عاد اليمن إلى واجهة الاهتمام العالمي بعد أن حققت جماعة الحوثي المدعومة من إيران، في وقت سابق من هذا الشهر، مكاسب عسكرية ضد القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً، وأحكمت قبضتها على ساحل البحر الأحمر. جاء هذا التصعيد في أفقر بلد عربي بعد فترة هدوء نسبي استمرت منذ وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة عام 2022 بين الحوثيين والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.
سيطرة الحوثيين على شمال غرب اليمن، بما في ذلك صنعاء، عام 2014 أدت إلى تدخل عسكري سعودي. وأسفر القتال عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، ما خلق أزمة إنسانية. وفي 2023 اتفقت السعودية والحوثيون على خارطة طريق أممية نحو وقف دائم لإطلاق النار بعد محادثات مباشرة، لكن الخارطة لم تتحول إلى اتفاق رسمي.
من سيطرة الحوثيين عام 2014 إلى توسع الحكومة المدعومة من السعودية
سيطر الحوثيون على مساحات واسعة من شمال غرب اليمن، بينها العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، وبعد أشهر تولوا السلطة، ما أرغم الرئيس عبد ربه منصور هادي على الفرار إلى عدن ثم إلى السعودية. وفي مارس 2015 تدخلت السعودية، قلقة من صعود جماعة موالية لإيران على حدودها، لدعم حكومة هادي المعترف بها دولياً، وشنت آلاف الضربات. وتعتبر السعودية إيران تهديداً إقليمياً بسبب قوتها المالية والعسكرية ودعمها جماعات مسلحة مثل حزب الله.
في هذه الفترة، استهدف الحوثيون بنى تحتية استراتيجية في السعودية والإمارات، من بينها مطارات وحقول غاز وناقلات نفط في البحر الأحمر. وبحسب تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، اعترضت السعودية أكثر من 4000 صاروخ وطائرة مسيرة وأسلحة بعيدة المدى أخرى للحوثيين بين 2017 و2022.
وفي 2019 أفادت الأمم المتحدة بأن نحو 24 مليون شخص، أي 80% من السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة، مما جعل اليمن “أسوأ أزمة إنسانية في العالم” بعد نحو خمس سنوات من الحرب. كما شهد البلد أسوأ تفشٍ للكوليرا في العالم، في ظل تدمير أنظمة الصحة والمياه. وتعرض الملايين للخطر، وسُجلت مئات الآلاف من الحالات المشتبه بها.
بعد سبع سنوات من الصراع، دخلت الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة حيز التنفيذ في أبريل 2022، فخفت حدة القتال بشكل ملحوظ، مع بقاء صراع منخفض الشدة منذ ذلك الحين.
وفي يناير من هذا العام، وسّعت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً سيطرتها على أجزاء من جنوب وشرق البلاد كانت تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو جماعة انفصالية مدعومة من الإمارات. وأعلن وفد المجلس حل نفسه بعد أن استعادت قوات الحكومة السيطرة. وقد تسبب دعم الإمارات للمجلس الانتقالي، الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن واستقلاله، في توتر العلاقات السعودية الإماراتية، إذ طلبت الرياض من القوات الإماراتية مغادرة البلاد.
من هم اللاعبون الرئيسيون؟
الحوثيون
الحوثيون، المعروفون أيضاً بأنصار الله، جماعة مسلحة تسيطر أساساً على شمال غرب اليمن وعدد من المناطق القريبة من السعودية. ومنذ 10 سبتمبر أحكموا سيطرتهم على ساحل البحر الأحمر، وهو ممر ملاحي حيوي. ظهر الحوثيون من الأقلية الزيدية الشيعية في اليمن في منطقة صعدة الجبلية شمالاً في تسعينيات القرن الماضي، مطالبين بحصة أكبر من السلطة. واستفادوا من الغضب الشعبي الواسع ضد الحكومة الانتقالية الضعيفة التي وصلت إلى السلطة بعد إرغام الرئيس علي عبد الله صالح على التنحي إثر احتجاجات الربيع العربي في 2011.
تحالف الحوثيون في البداية مع وحدات عسكرية موالية للرئيس السابق صالح أثناء سيطرتهم على ميناء الحديدة على البحر الأحمر في أكتوبر 2014. وفي يناير 2015 استولوا على القصر الرئاسي في صنعاء، ما أرغم الرئيس عبد ربه منصور هادي على الفرار إلى مدينة عدن الساحلية الجنوبية. ثم انتقل هادي إلى السعودية، ومن هناك أدار حكومته في المنفى حتى استقالته في 2022.
بعد ذلك، خاضت الجماعة سنوات من القتال بدعم إيراني ضد تحالف عسكري تقوده السعودية. ورغم اعتبارها جزءاً من تحالف إقليمي يُعرف باسم “محور المقاومة” ومدعومة من إيران، فإن لها قاعدتها الخاصة ومصالحها وأهدافها الخاصة. وقد اكتسبت شهرة دولية بهجماتها على إسرائيل والسفن في البحر الأحمر منذ بداية الإبادة الإسرائيلية في غزة في أكتوبر 2023.
السعودية
دخلت الرياض حرب اليمن عندما قادت تحالفاً عسكرياً ضد الحوثيين في مارس 2015، سعياً لاستعادة حكومة الرئيس هادي. وقد نفذت مرة أخرى ضربات دعماً للحكومة المعترف بها دولياً التي تقاتل الحوثيين.
