لماذا تهدد الحرب الأمريكية-الإيرانية حول هرمز مياه الخليج؟

الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تتحول بشكل متزايد إلى مواجهة بحرية، إذ يستهدف الطرفان ناقلات النفط وسفنًا أخرى في مضيق هرمز ومحيطه.

في الثامن من سبتمبر/أيلول، ضربت الولايات المتحدة خمس ناقلات نفط إيرانية، مما أثار هجومًا إيرانيًا على قاعدة الأزرق الجوية في الأردن. وقبل ذلك بثلاثة أيام فقط، كانت واشنطن قد استهدفت ثلاث ناقلات إيرانية أخرى. وقالت القيادة المركزية الأميركية إن هذه الضربات جاءت بعد أن أطلقت إيران صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات أميركية ومدمرة تابعة للبحرية قرب المضيق. كما أعلنت إيران لاحقًا أنها استهدفت ثلاث ناقلات نفط كانت تسلك ما وصفته بـ”مسار غير مرخّص به” في المضيق، وثلاث سفن مرتبطة بالولايات المتحدة في أماكن أخرى.

هذه الضربات المتبادلة جعلت من مضيق هرمز منطقة قابلة لكارثة بيئية. فمع وجود ناقلات تحمل ملايين البراميل من النفط الخام والمنتجات البترولية، وهي تعبر الممر المائي أو تنتظر في محيطه، فإن أي إصابة ناجحة قد تؤدي إلى حريق أو غرق ناقلة أو تسرب نفطي كبير.

ناقلات النفط عالقة حول هرمز

أظهرت بيانات منصة “مارين ترافيك” حتى السابع من سبتمبر/أيلول وجود 42 ناقلة تنتظر عبور مضيق هرمز، بينما كانت مئات السفن الأخرى تنتظر أو تبحر ببطء في مياه خليج عمان ومنطقة الخليج عمومًا. ومن بين الناقلات الـ42 التي كانت تنتظر العبور، كانت 18 ناقلة تحمل نفطًا.

ومع أن الكمية الفعلية من النفط التي على متن هذه الناقلات غير معروفة، إن وُجدت أصلًا، فإن قدرتها المجمعة على حمل النفط والمنتجات البترولية تقدَّر بنحو 1.76 مليون متر مكعب. وهذه حمولة قد تكون عرضة للخطر إذا استمرت الهجمات على الشحن التجاري.

كم تبلغ كمية النفط؟

هذه الكمية، أي 1.76 مليون متر مكعب من النفط، تعادل نحو 11.1 مليون برميل، أي ما يقارب 11 في المئة من الطلب اليومي العالمي على النفط. وهي أيضًا كمية تكفي لملء نحو 714 مسبحًا أولمبيًا.

يقرأ  قضت محكمة أمريكية بأنّ ترامب انتهك أمراً بفرض شروط على منح الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)

تخيّل إذن حجم الضرر البيئي المحتمل. فأي إصابة كبيرة لناقلة أو غرقها قد يطلق ملايين اللترات من النفط في مياه الخليج، مما قد يلوّث السواحل ومصائد الأسماك والنظم البيئية البحرية الهشة. والنفط في البحر، خلافًا للانسكابات على اليابسة، يمكن أن ينتشر فوق مساحات شاسعة، إذ تحمله التيارات والرياح بعيدًا عن موقع الحادث الأصلي.

كم عدد السفن التي استُهدفت في الأيام الأخيرة؟

في الخامس من سبتمبر/أيلول، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها ضربت ثلاث ناقلات نفط خام إيرانية: واحدة قبالة جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الرئيسي في إيران، وأخرى قرب جاسك، أما الثالثة فكانت ناقلة فارغة في خليج عمان، بعد أن أُمر طاقمها بإخلاء السفينة.

وشكّلت هذه الضربات تصعيدًا جديدًا في الهجمات على الشحن النفطي في المنطقة. فمنذ بدء الحرب، تعرّضت 75 سفينة على الأقل لهجمات، ولقي 21 من البحّارة حتفهم. وكان من بين هذه الهجمات حادثان تسببا في تسرب نفطي طفيف، وست حوادث أدت إلى اندلاع حرائق.

تسرّب نفطي ما زال ينتشر قبالة عُمان

ما زالت الناقلة “كارولين بيزينجي” تسرّب النفط منذ جنوحها على بُعد نحو 22 ميلًا بحريًا (41 كيلومترًا) قبالة سواحل عُمان، بعد أن أبلغ طاقمها عن انفجار مشتبه به في أوائل يونيو/حزيران. وتشير تقديرات وكالة رويترز إلى أن الناقلة كانت تحمل 800 ألف برميل من النفط.

وحذّرت هيئة البيئة العُمانية من أن التسرب قد يصل إلى نحو 40 كيلومترًا (25 ميلًا) من السواحل قرب رأس مدركة، وكذلك جزيرة مصيرة.

وفي الثالث من أغسطس/آب، تعرّضت سفينة الشحن السائبة “مينوان بايونير”، التي ترفع علم ليبيريا، لقذيفة مجهولة قبالة سواحل عُمان واشتعلت فيها النيران. وفي العاشر من أغسطس/آب، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية بقعة نفطية كبيرة قرب جزيرة قشم، ورُصدت بقعة أخرى قرب جزيرة سيري. وقال خبراء إن البقعة القريبة من قشم يُرجَّح أن تكون ناجمة عن حريق “مينوان بايونير”، لكنهم لم يتمكنوا من تأكيد مصدرها بشكل مستقل.

