تعرّفوا إلى سارة مارتنون، رسامة تلجأ إليها دور الأزياء الفاخرة لرسم ما تعجز عنه الآلات

دون أن أذكر أسماء محددة، جرّبت بعض العلامات التجارية خلال السنوات الماضية استخدام الذكاء الاصطناعي في حملاتها، واكتشفت سريعًا أنه ليس ما يريده الناس. وما زلت أقول منذ وقت طويل: إذا أراد منتج تجميل أن أثق بأنه سيمنحني بشرة ناعمة، فيجب أن أعرف أنني أنظر إلى عارضة حقيقية في حملاته. وإلا، شعرت بأن هناك شيئًا مريبًا، فتتبخر الثقة كلها. وهناك جانب آخر أيضًا: إذا كانت العلامة لا تكلّف نفسها عناء بذل الوقت والمال لكي تحظى باهتمامي، فلن تحصل عليه. فالذكاء الاصطناعي يوحي بأن العلامة اختصرت الطريق، وهذا لا يرضيني.

أنا لست مصممًا ولا رسامًا، لذلك ليس الموضوع أنني أشعر بالتهديد على مهنتي. أنا مجرد مستهلك متواضع يدير منصة تدعم بحماسة المبدعين الذين يريدون بشدة أن يروا أشياء حقيقية. وإلا شعرت بأنني مخدوع. وأعرف أنني لست وحدي؛ فعندما كشفت هيرميس عن حملتها الجديدة على موقعها ومنصاتها هذا الصيف، انفجرت المنصات بالحديث عنها. رأينا على شاشاتنا رسومًا ساحرة للفنانة والمصممة الباريسية سارة مارتينون، حرّكها صانع الرسوم المتحركة أرمان بيرو. خيول تحلّق فوق جبال وردية، وأحذية رياضية جميلة وُلدت من ضربات فرشاة. لست أمزح حين أقول إن رد الفعل كان ابتهاجيًا؛ إذ شعر الناس أن خطًا فاصلًا قد رُسم في الرمال.

أظهر هذا كم أصبحت الحرفة البشرية ثمينة، وأن الفن والحرفة يساويان أكثر بكثير حين يأتيان منا. وأوضحت ردود الأفعال بوضوح تام: لا، لا نريد صورًا يولّدها الذكاء الاصطناعي، ولا عارضات اصطناعية تبيع لنا المنتجات؛ نريد ما صنعه البشر ويظهر فيه البشر. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا؛ فأنا أريد أن أطمئن إلى أن العلامة ما زالت تكلّف نفسها توظيف الفرق المبدعة نفسها التي عملت معها دائمًا. وأي سلوك يخالف ذلك أصبح كريهًا، مثل الموضة السريعة والمنتجات الممتلئة بالبلاستيك.

تحية لهيرميس، لأنها قرأت المزاج العام وأرَت علامات الأزياء الأخرى أن هذا هو الأسلوب الذي يجب أن تسير عليه الأمور. وأنا أرى حقًا مستقبلًا مشرقًا للمبدعين.

يقرأ  كرافت هاينز تُقسّم أعمالها إلى شركتين مع تصاعد الضغوط المالية

كيف حصلت سارة على هذه المهمة؟ في عام 2025، اختارتها شانيل للمساعدة في حملة «كوكبة الشتاء» الاحتفالية، إلى جانب عمل خاص بعنوان «أسترو 2026» لمجلة «مدام فيغارو»، في مشروع تحركت فيه رسوماتها لأول مرة.

تقول سارة: «ارتبطت فورًا بالمراجع التي وضعها المديرون الفنيون أمامي، وبالقصة التي كان الفيلم يرويها؛ فكرة أن ينتقل المرء إلى نوع من الحلم اليقظ». في الفيلم الذي أخرجه غوردون فون شتاينر، تجولت العارضة لولو تيني بين رسومات سارة، بشكل يشبه إلى حد ما ماري بوبينز. هناك أسد تطفو عليه، ومدينة تستيقظ أضواؤها عندما تنثر فوقها غبار النجوم. تضيف: «شعرت أن الأمر امتداد للأجواء المرسومة التي كنت أصنعها للجدران، لكنه ذهب بها أبعد كثيرًا. لم تعد العارضة تتحرك داخل أماكن تغطيها رسوماتي؛ بل صارت رسوماتي هي الفضاء نفسه وتتفاعل معها».

وقد حضرت التصوير، وأتيح لها أن تشاهد غوردون وهو يصور أمام شاشة زرقاء، وكانت أغنية لفاشتي بونيان تُعزف في الخلفية بينما كانوا يتخيلون كل ما سيُضاف إلى العمل النهائي. تقول: «الوسادة الهوائية الضخمة التي كانت لولو تطفو عليها، مثلًا، كانت ستتحول في النهاية إلى أسدي. هذا أتاح لي أن أتخيل بدقة كبيرة ما يمكن أن أرسمه. كنت فخورة برؤية عالمينا يتعايشان».

هذا حلم يتحقق لأي فنان بلا شك: العمل إلى جانب مخرج من الطراز الأول… من أجل شانيل. كيف وصلت إلى هذا؟ لطالما كانت سارة مستقلة، وإن عملت لسنوات مع مصمم غرافيك في استوديو صغير من شخصين. ما دفعها إلى العمل وحدها كان بسيطًا: اشتاقت إلى الرسم. تقول: «تطوير لغة تصميم غرافيكي معًا يمكن أن ينجح، لكنني أدركت بعد فترة أن لغة الرسم أكثر شخصية ويصعب تقاسمها».

