ما ثغرات الحظر البريطاني على واردات المستوطنات الإسرائيلية؟

أعلنت بريطانيا فرض حظر على استيراد البضائع المنتَجة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة، ضمن حزمة أوسع من الإجراءات تستهدف توسع المستوطنات واشتداد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين.

وفي كلمة أمام البرلمان، تبنى وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند لغة أقسى من سابقيه في الحكومة، متّهماً إسرائيل بتنفيذ “تطهير عرقي” في فلسطين، ومجدّداً موقف بلاده القائم منذ زمن بأن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة “غير قانونية”.

لكن ما الذي سيتغيّر ميدانياً بعد هذا الإعلان، بخلاف الخطاب؟ وما نسبة واردات بريطانيا من المستوطنات ضمن تجارتها الإجمالية مع إسرائيل؟ وكيف ستميّز السلطات بين بضائع إسرائيل وبضائع المستوطنات والبضائع الفلسطينية المنتجة في الأرض المحتلة؟ وهل يمكن أن يدفع وعد الحكومة باستهداف الشركات الرابحة من الاستيطان إلى اتخاذ إجراءات ضد شركات منحتها عقوداً عامة بمليارات الجنيهات؟ إليك ما نعرفه.

ما الذي أعلنته بريطانيا بالضبط؟

حددت الحكومة خمسة إجراءات: حظر استيراد البضائع من المستوطنات غير القانونية؛ واتخاذ إجراءات بشأن الخدمات عبر صلاحيات جديدة تستهدف الأفراد والشركات التي تدعم النشاط الاستيطاني أو تسهّله أو تربح منه؛ وحظر الإعلان عن الأراضي والممتلكات في المستوطنات غير القانونية أو الترويج لها؛ وتعزيز نظام العقوبات البريطاني المعني بحقوق الإنسان في العالم لاستهداف المسؤولين عن انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك في فلسطين؛ واستخدام هذا النظام لفرض عقوبات على عدد من المستوطنين المتطرفين الذين دعموا أو حرضوا على اعتداءات ضد تجمعات فلسطينية.

على السطح، يبدو الإجراء الأول واضحاً ومباشراً: لن يُسمح بعد الآن بدخول بضائع المستوطنات إلى بريطانيا. لكن معرفة حجم التجارة الذي سيتوقف فعلياً مسألة أصعب بكثير.

كم تبلغ التجارة المتأثرة بالحظر؟

أولاً، ليس هذا حظراً على التجارة مع إسرائيل، بل على العكس. لدى بريطانيا اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل، وستستمر تلك العلاقة. بلغت تجارة السلع والخدمات بين البلدين نحو 6 مليارات جنيه إسترليني، أي 8.1 مليارات دولار، في عام 2025، بحسب أرقام الحكومة البريطانية.

والحظر الجديد ينطبق تحديداً على البضائع المستوردة من المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة.

فما قيمة هذه الواردات؟ تعترف الحكومة نفسها بأنه “من الصعب الحصول على أرقام دقيقة” لتجارة بريطانيا مع المستوطنات. سألت الجزيرة الحكومة البريطانية عن حجم وارداتها من المستوطنات تحديداً، لكنها لم تتلق رداً حتى كتابة هذا التقرير.

وتفرّق الإحصاءات الرسمية البريطانية بين التجارة مع إسرائيل والتجارة مع فلسطين، لكنها لا تفرّق بين بضائع ينتجها فلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة وبضائع ينتجها مستوطنون إسرائيليون يعيشون في الأرض نفسها. ويعيش نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي بصورة غير قانونية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.

يقرأ  إعفاء سارة فيرغسون، دوقة يورك، من مهامها في مؤسسة خيرية إثر رسالة إلكترونية مرتبطة بجيفري إبستين

لذلك لا يصح اعتبار أرقام التجارة مع فلسطين مقياساً مباشراً لتجارة بريطانيا مع المستوطنات، لكنها تعطي مؤشراً إلى أن التجارة المسجلة مع الأرض الفلسطينية صغيرة نسبياً.

وتظهر أحدث أرقام الحكومة، التي تغطي الأرباع الأربعة المنتهية في آذار/مارس 2026، أن إجمالي التجارة بين بريطانيا وفلسطين بلغ 40 مليون جنيه، مقابل 38 مليون جنيه في عام 2025.

وفي حين تقول لندن إنها ستتخذ إجراءات بشأن الخدمات، فإن الخدمات غير مشمولة في الحظر الأولي، ما يعني أن الخدمات المتصلة بالتمويل والتأمين والخدمات اللوجستية والقانونية والسياحة لن تُحظر تلقائياً كما هي الحال مع السلع المادية. كذلك لن يشمل الحظر الصادرات البريطانية إلى المستوطنات، وهي تمثل الجزء الأكبر من التجارة المرتبطة بها.

