انتقل حزب العدالة والتنمية في المغرب من عقد كان فيه المستفيد السياسي الأول من إصلاحات ما بعد 2011 إلى هزيمة انتخابية مدوية في 2021.
فاز الحزب بـ107 مقاعد من أصل 395 في انتخابات نوفمبر 2011، بعد احتجاجات ذلك العام التي طالبت بإصلاح سياسي ومحاسبة أكبر وحكومة أكثر استجابة. وصار زعيمه عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة.
وسعت التعديلات الدستورية في المغرب عام 2011 الصلاحيات الرسمية للبرلمان والحكومة، مع الاحتفاظ بسلطة كبيرة للملك. يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يحل أولا في مجلس النواب، بينما يترأس مجلس الوزراء حيث تبحث التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة.
في انتخابات 2016 رفع الحزب مقاعده إلى 125، لكن بنكيران أمضى أشهرا دون أن يقدر على تشكيل ائتلاف حكومي. وفي مارس 2017، أنهى الملك محمد السادس مهمته وكلف سعد الدين العثماني بدلا منه. بقي الحزب في الحكومة حتى انهياره الانتخابي بعد أربع سنوات.
في انتخابات سبتمبر 2021، سقط الحزب من 125 مقعدا إلى 13 فقط، فخسر 112. وفاز التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعد وصار أكبر حزب.
إلى أي حد تعتمد العودة على بنكيران؟
عودة بنكيران تثير سؤالا آخر: إلى أي حد تُبنى عودة الحزب حوله؟
تحليل حديث صادر عن دراسات الجزيرة يصف بنكيران بأنه علامة سياسية، إذ إن مسيرته العامة الطويلة وحضوره الإعلامي وأسلوبه المباشر في التواصل صنعت له صورة شخصية يمكن أن تكون رأس مال انتخابي للحزب.
وينظر التحليل في ما إذا كانت شعبيته وحضوره يمكن أن يساعدا الحزب على إعادة البناء بعد انهيار 2021.
ما زال بنكيران من أبرز الوجوه السياسية المعروفة في المغرب. لكن عودته وحدها لا تعني أن الحزب استعاد قاعدته.
خسر الحزب 112 مقعدا في 2021؛ ومهمته الآن هي تحويل الاهتمام الذي يجلبه زعيمه إلى دعم للحزب نفسه.
برنامج أوسع
برنامج الحزب لعام 2026 يتضمن 467 إجراء في خمسة مجالات واسعة: الهوية والأسرة؛ الإصلاح السياسي والمؤسسي؛ الخدمات العامة والحماية الاجتماعية؛ الاقتصاد والتشغيل؛ والسياسة الخارجية.
ويدعو إلى مزيد من الشفافية في الصفقات العمومية، وقواعد تتعامل مع تنازع المصالح والثراء غير المشروع، وتحسين الخدمات العامة. كما يبرز السكن والحماية الاجتماعية والسيادة الغذائية والمائية والطاقية.
ويضع البرنامج في المقدمة قضايا عملية مثل الأسعار والوظائف والمدارس والمستشفيات والفساد. ويخوض الحزب حملته الانتخابية على ملفات الخدمات العامة والوظائف والقدرة الشرائية والإصلاح السياسي، وهو يسعى إلى إعادة بناء نفسه بعد انهياره الانتخابي في 2021.
قال سعد الصباحي، 38 عاما، ويعمل في الكتابة الإقليمية للحزب في الدار البيضاء-سطات، إن البرنامج أُعد عبر دراسات ولقاءات تشاورية ومقترحات قُدمت من خلال منصة إلكترونية.
وقال للجزيرة إن هذه الالتزامات تغطي قطاعات ومجالات تؤثر في حياة المغاربة، مشيرا إلى المشاركة السياسية ومحاربة الفساد والتعليم العمومي والصحة والتشغيل والسيادة الاقتصادية.
وقال الصباحي: هذه الالتزامات، من بين أمور أخرى، تشكل أساس الاتفاق بين الحزب والناخبين. وسنعمل على الوفاء بها وتنفيذها بأمانة وكفاءة.
ما الذي تغير بعد 2021؟
يقول الحزب إن من أهم دروس هزيمة 2021 حاجته إلى إعادة تنظيم داخلية ومراجعة سنواته في الحكم بنقد أكبر.
قال الصباحي: تمكن الحزب من تجاوز أزمته بعد مؤتمراته الاستثنائية والعادية، وبعد أن تولى الأمين العام عبد الإله بنكيران قيادته. كما أعاد الحزب تنظيم شؤونه الداخلية عبر التواصل وتجديد هياكله.
ويشمل تقييم الحزب لهزيمة 2021 انتقادا لخياراته السياسية والتنظيمية. كما اتهم جهات لم يسمها بتقويض الخيار الديمقراطي، وأشار إلى ما يصفه بفساد انتخابي وتضليل.
وهذه تفسيرات الحزب للنتيجة، لا نتائج مستقلة مؤكدة. لكن حجم خسائره أجبره على مواجهة مدى ابتعاد سجله في الحكومة عن أجزاء من قاعدته السابقة.
