كيف جعلت يوتا كوثر لونًا بصمتها الفنية

قال مارتن كيبنبرغر ليوتا كويتر، حين أجرت معه مقابلة سنة 1991: «عندما تمشي في معرض، تجد بعض اللوحات جيدة وبعضها سيئ. ثم يأتي الجدل المحتمل». قد تبدو هذه ملاحظة عادية، حتى يوضح أن وجوده في الفن كان لهذا الغرض بالذات. «وليس معرضًا يكون فيه كل شيء جيدًا بالتساوي… عندما يكون كل شيء جيدًا لا يساوي شيئًا. أراد الله في البداية أمرًا مختلفًا قليلًا؛ كان على الخير والشر أن يوجدا معًا. لكن التباين والجدلية اختفيا من الفن».

هل رحلت فعلًا الطاقة المعارضة، والرغبة في اختبار الجيد بالسيئ، من ميدان الفن؟ لو كان كيبنبرغر نظر بتعمق أكبر في فن محاورته لما بقي واثقًا من ذلك. كويتر، التي تصغره بخمس سنوات فقط، كانت ضمن جيل جديد في المشهد الفني في كولونيا، ذلك المشهد الذي كان في الثمانينات وأوائل التسعينات الأكثر حيوية واجتماعية في أوروبا، وتسكنه شخصيات فنية أكثر جرأة. وكانت قد بدأت ترسم طريقها نحو ما ستصفه لاحقًا بأنه «الحد الذي تعرض فيه المعرفة نفسها موردًا للفعل، لا من أجل راحة الفهم، بل خاضعةً للقوى الساحرة للفوضى».

غير أن شعور كويتر بأنها بحاجة إلى إبعاد نفسها عن السياق الذي منحها المشكلات التي صارت مادةً لعملها، يبدو جزءًا من طبيعتها. فماذا كانت تعني اللوحة الألمانية نحو عام 1980؟ كانت، مثلًا، البرودة الخالصة في «الواقعية الرأسمالية» عند غيرهارد ريختر، التي بدت درعًا لا ثغرة فيه، ولم يكن فيها ما يقدَّم كثيرًا لفنانة مثل كويتر. أو كانت الضجيج الصاخب في سلسلة «كافيه دويتشلاند» ليورغ إميندورف، بما فيه من فوضى ملونة وودّية. وربما كان الأقرب إلى روحها، رغم أنها قالت إنها تأخرت في تقديره، الحضور المتبدل لزيغمار بولكه، الذي كان يلعب الغميضة مع هويته كرسام ويناقض نفسه في كل منعطف.

وُلدت كويتر في كولونيا سنة 1958، ولم تدرس في أكاديمية دوسلدورف القريبة الشهيرة، حيث ألقى أساتذة مثل برند بيشر ويوزف بويس ونام جون بايك وريختر محاضراتهم، إذ كان زمن الأساتذة النساء الشهيرات صاحبات الكاريزما ما يزال في المستقبل. درست بدلًا من ذلك في جامعة كولونيا، حيث درست الفلسفة إلى جانب الفن. أو كما شرحت لبنيامين بوخلوه في مقابلة مطولة سنة 2016، ما تزال أفضل سرد لتاريخ عملها، كانت «ضمن حلقة دراسية ذات توجّه فلسفي يقودها معلّم درس عند يوزف بويس ثم ذهب إلى باريس ودرس مع جاك لاكان».

