في وقتٍ متأخرٍ من ليلة الأحد الماضية، انزعج تشونغثام فيكرام سينغ من ضجيجٍ عالٍ خارج منزله في العاصمة الهندية نيودلهي، حيث كان يعيش مع زوجته وابنه. نزل الدرج ليرى مصدر الضجيج، لكن اندلعت مشادة كلامية بينه وبين ما يقرب من اثني عشر رجلاً، طاردوه حتى الطابق الثالث من المبنى. هناك تركوه فاقداً للوعي على الدرج، وبعد ساعاتٍ قليلة توفي سينغ (54 عاماً) متأثراً بجروحه في مستشفى قريب.
أعاد مقتل سينغ، عازف الغيتار الشهير من ولاية مانيبور في شمال شرق الهند، إلى الأذهان المخاوف القديمة من التمييز العنصري والتهميش الذي يعاني منه سكان ولايات الشمال الشرقي في بقية الهند. ويأتي هذا الحادث، بالنسبة إلى أصدقائه ومحبيه، في وقت تدخل فيه مانيبور عامها الرابع من حربٍ أهلية مميتة شرّدت عشرات الآلاف في الولاية.
قال أكو تشينغانغبام، شاعر غنائي ومغنٍ معروف من مانيبور: “فيكرام أيقونة وعازف غيتار أسطوري بالنسبة لنا. هذا إرثه؛ فقد ألهم أجيالاً كي تتعلم العزف على الغيتار في أرض صارت الأسلحة والأرواح فيها رخيصة”. وأضاف أن النهاية المأساوية لسينغ، الذي درّس الموسيقى في العاصمة عشرين عاماً، تذكّر بأن العنصرية واقع قاسٍ لآلاف المهاجرين الداخليين من شمال شرق الهند.
في نيودلهي، كان سينغ يعطي دروساً خصوصية ويساعد الموسيقيين الشباب على بدء مسيرتهم. أما في مانيبور، فكان نجماً من نجوم موسيقى الروك، بصفته عازف الغيتار في فرقة “إيسترن دارك” ذات الوعي الاجتماعي. وكان من رواد الروك في المنطقة منذ مطلع الثمانينيات. ويحمل اسم الفرقة إشارة إلى التهميش السياسي لسكان ولايات الشمال الشرقي، بما فيها مانيبور. وقال مغني الفرقة هيشنام ماليمنغانغبا لوكيشوار لباحث في عام 2020: “نحن الذين نعيش في الشرق نعيش في هذا الظلام؛ اجتماعياً وسياسياً، وأينما نظرت تجد الظلام. أسلوب حياتنا، وحتى موقعنا الجغرافي، وكل جانب من جوانب حياتنا مظلم”.
عرفت مانيبور عقوداً من التمرد المسلح، إذ قاتلت جماعاتٌ عرقية الحكمَ الهندي، كما قاتلت بعضها بعضاً في أحيانٍ أخرى. وقبل نحو عشرين عاماً، انتقل سينغ إلى نيودلهي، كما يقول صديقه تشينغانغبام، “ليصنع شيئاً من حياته” وليوسّع أفقه وفرصه كموسيقي. ويتذكره تشينغانغبام بوصفه “أفضل عازف غيتار” عرفه، وأيضاً صاحب أوسع ابتسامة في الغرفة، حيث كان يتبادل الحكايات مع أصدقائه في جلسات العزف. “كان يهزّ جسدي من الضحك عندما ينفجر ضاحكاً”، يقول. “كان فيكرام أفضل شخص يمكن أن تصادفه في العالم”.
كبر تشينغانغبام وهو يستمع إلى موسيقى سينغ. وعندما كان يستعد للعزف في مهرجان موسيقي في عام 2016، أخذه سينغ إلى صديق كي يحصل على غيتار صوتي جديد. “لكن انظروا كيف انتهى به الأمر وكيف لقي حتفه في دلهي”، قال للجزيرة. “إنها مأساة لأمثالنا؛ نحن لا نشعر بالأمان في أي مكان. مع وجود الحرب في بلادنا، لم يعد لدينا مكان نشعر فيه بالأمان والحماية”. وكانت شرطة دلهي قد اعتقلت ثمانية متهمين، بينهم قاصر، بتهمة القتل، لكنها لم تعلّق بعد على الدافع وراء الجريمة.
