مرت ثلاثة أسابيع على انهيار كتلة جليدية وصخرية من جبل لانغتانغ ليرونغ، وهو ما أشعل فيضانات مدمرة في وديان بوتيكوشي وتريشولي في نيبال. أكد المسؤولون مقتل أكثر من 1380 شخصا، فيما لا يزال نحو 5100 في عداد المفقودين. دمرت الكارثة آلاف المنازل وقضت على بنية تحتية حيوية.
ويقدر تقييم سريع أجرته الحكومة النيبالية أن التعافي الكامل وإعادة البناء على المدى الطويل يحتاجان إلى 4.7 مليار دولار. وهذا يعادل نحو 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لنيبال، وأكثر من ثلث ميزانيتها الفيدرالية.
ومع ذلك، ورغم اهتمام إعلامي وشعبي كبير، بقي رد الفعل السياسي الدولي ضعيفا إلى حد لافت.
سمعنا بعض رسائل التعزية من حكومات أجنبية، مع إمدادات طارئة ووعود بالمساعدة. هذه الأمور مهمة. لكن الاستجابة ركزت أساسا على المساعدات الإنسانية العاجلة. مثلا، تعهدت الولايات المتحدة بـ3.6 مليون دولار، والمملكة المتحدة بـ6 ملايين دولار، والاتحاد الأوروبي بـ2.3 مليون دولار. لكن هذه الأموال الضئيلة لا تستطيع تلبية احتياجات المجتمعات المتضررة، ولا توفير المأوى والغذاء والبنية التحتية التي تحتاجها للنجاة من الشتاء.
لماذا كانت الاستجابة غير كافية إلى هذا الحد؟ ولماذا تحدث قليلون من القادة السياسيين عن هذه الكارثة بالإلحاح الذي يتطلبه حجمها؟
قد يكمن جزء من الجواب في سؤال غير مريح طرحته نيبال مباشرة: من ينبغي أن يدفع ثمن الخسائر والأضرار المناخية؟
نيبال تصف الفيضانات بشكل متزايد ليس فقط كارثة أخرى سببها الطقس، بل نتيجة لأزمة مناخية لم تسهم فيها البلاد تقريبا بأي شيء. وهذا يشير إلى لا مساواة أعمق في أزمة المناخ.
فمنذ أكثر من قرن، استهلكت الدول الغنية حصة غير متناسبة إلى حد كبير من قدرة الغلاف الجوي على امتصاص ثاني أكسيد الكربون. نمت اقتصاداتها عبر التصنيع القائم على حرق الوقود الأحفوري. في المقابل، لم تحصل دول مثل نيبال إلا على فرصة ضئيلة لاستخدام حصة مكافئة من ذلك الفضاء الجوي. وتكشف النتيجة عن فجوة صارخة بين من استفادوا بشكل غير متناسب من حرق الوقود الأحفوري ومن يواجهون عواقب متزايدة.
تقول نيبال إن الدعم الدولي لمواجهة كارثة المناخ ليس صدقة، بل يجب أن يكون عدالة مناخية. وقد طلبت دعما عاجلا من صندوق الأمم المتحدة للاستجابة للخسائر والأضرار، وينظر مجلس الصندوق الآن في كيفية الرد.
هذا يغير النقاش السياسي، ويعيدنا إلى الاتفاق الذي أبرم في باريس قبل عقد.
لقد ناضلت الدول النامية بجد كي يعترف النظام المناخي الدولي، في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، بـ”الخسائر والأضرار”، أي الدمار الذي لا يمكن الوقاية منه ببساطة عبر التخفيف أو التكيف معه. وقد ضمنت هذا الاعتراف في المادة الثامنة من اتفاق باريس.
لكن الدول الغنية وضعت حدودا لما يمكن أن يعنيه هذا الاعتراف. فالنص المقترن باتفاق باريس يقول إن المادة الثامنة “لا تتضمن أو توفر أساسا لأي مسؤولية أو تعويض”. كان ذلك اتفاقا سياسيا غريبا: يمكن للعالم أن يعترف بالخسائر والأضرار المناخية، لكن هذا الاعتراف لا يمكن أن يؤدي إلى مطالب بالتعويض. ونيبال تختبر الآن حدود ذلك الاتفاق.
الصورة القانونية أكثر تعقيدا من مجرد القول إن اتفاق باريس يحظر التعويض المناخي. في عام 2025، قضت محكمة العدل الدولية بأن على الدول التزاما قانونيا بحماية النظام المناخي، وإن أخفقت في الوفاء بالتزاماتها فإنها مسؤولة عن جبر الأضرار أو التعويض عن الضرر الذي تسببت فيه. وقد أثار القرار اهتماما متجددا بمسائل مسؤولية الدول في القانون الدولي.
وفي حالة نيبال ودول نامية أخرى تتضرر بشكل غير متناسب من أزمة المناخ، لا تحتاج الدولة إلى إثبات أن بلدا بعينه تسبب في فيضان محدد قبل أن يعترف المجتمع الدولي بمسؤولية معالجة عواقب تغير المناخ.
لكن هناك مشكلة أخرى: نظام الدعم الدولي التقليدي للدول النامية يتقلص هو نفسه. ففي الوقت الذي تتراكم فيه الخسائر المناخية، تنخفض المساعدات الإنمائية الرسمية. فقد انخفضت بنسبة 23.1 بالمئة في 2025، وهو أكبر تراجع سنوي مسجل. كما تراجعت المساعدات الإنسانية بشكل حاد.
والمشكلة ليست فقط أن المساعدات قليلة جدا. فعلى مدى عقود، نقل الاقتصاد العالمي كميات هائلة من الثروة والموارد عبر علاقات اقتصادية غير متكافئة بين الشمال العالمي والجنوب العالمي. ولن يصلح التمويل المناخي ذلك الخلل إذا كان يعيد فقط جزءا صغيرا من تلك الثروة في شكل قروض أو خيارات استثمار خاصة.
لا ينبغي أن تضطر دولة إلى الاستدانة للخروج من كارثة مناخية لم تسهم في صنعها إلا قليلا. ولا يمكن أن يكون التعويض بديلا عن التخفيف. فلا تستطيع الدول الغنية أن تواصل استهلاك حصة غير متناسبة من طاقة العالم وموارده المادية وتتجاهل العواقب في أماكن أخرى. وعليها أن تخفض انبعاثاتها بسرعة وأن تقلص استهلاكها البيئي المفرط.
لذلك يطرح رد الفعل الفاتر على الفيضانات في نيبال سؤالا أكبر عن التعاون الدولي. ربما يرتاح العالم إلى الاعتراف بالتكلفة المتزايدة لأزمة المناخ، لكنه يرتاح أقل بكثير عندما تسأل الدول المتضررة عما إذا كان ينبغي أن يتحمل التكاليف أولئك الذين أسهموا أكثر من غيرهم في خلق الأزمة.
إن السبل لتغيير ذلك قائمة بالفعل: صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار، ومفاوضات الأمم المتحدة للمناخ، والقانون الدولي المتطور بشأن المسؤولية المناخية. وما ينقص هو الاعتراف السياسي بأن تكاليف الدمار المناخي لا يمكن أن تظل تعامل إلى الأبد كأنها مشكلة شخص آخر.
وإذا كان للعدالة المناخية أي معنى، فلا بد أن تشمل في نهاية المطاف تعويضات عن الضرر الناتج عن الاستيلاء غير المتكافئ على المشاعات الجوية. لم يعد هذا النقاش قابلا للتأجيل.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.