بعد حلّ “قسد” في سوريا.. كيف يضمن الأكراد حقوقهم؟

أربيل، العراق – أثار إدماج قوات سوريا الديمقراطية في القوات الحكومية الشهر الماضي جدلاً بين كثير من الأكراد في سوريا وجارتيها العراق وتركيا حول مستقبل حقوقهم.

ورغم أن الرئيس السوري أحمد الشرع وعد بحماية دستورية للغة الكردية والحقوق السياسية، يتساءل محللون عمّا إذا كان قرار التخلي عن «النضال المسلح» سيعرّض النضال من أجل تأمين الحقوق والهوية الكردية للخطر.

وقال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، المعروف أيضاً باسم مظلوم كوباني، من القصر الرئاسي في دمشق في أواخر الشهر الماضي: «نريد لهذا اليوم أن يكون بداية انتقال حقيقي من ساحات المعارك إلى ميادين البناء، ومن عصر السلاح إلى عصر السلام». وأضاف أن «صفحة مهمة» طُويت في تاريخ سوريا.

بينما يرى بعض السياسيين الأكراد أن الاندماج يمثل باباً لمشاركتهم في بناء سوريا الجديدة وللمطالبة بحقوقهم عبر الدستور، يعتبر آخرون أن الخطوة وليدة ضغوط تركية وأمريكية.

وتقيم تركيا علاقات وثيقة مع الحكومة السورية التي وصلت إلى السلطة بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، كما سبق أن هاجمت مقاتلين أكراداً على طول حدودها مع سوريا. ورغم أن الولايات المتحدة ساعدت في تشكيل قوات سوريا الديمقراطية عام 2015، إلا أنها أيدت حكومة الشرع.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة والمشكّلة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تسيطر على شمال شرق سوريا، حيث يعيش معظم أكراد البلاد، لأكثر من عقد. لكن القوات الحكومية فرضت سيطرتها على شمال سوريا في حملة عسكرية سريعة في وقت سابق من هذا العام. وبعد أشهر من المحادثات، حُلّت قوات سوريا الديمقراطية وأُنهيت الإدارة الذاتية التي كان يقودها الأكراد.

يعتقد طلال محمد، رئيس حزب السلام الديمقراطي الكردستاني في سوريا، أن هذه التطورات تمثل نقطة تحول في مسار القضية الكردية. وقال للجزيرة: «هذه فرصة للأكراد ليكونوا شركاء في بناء سوريا ديمقراطية. كانت لدينا إدارة ذاتية وقوة عسكرية، لكن لم يكن لدينا أي اعتراف دولي أو إقليمي». وأضاف أن «المرحلة المقبلة تتطلب توحيد الصفوف الكردية والعمل على نيل جميع حقوقنا في الدستور الجديد».

يقرأ  في أستراليا: إيرين باترسون، المعروفة بلقب «قاتلة الفطر»، تُحكم عليها بالسجن المؤبد

لكنه حذّر من أن تركيا تضغط من أجل إنهاء ملف الجماعات الكردية المسلحة. وتعتبر أنقرة حزب العمال الكردستاني، الذي قاد تمرداً مسلحاً لعقود، والجماعات المرتبطة به في سوريا والعراق وإيران «تنظيمات إرهابية»، وتتهمها بشن هجمات تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة عبر العنف الانفصالي.

وقرر حزب العمال الكردستاني في مايو/أيار 2025 حلّ نفسه وإنهاء الصراع المسلح، وذلك بعد أشهر من دعوة زعيمه المسجون عبد الله أوجلان إلى إلقاء السلاح في مسعى لإنهاء صراع أودى بحياة الآلاف. ورحبت الحكومة التركية بهذه الخطوة.

وتنظر أنقرة إلى وحدات حماية الشعب، التي كانت تقود قوات سوريا الديمقراطية، باعتبارها جماعة «إرهابية» وذراعاً لحزب العمال الكردستاني داخل سوريا.

ويوضح طلال محمد أن حزب العمال الكردستاني هو أهم جماعة كردية في المنطقة كلها، ويؤثر في ملف الأكراد في سوريا. وقال: «كان إنهاء قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني حلماً تركياً ومشروعاً تركياً كبيراً».

لا ضمانات

ويرى سياسيون أكراد آخرون أن المبادرة السلمية في تركيا واندماج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية سيمنحان الأكراد قوة أكبر ويحافظان على حقوقهم.

وترفض بيروين يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهو فرع لحزب العمال الكردستاني في سوريا، اعتبار الاندماج انتكاسة. وقالت للجزيرة: «لم نشعر بخيبة أمل، ومشروعنا مستمر، وسنواصل العمل للحصول على حقوقنا جميعاً عبر التفاهمات والاتفاقات السياسية في إطار الدستور السوري الجديد، وسيستمر نضالنا».

لكنها تعترف أيضاً بعدم وجود ضمانات حتى الآن للحقوق القومية والسياسية والثقافية للأكراد، وترى أن هذه القضايا قد تعرقل أي اتفاق. وأضافت: «لا توجد للأكراد ضمانات حتى الآن… نريد ضمان الحقوق الثقافية والاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية، إضافة إلى الحقوق السياسية للشعب الكردي، وأن نكون شركاء في صنع القرار داخل الدولة السورية».

الأكراد مجموعة عرقية من السكان الأصليين للسهول الواقعة بين نهري دجلة والفرات والمرتفعات المجاورة، وهي مناطق تمتد اليوم عبر جنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا وشمال العراق وشمال غرب إيران وجنوب غرب أرمينيا. ويتركز الأكراد في هذه المناطق، حيث طالما سعت الجماعات الكردية إلى إقامة دولة كردية مستقلة.

