطالي ما يزال هشاً، وتشير التوقعات إلى أن النمو سيبلغ 0.6 بالمئة فقط في عام 2026. وفي العام التالي، يُتوقع أن تأتي إيطاليا في ذيل قائمة النمو بين دول الاتحاد الأوروبي، مع أعلى دين عام فيها.

وإلى جانب الاقتصاد، قال إنيازي إن السياسات الاجتماعية تثير القلق أيضاً، إذ عدلت الحكومة القانون لتجريم أفعال كانت في الماضي تؤدي إلى غرامات أو عقوبات مدنية فقط. وأضاف: “أدخلت الحكومة 52 جناية جديدة، وكلها تتعلق بالتعبير عن المعارضة العامة والحق في الاحتجاج. هذه انتكاسة خطيرة، وأعتقد أنها نذير بما هو قادم إذا انتُخبت حكومة يمينية أخرى”.

أضف تعليق