فكّرت في إعداد أطروحة دكتوراه عن الكاتب والمخرج أنطونين أرتو، صاحب «مسرح القسوة». لا بد أنها كانت بحاجة إلى ترتيب أمور كثيرة في زمن صراعات أيديولوجية حادة: الفلسفة مقابل الفن، أو لنقل الكتابة مقابل الفعل الفني، كان ذلك مجرد بداية. وإذا اختارت الفن، فبأي شكل؟ الرسم نفسه كان محل نزاع: معه أو ضده؟ وكان الذين يعارضونه سيقولون من دون تردد: لا نقاش. ثم إنها، إذ اختارت في النهاية أن تجعل الرسم محورًا لفنها من دون أن يقتصر عليه، واجهت سؤالًا آخر: كيف تتابع مطالب النسوية في مشهدٍ كان الرسم فيه موسومًا بأخلاق ذكورية فاجرة؟

من بداية ممارستها، عرفت كويتر أن المشكلات هي المادة التي تشتغل بها. قالت لكيم غوردون في مقابلة سنة 2011: «أحب أيضًا أن أدخل الحقائق الاجتماعية الحية في العمل من وجهة نظر تشكلها التجربة الأنثوية. أحب أن أفعل في الرسم ما لا يستطيع الرجال فعله. لكن العثور على معرفة الآخر لا يعني أن تحصري نفسك أو تهمشي نفسك… الهدف ليس تثبيت التوقعات بل إرباكها، حتى توقعات أصدقائك، وحتى توقعاتك أنت».

حتى بعد أن بدأت تعرض بوصفها فنانة سنة 1985، أبقَت قدمًا خارج عالم الفن. قالت لغوردون: «قاعدتي لم تكن غاليري ولا بارًا، بل مجلة سبيكس»، التي بدأت تساهم فيها سنة 1981. كانت «سبيكس» مجلة موسيقية أسطورية؛ «أسطورية» لأن حتى من لا يقرأ الألمانية كان يدرك أنها قوة ثقافية، و«موسيقية» بمعنى أنها ليست مجلة متخصصة مغلقة على شأن المعجبين ولا دورية تجارية، بل منشورًا يستخدم الموسيقى كعدسة لتقديم نظرة نقدية واسعة في الثقافة والسياسة. ومثل كثيرين، نشأت كويتر مع الموسيقى. قالت لي إن طفولتها شملت «دروس بيانو كلاسيكية، وكورال المدرسة، والغناء في الكنيسة، ومجموعة أسطوانات والدي المحدودة والانتقائية: ماريا كالاس، وموسيقى البوق العسكري، وراي تشارلز، وكل أنواع الموسيقى في الراديو». قادها ذلك إلى «اهتمام مبكر بثقافة موسيقى الروك/البوب بوصفها طريقة غير هرمية للتعلم الثقافي، وسبيلًا للدخول إلى المجال العام والمشاركة فيه».

يقرأ  فنان عصامي ساهمت أعماله التصورية في تشكيل The Creator وSplinter Cell وLove Death Robots — Design You Trust مدونة تصميم يومية منذ 2007

منذ ذلك الحين وهي تصنع موسيقاها الخاصة، غالبًا بالتعاون مع فنانين آخرين. ألبومها «إكس إكس إكس ماكارينا» الصادر سنة 2010 كان بالتعاون مع توني كونراد وجون ميلر، بينما صدر شريطها غير المعنون مع ستيفن بارينو سنة 2005، وهي السنة التي توفي فيها بارينو في حادث دراجة نارية. كما صنعت موسيقى مع زميلتها الرسامة ريتا أكرمان، ومع زوجها الراحل توم فيرلين، الذي كانت فرقته الرائدة «تيليفيجن» من أعمدة مشهد موسيقى البانك في نيويورك في السبعينات.