يقرأ  رئيس وزراء تايلاند الجديد يتعهد بحسم النزاع الحدودي مع كمبوديا— والتصدي للأزمات الاقتصادية

وكتب جوست هيلترمان، المستشار الخاص لمجموعة الأزمات الدولية، في ورقة بحثية عام 2016: «لطالما تحدث الأكراد عن لمّ شعبهم في كردستان الكبرى». وأضاف أن «هذه التجمعات الوطنية المختلفة اكتشفت مع الوقت أن ما يفرّقها قد يكون أكثر أهمية مما يجمعها، من اختلاف في اللهجة والانتماء القبلي والقيادة والأيديولوجية والتجربة التاريخية».

أما الأكاديمي الكردي سربست نبي، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة كوية في إقليم كردستان العراق شبه المستقل، فيعتقد أن الاتفاقات الأخيرة بين حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية من جهة، والحكومتين التركية والسورية من جهة أخرى، ستعيق الطموحات الكردية. وأوضح أن «قوات سوريا الديمقراطية وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ هذا القرار، وهو قرار خاضع للإرادة التركية، لأن تركيا تحتجز عبد الله أوجلان». يرى محللون أن هذا القرار ليس سوريًا ولا كرديًا، بل هو تعبير عن إرادة تركية. فما جرى في سوريا خدم الأمن القومي التركي، وساهم في تهميش القضية الكردية، لا سيما في ظل تصورات داخل إدارة ترامب حول أهمية كسب تركيا إلى جانبها. وهكذا أصبحت القضية الكردية ضحيةً لضغوط اللوبي التركي، بينما تحول أكراد سوريا إلى أداة في يد حزب العمال الكردستاني. ولم يعد للأكراد اليوم، في أي جزء من كردستان، خطابٌ مستقل.

ويشعر كثير من الأكراد أن القوى الإقليمية والدولية لها مصالحها وخططها الخاصة، وأنهم استُخدموا في أجندات هذه القوى ثم تُرِكوا حين انتهت الحاجة إليهم.

يرى محمد أمين بنجوني، الخبير في شؤون حزب العمال الكردستاني والسياسة التركية، أن الجماعات الكردية مطالبة بأن تكون واقعية بعد تراجع الدعم الغربي، وخاصة بعد سقوط حكومة بشار الأسد. ويقول إن ما فعلته قوات سوريا الديمقراطية من اندماج مع القوات السورية ليس فشلًا، بل انتصار؛ لأنه لم يعد أمامها أي حل آخر بعد انسحاب القوات الأمريكية والفرنسية، التي تركتها وحدها بلا حماية عسكرية أو سياسية في مواجهة تركيا وسوريا. ويضيف أنه من الصحيح أن قسد كانت قوة عسكرية كبيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية بمساعدة أمريكية، لكن المعادلة تغيرت بعد سقوط الأسد، ولم يبق أمام الأكراد سوى الاندماج في الجيش السوري.

يقرأ  إغلاق منصة فاونديشن للرموز غير القابلة للاستبدال بعد فشل بيع بلاكدوف

ورغم الضجة وما يبدو أنه نجاح، ما تزال الشكوك وعدم الثقة منتشرة في الأوساط الكردية، وقد يكون مصير عبد الله أوجلان عاملًا حاسمًا. فقد حذر قادة حزب العمال الكردستاني من معاقلهم في المناطق الجبلية شمال العراق من أنهم سيوقفون عملية السلام مع تركيا إذا لم تنفذ إصلاحات ديمقراطية. وبحسب بنجوني، أحرق الحزب أسلحته كبادرة حسن نية، لكنه لن يسلمها قبل الإفراج عن عبد الله أوجلان ورفاقه في السجون التركية.

أما حلم إقامة الدولة الكردية، فلا يزال قائمًا في نظر الكثيرين. ويشير بنجوني إلى أن هناك موقفًا أمريكيًا وفرنسيًا وبريطانيًا يرى أن معاهدة لوزان التي أبرمت في القرن الماضي لم تحقق الاستقرار في المنطقة، وأن الأكراد ظلوا ضحية لها على مدى مئة عام. وكانت معاهدة لوزان، الموقعة عام 1923 بين تركيا ودول الحلفاء، قد قسمت المناطق الكردية بين أربع دول.

وتختلف مشاعر الأكراد في سوريا والعراق وتركيا بسبب عوامل متعددة. ففي العراق، يتمتع الأكراد بأوسع الحقوق في المنطقة؛ إذ يحمي الدستور الذي وُضع بعد الغزو الأمريكي وإسقاط الرئيس صدام حسين في عام 2003 حقوقهم، وحكومة إقليم كردستان هي السلطة الحاكمة الرسمية في المنطقة شبه المستقلة.

ويقول الكاتب الكردي المقيم في العراق، سوران علي: ما حققه أكراد سوريا أفضل مما كانوا عليه في عهد الأسد. أما في العراق، ففكرة الاستقلال أو إقامة دولة كردية أمر بعيد المنال؛ لأن المنطقة الكردية شبه المستقلة قانونية ومعترف بها في الدستور.

وعلى النقيض من ذلك، ينظر بعض الأكراد في تركيا إلى المستقبل بتشاؤم شديد. ويقول الباحث القومي الكردي أحمد كاني: الحلم الكردي انتهى بسبب قسد وحزب العمال الكردستاني والعراق وإيران. ويضيف: ما دامت تركيا دولة قوية، فلن يتمكن الأكراد في الأجزاء الأربعة من كردستان من تحقيق حلم دولتهم.

أضف تعليق