أثار مقتل سينغ موجة غضبٍ واسعة ضد سنواتٍ من تهميش أبناء الشمال الشرقي في الهند، حيث أصبحت العنصرية اليومية أمراً شائعاً. ففي عام 2014، قُتل نيدو تانيام، وهو شاب يبلغ من العمر 19 عاماً من ولاية أروناشال براديش، بعد أن تعرّض لإهانات عنصرية بسبب ملامحه، ما أشعل احتجاجات في العاصمة. كما دفع مقتله حكومة حزب المؤتمر، التي كانت في السلطة آنذاك وأصبحت الآن في المعارضة، إلى تشكيل لجنة مستقلة لبحث انشغالات هذه المجتمعات.
وجدت اللجنة أن نحو 86% من أكثر من 200 ألف مهاجر من الشمال الشرقي تعرضوا لشكلٍ من أشكال التمييز العنصري في نيودلهي وفي مدن كبرى مثل مومباي وحيدر أباد وتشيناي. وأوصت بسن قانون لمكافحة العنصرية يتضمن اتهامات لا تُقبل فيها الكفالة، وتحقيقاً خلال 60 يوماً، ومحاكمات سريعة. لكن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي الجديدة في ذلك الوقت لم تتبنَّ هذه التوصيات.
يرى دييباك كومار، الأستاذ المساعد في جامعة حيدر أباد والمتخصص في ولايات الشمال الشرقي، أن جذور هذه العنصرية تعود إلى الحقبة الاستعمارية. فالبريطانيون وصفوا سكان المنطقة بأنهم “منغوليون”، وهو تصنيف عنصري مسيء استُخدم للتعريف بالمجتمعات الأصلية في أجزاء من آسيا، ووضعوا سياساتٍ تعاملت مع مقاطعات الشمال الشرقي بطريقة مختلفة عن “الهند الرئيسية” آنذاك. وبعد الاستقلال، ومع تمركز السلطة في نيودلهي، ظهرت مشكلات تتعلق بالهويات الإقليمية والحكم الذاتي. ومع تحرير الاقتصاد الهندي وزيادة هجرة سكان الشمال الشرقي، أصبحت الفروق الثقافية أكثر وضوحاً، وهو ما “خلق ظروفاً ساعدت على تفاقم العنصرية القائمة”، على حد قوله.
ويضيف كومار أن مقتل سينغ هو “عنصرية العناوين الكبرى”، لكن الخلل الأعمق يكمن فيما يسميه “عنصرية الحواشي”. يقول: “يُطلب منهم دفع مبالغ إضافية عند شراء الخضار في الشارع، وتحدق بهم أعين الناس في غرفة مزدحمة. هذا واقع يومي”.
وعقب مقتل سينغ، هاجم راهول غاندي، زعيم المعارضة الهندية، يوم الثلاثاء، مودي وصديقه المقرب وزير الداخلية أميت شاه، بسبب “تزايد الفوضى، خصوصاً ضد أبناء الشمال الشرقي”. وكتب غاندي في منشور على منصة إكس: “بعد حوادث كثيرة، تسأل كل أسرة من الشمال الشرقي في دلهي السؤال نفسه اليوم: هل نحن آمنون هنا؟”.
من جهته، قال لايشرم كانغلينغانبا، رئيس رابطة طلاب مانيبور في دلهي والبالغ من العمر 24 عاماً، للجزيرة إن المجتمع لا يبدو متفائلاً بتحقيق العدالة رغم سرعة اعتقال المتهمين. “الاعتداء عليه كان وحشياً ودون استفزاز. وشعرت: ‘ها نحن نعود من جديد’. منذ عقود ونحن نعاني من التمييز العنصري؛ عملنا جميعاً لسنوات من أجل نشر الوعي، لكن لا شيء يتغير”. وأضاف: “قد يقع هذا الهجوم على أصدقائي أو عليّ في يومٍ من الأيام، لكنه يقع على شخصٍ أو آخر يومياً”.
قال كانغلينغانبا إنه كبر على موسيقى سينغ. “لا أذكر كيف اكتشفت فيكرام؛ كان موجوداً دائماً منذ طفولتي. لقد كان أول احتكاك لنا بموسيقى الروك”. أما صديقه تشينغانغبام فقال إن الذكريات التي تركها الراحل ستحدد إرثه، وليس العنف الذي أنهى حياته. “علينا أن نحافظ على ذكراه، فهو أسطورتنا”.