يقرأ  إلى أين تتجه سياسة الاغتيالات الإسرائيلية الممتدة لعقود؟ أخبار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران

لذلك بدأت تجربة زخارف تشبه تلك التي قد تراها على القماش. وكان مرجعها باربرا هولانيكي وعلامتها «بيبا»، حيث يبدو التصميم الغرافيكي والأزياء والتصميم الداخلي منسجمين تمامًا. تقول: «نجح هذا فورًا، وتطورت المشاريع من هناك بشكل طبيعي». يذكّرني ذلك بالنصيحة التي قدمها مؤخرًا مايك مولوني في «آرت آند غرافت»: إذا صنعت الأشياء التي تريد أن تصنعها، فسينتهي بك الأمر إلى صنع تلك الأشياء. وهذا صحيح جدًا.

كبرت زخارف سارة؛ تقول: «أحببت العمل بها على نطاق واسع جدًا. أردت للأقمشة أن تبدو مثل ورق الجدران». ومن هناك وجدت سارة نفسها ترسم جداريات، ثم تزيّن غرفًا كاملة. نشأت سارة محاطة بالمعلقات الجدارية وورق الجدران والتفاصيل والفوضى، لذلك بدا لها الانتقال من تزيين ما يرتديه الناس إلى تزيين الأماكن أمرًا بديهيًا سريعًا. قادتها هذه التجارب إلى «أوديسي» وإلى بانوراما «حديقة لانزاروتي» لدار كريستيان لاكروا، وإلى مجموعات لعلامة «أرتي»، ثم إلى العمل مع توم تشابمان ونيكولا بيكيرتس، الثنائي الذي يقف خلف «أباسك». كلفها الاثنان بتصميم أربع زخارف لتغليف منتجاتهما، كل رسمة بثلاثة مقاسات وتلوينات مختلفة. تقول: «أحببت فكرة أن رسوماتي تتحول حرفيًا إلى أغلفة للأشياء التي بداخلها». أما ما تلا ذلك، فقادها إلى شانيل وهيرميس وإلى «حملة الصيف».

وبينما كان المتشكك في داخلي يخرج كعادته ليقول إن هذا التوجه مجرد بادرة عابرة أو تباهٍ أخلاقي، جاءت واجهة عرض مادية في متجر هيرميس في لوغانو، مملوءة من الأرض إلى السقف بأعمال سارة الملوّنة والمرحة. حملت الواجهة عنوان «استوديو فنان مع إطلالة»، وأُقيمت في ديسمبر الماضي، في الوقت المناسب لعيد الميلاد. وكانت تلك أول مرة تبني فيها عالمًا ماديًا كاملًا يمكن للزائر أن يدخل إليه فعلًا. تقول: «أردت الواجهة أن تعمل مثل كتاب «تصبح على خير يا قمر»، حيث تكتشف أشياء جديدة في كل مرة تقرؤه. رسمت كل شيء حرفيًا، حتى أغلفة الكتب المكدسة على الأرض، ونقشة المكتب، وحتى العناصر الصغيرة التي قد لا يلاحظها أحد». سأسكت إذن.

يقرأ  معرض فيليب زولينغر في زيورخ يغلق أبوابه بعد سبع سنوات

تذكر سارة أنها تستلهم قصص جي جي بالارد، وتلفت نظرنا إلى أعمال شخصية حديثة مثل «فيرميليون ساندز» و«بريما بيلادونا». تقول: «أحب الطريقة التي يكتب بها عن فنانين يحاولون تشكيل عوالم كاملة ودفع الجمال إلى حده الأقصى؛ نباتات تغني الأوبرا، وبيوت تؤثر في العقل أو تملك وعيًا، وعقارب مرصّعة بالجواهر». وهناك شعار من أحد كتب بالارد تحبه أيضًا: «جرّب الذوق الرديء». وهي تعتقد أنه يعني خوض المخاطر ومخالفة ما يبدو ناجحًا، لأنها دائمًا، على حد تعبيرها، تخرج منه بشيء مثير للاهتمام.

ساعدها هذا الشعار في ملصقاتها لأوبرا الراين الوطنية؛ إذ كان موسم «خارج الدروب» يدور بالكامل حول الخروج عن الطريق المطروق. ومن ينظر عن كثب سيلاحظ آثار أقدام تنعطف إلى العدم، وخرافًا سوداء هنا وهناك. تقول: «تعاملت مع مساحات لونية واسعة كما لو كانت تناغمات موسيقية. فكّرت كثيرًا في الضوء الخافت الذي تعيشه أثناء العرض، حين يغرق معظم المكان في الظلام وينجذب انتباهك نحو منطقة واحدة بفضل ضوء مركّز».

أما عن الخطوة المقبلة، فقد طلبت هيرميس المزيد من واجهات العرض، وهناك كتب ورسومات جديدة قيد الإنجاز. أكثر ما يلفتني هو المسار الذي قطعته سارة: من كونها جزءًا من استوديو صغير للتصميم الغرافيكي، إلى اللعب بالزخارف كرسامة ورؤية أعمالها على الملابس، ثم رسم عوالم كاملة في واجهة دار أزياء رائدة. إنه يبيّن فقط كيف يمكن للإبداع البشري أن يؤدي إلى أشياء رائعة. تقول: «منذ فترة، وأنا أتخيل أن أوسّع عملي ليشمل بيتًا كاملًا؛ أن أرسم الجدران والأقمشة والأشياء والتفاصيل وكل الأعمال الفنية المعلقة. لنرى إلى أي مدى يمكن أن يمتد الرسم، وماذا يمكن أن يحتله أيضًا».

أضف تعليق