في الثمانينات، بدأت كويتر أيضًا كتابة نقد لاذع وصاحب رأي في مجلة «فلايش آرت»، وكانت تلك أول صلة لي بها عندما عملت محررًا هناك لفترة قصيرة. إذا كان ريختر وإميندورف وبولكه أصنامًا راسخة حين بدأت كويتر، فقد كانت هناك شخصيات أصغر سنًا. كان هناك من يكبرها بقليل، ممن أطلق عليهم «نويه فيلده» التعبيرية الجديدة، الذين نُسِي معظمهم اليوم، وقد ظهروا بطاقة كبيرة لا يصاحبها تفكير نقدي كبير. أما كويتر فقد شرعت في الجمع بين الاثنين. وربما كان الأقرب إليها في الحدة وخيبة الأمل والاستهزاء هم معاصروهم: كيبنبرغر وأصدقاؤه فيرنر بوتنر وغيورغ هيرولد والأخوان أولن. عملهم يحتفظ بحضوره بسبب موقفه المعارض، ولا بد أنهم تركوا أثرًا، لكن كويتر لم تكن لتحاول أن تصير واحدة من «الأولاد الأشرار».

هذا ليس مجرد مسألة نوع اجتماعي. إنه يتعلق أيضًا بطريقتها في الجمع بين دورها كصاحبة فكر وكاتبة وبين كونها فنانة حدسية. هذا المزيج لفت انتباه زميلتها الرسامة سيسيلي براون، التي عرفت كويتر وعملها منذ زمن طويل لكنها اقتربت منها أكثر عندما أقامتا معرضًا مشتركًا في غاليري بورطولامي في نيويورك سنة 2023. قالت براون: «كويتر هي عكس الرسام الغبي. تقف بقدم على]الرسام[ وبقدم على]المفكر[ بينما تصنع أشياء شديدة الرسمية. إنها تحوّل عبثية كون المرء رسامًا إلى شكل بصري واضح».

لوحات كويتر في معظمها لوحات تشخيصية، ولم تتخذ من التصوير الفوتوغرافي أو التجريد مثالًا. هذه سمة تشترك بها مع معظم فناني ألمانيا من جيل ما بعد الحرب الذين ظهروا قبلها بقليل، باستثناء ألبرت أولن. الإيماءة التشكيلية هي أساس مفرداتها ومفرداتهم، لكن طبيعة هذه الإيماءات مختلفة جدًا. إيماءة لوحة كيبنبرغر أو بوتنر عادة ثقيلة وقوية وخشنة، بحيوية لا تعد بالحرية كما قد توحي إيماءة التعبيرية التجريدية. بل تبدو إيماءة ذلك الجيل محبطة، أو يفوتها هدفها وتنتهي بمرارة، وهذا ما يمنح عملهم في أفضل حالاته طابعًا مؤثرًا على الضفة الأخرى من عدوانيته ودعابته. إيماءة كويتر، على النقيض، خفيفة وهادئة، تبدو ضعيفة عمدًا، وكأنها تقترب فقط من الأشكال التي ترسمها من دون أن تمسك بها تمامًا. رسمها قد يسعى إلى حرج مقصود مثل رسمهم، لكن التأثير أقل لذعًا، بل قد يكون حنونًا.

وصلت كويتر إلى هذا الأسلوب الهش والمصِرّ بهدوء ليس دفعة واحدة. خذ مثلًا لوحة «إيدي» من سنة 1983. عُرضت سنة 2020 في معرض ليفي غورفي ديان في نيويورك، ضمّ لوحات جديدة وأخرى من الثمانينات، وقد قاطعه إغلاق كوفيد. هذا أكبر معرض لكويتر في مدينة كان ينبغي أن تشهد استعادًة شاملة لعملها، على حد علمي. لكن يمكن للمعجبين، ابتداء من هذا الخريف، انتظار معرض في الموقع الجديد لغاليري بوخهولز في نيويورك. هذه اللوحة الصغيرة المطلية بكثافة تصور امرأة عارية عريضة الوركين، رأسها مقطوع عند أعلى اللوحة، وذراعاها بلا يدين مطويتان فوق عانتها. على الخلفية الفارغة، الحمراء من جانب والسوداء من الجانب الآخر، تطفو كتلتان بيضاويتان الشكل. كأنها أرادت أن تثبت قدرتها على متابعة موضوعات الفن النسوي، من لويز بورجوا فصاعدًا، بلغة تشكيلية مثقلة بثقل التقليد، ومتواطئة مع ما سمته المنظرة لورا مولفي «نظرة الرجل»، والتي كان يمكن أن يُظن أنها عدوة للنسوية.