يقرأ  ردود فعل دولية على تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيرانأخبار الحرب الأمريكية — الإسرائيلية ضد إيران

ما تأثير استهداف الناقلات في الحياة البحرية؟

في الماضي، خلّفت عمليات مثل “عاصفة الصحراء”، التي خاضتها الولايات المتحدة ضد العراق بعد أن غزت قوات صدام حسين الكويت، إرثًا ثقيلًا من التلوث البيئي. فعندما انسحبت القوات العراقية، أضرمت النار في آبار النفط الكويتية، واستمرت الحرائق شهورًا، وتدفقت ملايين الجالونات من النفط إلى السواحل الشمالية للخليج، ما ألحق أضرارًا بالسواحل الكويتية والسعودية استمرت لعقود.

وغمر النفط والقطران أكثر من 770 كيلومترًا من السواحل الممتدة من جنوب الكويت حتى جزيرة أبو علي في السعودية، فقضى على النظم البيئية البحرية المحلية. وكان الضرر الناتج عن هذا التسرب هائلًا، إذ دمّر الرواسب الساحلية والأنواع البحرية والنظم البيئية.

وبعد خمسة وثلاثين عامًا، عادت النظم البيئية البحرية الهشة في الخليج لتكون مهددة من جديد جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. فالضربات الأميركية تواصل قصف السفن والناقلات الإيرانية قرب السواحل الإيرانية، فيما تردّ إيران بضربات مماثلة على سفن وناقلات من دول أخرى.

ويضم الخليج شعابًا مرجانية وأشجار مانغروف قادرة على الصمود في واحد من أكثر البيئات البحرية حرارة وملوحة في العالم. وهذا المسطح المائي المغلق بحر ضحل شبه مغلق، يدعم الشعاب المرجانية ومسطحات الأعشاب البحرية وأشجار المانغروف والمسطحات الطينية والمستنقعات المالحة. وتُعد هذه الموائل مناطق تغذية وحضانة أساسية للأسماك والسلاحف والأطوم والطيور المهاجرة، كما تدعم مصائد الأسماك وتحمي السواحل. غير أن التبادل المحدود للمياه مع المحيط الهندي يجعل التلوث يشكّل ضغطًا إضافيًا على هذه النظم.

وقد ذكرت دراسة أجرتها جامعة جنوب فلوريدا في يونيو/حزيران، استنادًا إلى صور الأقمار الاصطناعية، أن التسربات النفطية في الخليج ومضيق هرمز كانت في مارس/آذار أعلى بأربع مرات مما كانت عليه في الشهر نفسه من العام السابق. ورصد فريق البحث معدلات مرتفعة من تسرب النفط من سفن عالقة في المضيق وحوله.

يقرأ  ارتفاع حصيلة القتلى مع تجدد الأعمال العدائية على الحدود التايلاندية–الكمبودية — أخبار الصراع

وتبقى التسربات النفطية طافية على سطح الماء، فتلوّث المياه وتسمّم الأحياء البحرية وتلحق الضرر بها، وتخنق الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف. وقال الدكتور حسين سمح المسروري، الأستاذ المشارك في جامعة السلطان قابوس، للجزيرة إن النفط والهيدروكربونات البترولية يمكن أن تؤثر مباشرة في الأسماك والشعاب المرجانية والعوالق والكائنات البحرية الأخرى، وإن بيض الأسماك ويرقاتها معرضة للخطر بشكل خاص. وأضاف أن الموائل الحساسة، مثل الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف وقيعان الأعشاب البحرية والرواسب الساحلية، قد تحتفظ بالملوثات لفترة أطول بكثير. يمكن أن تكون هناك تأثيرات غير مباشرة أيضاً، مثل تغيّر جودة المياه، وإنتاجية السلسلة الغذائية، وتوزيع الأسماك، وربما أنماط التكاثر أو الهجرة. وهذا قد يؤدي إلى تراجع فرص الصيد، وارتفاع التكاليف، وفقدان الدخل للمجتمعات الساحلية.

كما أن النفط قد يعلق في الرواسب، فيغطي رمال الشواطئ والطين، كما حدث في تسرب النفط عام 1991 في مياه الخليج.

وبقع النفط قادرة على خنق كائنات بحرية أخرى، بدءاً من العوالق المجهرية ويرقات الأسماك، وصولاً إلى الشعاب المرجانية وأعشاب البحر والمنغروف.

دول الخليج تعتمد بشكل أساسي على تحلية مياه البحر لتأمين المياه لنحو 65 مليون نسمة. أما إيران فتملك عدة محطات لتحلية المياه على ساحلها الجنوبي، وبعضها تعرض لاستهداف أمريكي. ويعيش على طول الساحل الإيراني حوالي 15 مليون شخص.

يوضح المسوري أن التلوث النفطي القريب من مداخل مياه البحر يمكن أن يؤثر على جودة المياه الخام، ويعطّل عمليات المعالجة، وفي حالات شديدة قد يفرض قيوداً مؤقتة على التشغيل.

ويضيف أن الخطر الفعلي يعتمد بشكل كبير على موقع التسرب، والتيارات، والمسافة وعمق المدخل، وتقنية المعالجة. كما يشير إلى أن أنظمة الرصد والنمذجة والمعالجة المتطورة يمكن أن تقلّل الخطر بشكل ملموس، وأن الأولوية تكمن في الكشف المبكر لمنع دخول المياه الملوثة إلى منظومات التحلية.

أضف تعليق