وهذا مهم بشكل خاص فيما يتعلق بالناخبين الشباب.
قالت إيمان ترايفي، 37 عاما، من شبيبة الحزب، إن الحزب يحتاج إلى خلق فرص مستمرة للشباب للمشاركة في الحياة السياسية، بدل التعامل معهم فقط كناخبين في الحملات الانتخابية.
وقالت للجزيرة: نحرص على أن ينتقل الشباب من متلقين إلى مشاركين ومبادرين وأشخاص يتحملون المسؤولية.
الأشباح والتماسيح
لكن السؤال أمام أي حكومة مقبلة للحزب ليس فقط ما يريد تغييره، بل ما يستطيع تغييره بعد وصوله إلى السلطة.
وقد استخدم بنكيران مرارا تعبير الأشباح والتماسيح كناية عن مصالح قوية أو خفية قال إنها عرقلت حكومته عندما كانت في الحكم.
وأوضح مثال على ذلك موقف الحزب من إسرائيل.
قاد الحزب حملات ضد تطبيع المغرب مع إسرائيل وما زال يدعم القضية الفلسطينية. وبرنامجه لعام 2026 يدعو صراحة إلى رفض التطبيع.
لكن المغرب أعاد علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل في 2020 بينما كان الحزب في الحكومة وكان سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة.
عارض الحزب هذه الخطوة، بينما دافع عنها العثماني لاحقا ووصفها بأنها قرار دولة، وقال إن دعم المغرب للقضية الفلسطينية لم يتغير. ومضى الاتفاق في ديسمبر 2020 ضمن صفقة برعاية أميركية شملت اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
وبعد ست سنوات، صارت العلاقة أبعد مما كانت. في 16 سبتمبر، اتفق المغرب وإسرائيل على رفع تمثيليهما الدبلوماسيين إلى مستوى السفارات وتعيين سفراء، مع توسيع الرحلات الجوية والمضي قدما في اتفاقات اقتصادية وتجارية.
وفي اليوم التالي، أكد حزب العدالة والتنمية مجددا رفضه للتطبيع والتعاون مع إسرائيل، ووصف موقفه بأنه موقف قديم وثابت.
لكن هذا يترك سؤالا بشأن عودة الحزب: إذا كانت قوى كهذه قادرة آنذاك على تقييد الحكومة، فما الذي تغير؟
هل طوّر حزب العدالة والتنمية فهما مختلفا لحدود سلطة الحكومة، أم سيجد نفسه مرة أخرى محاصرا بـ”الأشباح والتماسيح”؟
حدود سلطة الحكومة
أوضح حزب العدالة والتنمية في مناسبات عدة أن التغيير الذي يسعى إليه يأتي من داخل النظام السياسي والدستوري القائم في المغرب، لا من خلال تحدي الملكية نفسها.
وقد أكد بنكيران مرارا دعمه للملكية، معتبرا أن المؤسسات المنتخبة ينبغي أن تقوم بدورها في الحكم وتحسين أوضاع البلاد.
هذا التمييز مهم لفهم عودة الحزب. فمعارضته لسياسات مثل التطبيع مع إسرائيل تسير جنبا إلى جنب مع قبوله بإطار دستوري وسياسي تحتفظ فيه الملكية بدور محوري في القرارات الاستراتيجية للدولة.
بموجب الدستور، يترأس الملك المجلس الوزاري الذي يبحث التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة.
وهذا لا ينطبق على إسرائيل فقط، بل أيضا على مجالات أخرى تظل فيها القرارات السياسية الكبرى مرتبطة ارتباطا وثيقا بالملكية.
وبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فإن إعادة البناء تعني أكثر من استعادة المقاعد التي خسرها في 2021. إنها تعني إظهار ما تعلمه من عشر سنوات في الحكومة، وما يستطيع تقديمه، وكيف سيتجنب التكاليف السياسية لانهياره.
قال الصباحي إن الحزب يريد استعادة ما وصفه بالمكاسب التي كان المواطنون يتمتعون بها سابقا.
وقال لالجزيرة: “سنعمل على استعادة المكاسب التي كان المواطنون يتمتعون بها سابقا، وعلى إعادة كرامتهم وحقوقهم”.
وقال ياسين العشيري، عضو المكتب الوطني لشبيبة حزب العدالة والتنمية والمجلس الوطني للحزب، إن العلاقة مع الشباب المغربي يجب أن تُبنى مع الوقت، لا خلال الحملات.
وأضاف: “لا يمكن اختزال كسب ثقة جيل جديد من الشباب في التعبئة الانتخابية أو الحملات القصيرة قبيل يوم التصويت. بل هو عملية تراكمية تقوم على الانخراط المستمر والتوجيه والتدريب وخلق فرص للشباب للمشاركة بنشاط في الشؤون العامة”.
وتابع العشيري: “هدفنا ليس مجرد الوصول إلى الشباب في لحظة الانتخابات، بل بناء علاقة دائمة معهم تقوم على الثقة والتدريب والمشاركة الفعالة”.