يقرأ  التقاء السرديات الثقافية والحِرفمسابقة عالم الأزياء القابلة للارتداء 2025 — كولوسال

أو ربما، على العكس، كان تصوير الفن النسوي المرتكز على الجسد هو ما سخرت منه كويتر بنظرتها الثاقبة. الناقدة جان أفجيكوس وسمت إحدى لوحات 1983 غير المعنونة في معرض ليفي غورفي بأنها «بشعة لدرجة أنها مضحكة»، وأضافت أن كويتر فاقت زملاءها في هذا النوع من الأعمال: «كثير من الفنانين الذكور سيئي السمعة في كولونيا اعتنقوا القبح بانتقام، وكان ذلك يسبقه نوع من الفكاهة الغبية الخبيثة عن قصد. كويتر أيضًا سخرت من المقدسات، لكن بمقياسها الصغير جدًا وأسلوبها الهاوي، أضافت هشاشة لم يكن الأولاد قادرين على الإتيان بها أبدًا».

لوحة أخرى من بداياتها في ذلك المعرض، «سام إيزوتيريك سيبنق» (1986)، عنوان استخدمته كويتر لأكثر من لوحة في تلك الفترة، أقل كثافة من «إيدي»، وتلعب بتصوير عضوي تجريدي: شكل يغلب عليه طابع الزهرة في الأعلى، وثلاثة خطوط ممتدة تتدلى منه. هذا الاستعار العضوي، مثل الاستدعاء المباشر للجسد الأنثوي بوصفه أيقونة، يبدو وجهًا آخر من الصدق الفني الظاهر الذي لا تثق به كويتر. لم يكن طريقها بهذه السهولة.

الأمر الوحيد في «سام إيزوتيريك سيبنق» الذي ينبئ بمسارها اللاحق هو تدرجها اللوني: فهو يقوم أساسًا على درجات الأحمر. من الغريب أن يكون للرسام لون مميز بوصفه توقيعًا أسلوبيًا، لكن كويتر، رغم أنها رسمت لوحات سوداء أيضًا، جعلت من الطرف المنخفض التردد في الطيف المرئي موطنها التشكيلي، خصوصًا في العقدين الأخيرين.

لم ألتقِ كويتر شخصيًا إلا بعد انتقالها إلى نيويورك سنة 1991. أتذكر أنني فوجئت قليلًا بأنها فعلت ذلك. أعتقد أننا كنا نظن كولونيا أكثر راهنية من نيويورك، وكانت تبدو ناديًا منغلقًا على نفسه يصعب الانضمام إليه؛ فلماذا تستقيل منه؟ قالت لاحقًا لبوخلوه: «كان عليّ أن أترك كل ذلك خلفي لأعثر وحدي على إحداثياتي كفنانة. لقد هجرت المجال الثقافي الألماني هجرًا تامًا، وطوّرت نوعًا من الحس البنيوي بالعصيان، لتجنب أخاديد النماذج الأبوية التي ما تزال مهيمنة في المدارس وعالم الفن وحتى في النشاط الاجتماعي». ربما شعرت كويتر أنها غير مفهومة في بلدها. تذكر الناقدة إيزابيل غرو في مجلة «أرت فوروم» سنة 2006 أن «قلة من الناس في كولونيا في الثمانينات وأوائل التسعينات عرفوا ماذا يفعلون بلوحات يوتا كويتر»، بينما «بدت كتاباتها شبه متعارضة مع لوحاتها الخشنة المتعمدة الإهمال». كانت لوحاتها تداعب التعبيرية الجديدة التي رفضها محيطها رفضًا حاسمًا، ورفضها تفكيرها هي أيضًا.