وبذلك استوردت بريطانيا خلال الأرباع الأربعة الأخيرة بضائع مسجلة كواردات من فلسطين بقيمة 6 ملايين جنيه فقط. وحتى لو كانت كل هذه الواردات قادمة من مستوطنات، لما تجاوز تأثير الحظر 6 ملايين جنيه من التجارة المسجلة خلال السنة، أي ما يعادل 0.1 في المئة فقط من تجارة بريطانيا السنوية مع إسرائيل البالغة نحو 6 مليارات جنيه.

وقد تكون قيمة بضائع المستوطنات ضمن هذه الستة ملايين أقل بكثير، فالرقم يشمل بضائع تسجّلها بريطانيا كواردات من فلسطين، وليس بالضرورة بضائع مصدرها المستوطنات الإسرائيلية. وهو بالتالي يشمل منتجات زراعية أو مصنعة ينتجها فلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال في الضفة الغربية.

ومن بين أكبر فئات الواردات البريطانية من فلسطين الفواكه والخضروات والزيوت النباتية والبن والشاي والكاكاو، وهي بالضبط منتجات زراعية قد ينتجها مزارعون فلسطينيون، وقد تنتجها أعمال تجارية استيطانية إسرائيلية.

هذا يعني أن بريطانيا تستعد لحظر فئة واردات لا تستطيع تحديد قيمتها الحالية بدقة. فإذا كانت غير قادرة على قياس تدفق بضائع المستوطنات إلى البلاد بدقة، فكيف ستحدد هذه البضائع وتوقفها على الحدود؟

هل يمكن لبضائع المستوطنات أن تصل كبضائع إسرائيلية؟

ومع أن الرقم المسجل للأرض الفلسطينية المحتلة يتضمن بعض بضائع المستوطنات، هناك طريق آخر تدخل به بضائع المستوطنات إلى بريطانيا، ومن الصعب كذلك على الحكومة تتبعه.

ففي تقرير أصدره مركز “غلوبال إيكو” للتقاضي في يونيو/حزيران 2026 بعنوان “استيراد الاحتلال”، فُحصت شحنات منتجات زراعية طازجة من إسرائيل إلى أوروبا، وتبين أن بضائع المستوطنات كانت تُخفى بشكل منهجي داخل سلاسل التوريد. أي أن بضائع مصنفة “إسرائيلية” قد تشمل منتجات نشأت في مستوطنات، وبالتالي تدخل في إطار العلاقة التجارية الكبيرة بين بريطانيا وإسرائيل.

يقرأ  إسرائيل تستهدف ملاجئ النازحين لتهجير الفلسطينيين نحو جنوب غزةأخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

ووجد التحقيق أن نحو شحنة واحدة من كل ست شحنات فحصها كانت تحتوي منتجات مصدرها مستوطنات. وبهذه الطريقة، يمكن أن تصل منتجات مصنعة في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى الأسواق وهي معروضة كمنتجات إسرائيلية.

ويُظهر ذلك ثغرة محتملة في النظام البريطاني المقترح؛ فإذا كانت بضائع المستوطنات مخفية داخل سلاسل إمداد إسرائيلية ومقدمة كمنتجات إسرائيلية، يصبح تحديدها عند الحدود وفرض الحظر أصعب بكثير.

كيف ستفرض الحكومة الحظر؟

لم تفصل الحكومة بعد في طريقة مراقبة الحظر الجديد. لكن بريطانيا لديها أصلاً نظامٌ يهدف إلى التمييز بين بضائع المستوطنات والبضائع المنتجة داخل حدود إسرائيل المعترف بها دولياً.

هذا التمييز مطلوب حالياً بسبب الرسوم الجمركية. فبموجب اتفاقية التجارة بين بريطانيا وإسرائيل، يمكن للمنتجات الإسرائيلية المؤهلة الحصول على معاملة تفضيلية في الرسوم الجمركية، في حين لا يمكن أن تحصل منتجات المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ 1967 على هذه المعاملة.

وللمطالبة بهذه التفضيلات، يجب على المستوردين تقديم إثبات للمنشأ، وتتضمن الوثائق الرمز البريدي واسم المدينة أو القرية أو المنطقة الصناعية التي حصل فيها المنتج على صفته الأصلية.

وتحتفظ هيئة الجمارك والضرائب البريطانية بقائمة مفصلة بالأماكن غير المؤهلة للمعاملة التفضيلية بموجب الاتفاقية، وتشمل مستوطنات ومناطق صناعية في الأراضي المحتلة.

ومنذ سبتمبر/أيلول 2025، أُضيف شرط آخر: على المستورد الساعي إلى الحصول على تفضيلات جمركية إسرائيلية استخدام رمز المستندات الجمركية Y864 والتصريح بأن البضاعة لم تنشأ في الأراضي التي خضعت للإدارة الإسرائيلية منذ يونيو/حزيران 1967.