لكن من المبالغة القول إنها هجرت المجال الثقافي الألماني كليًا؛ فهي واصلت عرض أعمالها بانتظام في بلدها، ولوحاتها في مقتنيات متاحف ألمانية كثيرة، ولأربع عشرة سنة، ابتداء من 2010، كانت أستاذة في المدرسة العليا للفنون الجميلة في هامبورغ. وتقيم اليوم استوديو في برلين واستوديو آخر في نيويورك.

ذهبت لزيارة استوديوها أول مرة بعد وصولها مباشرة، ولم أتذكر مؤخرًا إلا أن تلك الزيارة كانت جزءًا من معرض جماعي نوعًا ما، نظمه الفنان إريك أوبنهايم. لم يكن المعرض في غاليري، بل كان موزعًا على استوديوهات الفنانين. قال أوبنهايم إنه سيأتي بزوار، لكنه لم يفعل، حسبما قالت كويتر لبوخلوه؛ فاستعملت ذلك إطارًا لتجربة شيء خاص بها، ودعت زوارًا بنفسها. قالت: «كنت أطلب من الناس واحدًا واحدًا أن يأتوا ليشاهدوا اللوحة وهي قيد الإنجاز، ثم يجلسوا معي ويتحدثوا عن تجربة رؤيتها». ومع اللوحة كان هناك كتاب تسميه «دليلًا»، يضم «كل الرسومات والمسارات البصرية لما كنت منشغلة به. وكان أيضًا كراسة اسكتشات اجتماعية ناشئة، بمعنى أنني كنت أكتب تقريرًا عن كل جلسة في نهايتها». تحول الاستوديو إلى مسرح صغير كنت فيه أنا وكويتر مؤديين يرتجلان، وكان الهدف من الأداء توليد وعي ذاتي بكل ما يدخل في العملية المستمرة للفن: صنعه وتلقيه، وجوانبه الانفرادية وجوانبه الاجتماعية.

أما أحدث عرض لها في نيويورك، «إيفري ثينغ ويل تشينج»، في غاليري رينا سبولينغز سنة 2022، فقد بقي في ذاكرتي على شكل دوامات ضوء، لمسات مفتوحة وشفافة من الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق، حمراء في الغالب، تطفو أمام الخلفية البيضاء للقماش ولا تبدو ملتصقة به حقًا.

يقرأ  مفارقة العزلة كيف يعيد العمل من المنزل تشكيل حياتنا الإبداعية

والصور؟ بدت تأتي وتذهب في الهواء مثل الغيوم التي تتشكل وتتفرق وتتكون من جديد. أبرز صور لوحة «فلاي ناو» (2022) مقدمة طائرة، بابها مفتوح وسلم الركوب جاهز، والاسم «كويتر» مكتوب على جسم الطائرة قرب الباب. في بقية اللوحة دوائر حمراء كثيرة صغيرة، أسميها فقاعات، وبضع لمسات خضراء فاتحة توحي بالخضرة؛ وفي الأعلى قلب على شكل قلب عيد حب يحمل كتابة غير مفهومة «أولودنكس»، ورمزين تعبيريين محايدي الوجه. في أسفل اللوحة كُتب عنوانها، وهذه الكلمات تبدو وكأنها خارجة من سلسلة علامات تشبه الحروف، من دون أن تشكل كتابة كاملة.