وبعبارة أخرى، تملك بريطانيا آلية لمعرفة أين صُنعت البضاعة فعلياً. لكن بموجب القواعد الحالية، ما زال بإمكان منتج مستوطنة دخول بريطانيا، غير أنه لا يحصل على المعاملة التفضيلية المتاحة للمنتجات الإسرائيلية المؤهلة.

غير أن نظاماً يقوم على الرمز البريدي لا يعمل إلا إذا كانت جهة المنشأ المصرح بها دقيقة. فإذا أمكن دمج منتج من مستوطنة أو إعادة تغليفه أو تمريره عبر شركة إسرائيلية قبل التصدير، فسيحتاج موظفو الجمارك إلى وسيلة لمعرفة مصدر المنتج الفعلي، لا مجرد المكان الذي صُدّر منه.

وكان حظر جميع البضائع الإسرائيلية سيحل مشكلة المنشأ نهائياً، إذ لن تكون هناك حاجة للتمييز بين بضائع المستوطنات وغيرها من الواردات الإسرائيلية. لكن هذا ليس ما أعلنته بريطانيا؛ فستستمر علاقتها التجارية الأكبر بكثير مع إسرائيل.

يقرأ  بولندا تكشف النقاب عن مركبتها القتالية الثقيلة الجديدة لنقل المشاة

هل تفرض بريطانيا عقوبات على شركات تتعامل معها؟

البضائع ليست سوى جزء من الإعلان. الأكثر احتمالاً للعواقب هو وعد الحكومة بإنشاء صلاحيات جديدة لاستهداف الأفراد والشركات التي “تدعم أو تسهل أو تربح من” النشاط الاستيطاني غير القانوني.

هذه الصياغة تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا لو كانت الشركة التي تربح من الاستيطان هي أيضاً شركة تتعامل مع الحكومة البريطانية؟ تحقيق نشرته الجزيرة الأسبوع الماضي وجد أن أكثر من 2.1 مليار جنيه إسترليني، أي 2.8 مليار دولار، من العقود العامة البريطانية ذهبت إلى 17 شركة وكياناً مرتبطة بمستوطنات إسرائيلية غير قانونية.

ووفق التحقيق، حصلت شركات مملوكة لشركة “موتورولا سوليوشنز” الأميركية، العملاقة في مجال التكنولوجيا والاتصالات، على أكثر من 1.7 مليار جنيه، أي 2.3 مليار دولار، من هذا المبلغ، معظمه عبر شركتها البريطانية “إيروييف سوليوشنز”. كما توجد عقود أخرى لشركات تابعة لأربع مجموعات كبيرة هي: “هايدلبرغ ماتيريالز” الألمانية لمواد البناء، و”إيجيس” الفرنسية للهندسة، و”كاف” الإسبانية لصناعة القطارات، و”فوسون” الصينية.

وكل الشركات التي وردت في تحقيق الجزيرة مرتبطة بمجموعات لها أنشطة مرتبطة بمستوطنات إسرائيلية، سواء عبر البنية التحتية أو النقل أو الاتصالات أو العمليات التجارية.

لذلك يخلق الإعلان الأخير تناقضاً محتملاً. بريطانيا تقول إنها ستكتسب صلاحيات جديدة لاستهداف الشركات التي تربح من النشاط الاستيطاني غير القانوني. فما مدى اتساع نطاق هذه الصلاحيات؟ إذا كانت الشركات الرابحة من المستوطنات داخلة في هذه المعايير، فقد تجد بعضها نفسها مستهدفة من الحكومة نفسها التي تملك مجموعاتها أو فروعها عقوداً عامة كبيرة. وقد تكون لذلك عواقب تتجاوز بكثير التدفق الصغير نسبياً للسلع المادية القادمة من المستوطنات.

على سبيل المثال، ماذا سيحدث لعقد وزارة الداخلية البريطانية مع شركة “إيروييف سوليوشنز”، المملوكة لشركة “موتورولا سوليوشنز”، والبالغ قيمته 1.562 مليار جنيه إسترليني، أي 2.13 مليار دولار، لتوفير شبكة الاتصالات الآمنة التي تستخدمها الشرطة والإطفاء والإسعاف في إنجلترا واسكتلندا وويلز؟

السؤال الأكبر هو ماذا سيعني هذا الاستهداف للعقود العامة القائمة، بما في ذلك ما إذا كانت العقوبات ستتطلب أو تسمح أو تدفع الحكومة إلى إنهاء هذه العقود أو إعادة هيكلتها.

وقد سألت الجزيرة الحكومة البريطانية عما إذا كانت تراجع عقودها العامة الحالية بحثاً عن أي صلة بنشاط المستوطنات، وما إذا كان يمكن استهداف الشركات الحاصلة على عقود حكومية بموجب الصلاحيات الجديدة، وماذا سيحدث للعقود القائمة في هذه الحالة. ولم ترد الحكومة البريطانية على طلب التعليق.

أضف تعليق