قد تكون «فلاي ناو» ملصقًا لفنٍّ يُتصور بوصفه وسيلة نقل من عالم المعنى المحدد وإليه. وإذا كان كذلك، فمن المحتمل أن لوحة أخرى في المعرض تقدّم نصيحة للمسافر عن كيفية التعرف إلى موطنه في هذا الوجود العابر. لوحة «العالم» (2022) تصور شخصية واقفة بفستان مخطط تُرى من الخلف، وذراعاها عاريتان ممدودتان؛ وبجانبها اسم «أبولو» مكتوب مرتين، مرة رأسيًا ومرة أفقيًا. هل يعني ذلك إله الشعر والنبوءة الإغريقي أم برنامج الفضاء الأميركي في الستينات والسبعينات؟ ربما سؤال بلا جواب حاسم. والأهم عبارة بخط أصغر في أسفل اللوحة، توسّع العنوان: «حين يسألونك من أين أنت. العالم». إنها توصية بأن يتخذ المرء العالم وطنًا له، من فنانة قالت عن نفسها إنها «مهتمة بالسفر في المكان والزمان»، وإن عملها «يأتي من نوع من الترحال الذهني، بحثٍ متواصل، لأنك لا تملك رؤية تاريخية ثابتة».

لوحات مثل هذه تحتفل بنوع من اللايقين النشط. من الصعب جدًا وصف أثر ضربة الفرشاة فيها بدقة. أميل إلى وصفه بالتردد أو اللااكتمال أو التقريب، لكن هذا ليس صحيحًا في النهاية. الضربة قد تكون تقريبية في رسمها للشكل، فالشكل يأتي ويختفي، لكنها في ذاتها، بصفتها حضورًا، تؤكد نفسها بطريقة محددة جدًا، حتى لو تجسدت هذه المحدودية في الشفافية والاقتصاد واللاإباشرة. إنها كما تسميها كويتر: «ألعاب خطوط وألوان توحي بحركات العقل وهي تحتفل بالأكاليل». بمعذرة من الفنانة، يجب أن أقاطعها لأكرر بعجب: بالأكاليل! توحي العبارة بمناخ رعوي قديم، وهذا ليس غريبًا من فنانة رسمت لوحات مستلهمة من لوحات الباروكي نيكولا بوسان. ثم يكمل كلامه: «… حقيقة أننا ما نزال لا نعرف أين يحدث الوعي في العقل البشري».

هذا اللعب الذهني المكلل، كما ينقله فن كويتر، ليس ثقيلًا ولا كئيبًا. ولعل ذلك له علاقة بفكرتها أن الرسم متشابك مع الأداء، وأن الأداء يمدّ عملها بطاقة خاصة. ومع ذلك، يسهل التفكير فيها بوصفها رسامة فقط. فعندما بدأت كتابة هذا النص، كان لدي انطباع أنني لم أشاهد أداءً لكويتر، ثم تذكرت أن الأمر ليس كذلك؛ كانت زيارة الاستوديو التي شاركت فيها جزءًا صغيرًا أداءً فعلًا.

وهذا يؤكد ما قاله لي تلميذها السابق إي أراكاوا-ناش، فنان الأداء وممثل اليابان في بينالي البندقية هذا العام: «ما تعلمته من يوتا هو شكل معين من أشكال الاستيلاء الفني، حيث لا تكون شخصية الفنان شيئًا تختبئ خلفه، ولا شيئًا تقدّمه بوصفه ذاتًا أصيلة. بل يمكن التعامل معها بوصفها خامة». وأضاف: «كان عمل يوتا مؤثرًا جدًا بالنسبة إلي، خصوصًا في التفكير في الأداء ليس بوصفه حدثًا فحسب، بل بوصفه طريقة لإظهار الظروف المحيطة بالفن والتأليف والظهور العام، حتى ولو كان يخاطر بالانهيار على نفسه». إن حقيقة أنني لم أتذكر زيارتي الأولى لاستوديوها بوصفها حدثًا أدائيًا قد تعني أنها نجحت نجاحًا كبيرًا؛ فقد دمجت ذلك الوعي الذاتي في تأملي للوحة من دون أن يترك بقايا يمكن تصنيفها بوصفها «أداء». ومع ذلك، فقد غذّى لديّ إدراك أن الرسم دائمًا ما يكون أداءً، وكذلك تذوّق اللوحة. وفي حالة كويتر، أرى أن هذه العملية يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

أضف تعليق