مجلس القيادة الرئاسي
تأسس المجلس في 2022 عندما نقل الرئيس السابق هادي صلاحياته رسمياً إلى الهيئة الجديدة المكونة من ثمانية أعضاء. ويمثل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ومهمته إدارة الشؤون السياسية والأمنية والعسكرية وقيادة المفاوضات نحو وقف دائم لإطلاق النار. ويرأسه رشاد العليمي، مستشار هادي ووزير الداخلية السابق في حكومة الرئيس الراحل صالح. ويضم المجلس مزيجاً من سياسيين وقادة مرتبطين بالمجال العسكري من الشمال والجنوب، في محاولة لتوحيد القوى الرئيسية المناهضة للحوثيين تحت مظلة واحدة. ويدعم المجلس السعودية والتحالف الذي تقوده الرياض. وبعد سيطرته الكاملة على جنوب اليمن إثر حل المجلس الانتقالي، يسعى إلى توحيد اليمن، بما في ذلك المناطق الخاضعة للحوثيين.
حزب الإصلاح
التجمع اليمني للإصلاح، المعروف بحزب الإصلاح، حركة إسلامية سنية ذات صلات تاريخية بجماعة الإخوان المسلمين. وهو فصيل داخل الحكومة المعترف بها التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي، لكنه احتفظ منذ زمن بهوية مستقلة. وظل معقله الرئيسي مأرب، المنطقة الوحيدة المنتجة للغاز في البلاد وفيها أحد أكبر حقول النفط.
قوات المقاومة الوطنية
قوات المقاومة الوطنية فصيل عسكري موالٍ للحكومة يقوده طارق صالح، ابن شقيق الرئيس السابق الراحل صالح. وحافظت القوة على علاقات بالسعودية، وهي مثل حزب الإصلاح جزء من مجلس القيادة الرئاسي. وتسعى إلى يمن موحد، وتقدم نفسها كقوة موازنة للحوثيين والانفصاليين الجنوبيين معاً.
من يسيطر على ماذا في اليمن؟
تسيطر حركة الحوثي على صنعاء العاصمة ومعظم شمال وشمال غرب اليمن، بما في ذلك كامل ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم. وأثارت سيطرة الحوثيين الموالين لإيران على باب المندب مخاوف بشأن الملاحة، وسط إغلاق إيران مضيق هرمز رداً على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على طهران. أما الحكومة المعترف بها دولياً فتسيطر على معظم بقية البلاد.
ما الوضع الإنساني؟
وفقاً للأمم المتحدة، نزح أكثر من 112 ألف شخص في اليمن، وفر نحو ثلاثة آلاف من الصراع إلى جيبوتي. وتقدّر المنظمة الدولية للهجرة أن 22 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، بحاجة عاجلة إلى مساعدات إنسانية. وفي الوقت نفسه، أدان مجلس الأمن الدولي هجمات الحوثيين المستمرة على السعودية، وقال إنها تسببت في سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية للطاقة.
ماذا نعرف عن أحدث قتال؟
تصاعدت التوترات في يوليو بعد أن قالت قوات الحكومة اليمنية إنها هاجمت مطاراً في صنعاء ومنعت طائرة قادمة من إيران من الهبوط. وتلت ذلك هجمات أخرى، ثم تصاعدت الأمور أكثر في أواخر أغسطس عندما شن الحوثيون هجوماً كبيراً، قائلين إن الحكومة انتهكت هدنة 2022.
وقال التحالف الذي تقوده السعودية مساء السبت على منصة إكس إنه “اعترض ودمر بنجاح” هجوماً بصاروخ حاول استهداف الرياض، وهو أول هجوم على العاصمة منذ اندلاع الجولة الأخيرة من النزاع في يوليو. وأضاف التحالف أن الحوثيين حاولوا استهداف “مدنيين وبنية تحتية مدنية” في عدة مدن غرب المملكة، بينها ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو مركز تصدير مهم للنفط السعودي، وقد أُحبطت هذه المحاولات أيضاً. وأكد الحوثيون أنهم استهدفوا “مواقع حساسة” في الرياض، ومنشآت أرامكو في ينبع.
وقال يوسف ماوري، مراسل الجزيرة من صنعاء، إن “رسالة الجماعة اليمنية هي أنها، رغم حملة القصف السعودية في أنحاء اليمن، ستواصل تصعيد هجماتها وترد التصعيد بتصعيد”.
جاء ذلك بعد أيام من اتهام الرياض للحوثيين باستهداف مكة يوم الأربعاء، ووصفت ذلك بأنه “هجوم إرهابي جبان” على مدينة إسلامية مقدسة. ونفى الحوثيون الاتهام بشدة، ووصفوه بأنه “كذبة مستهلكة”.
في هذه الأثناء، على الأرض في اليمن، تخوض القوات المسلحة للحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية والحوثيون قتالاً عنيفاً في جنوب مأرب وكذلك في تعز ولحج والجوف والبيضاء. وقال الجيش اليمني إن 13 جندياً قتلوا في يومين من الاشتباكات مع قوات الحوثي في محافظتي تعز ولحج جنوب غرب البلاد.
وفي 10 سبتمبر، حقق الحوثيون أهم مكسب في هذه الجولة من القتال بالسيطرة على مدينة المخا الحيوية على البحر الأحمر، موسّعين سيطرتهم على مضيق باب المندب الاستراتيجي.
ورغم دعوات الرياض للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضرب الحوثيين مباشرة، فإن واشنطن لم تتحرك حتى الآن، متخوفة من فتح جبهة جديدة بينما تخوض حرباً مكلفة مع إيران. وفي الوقت نفسه، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين للحوثيين في عمان خلال عطلة نهاية الأسبوع. وذكرت تقارير أن الحوثيين أكدوا لواشنطن أن السفن غير المرتبطة بالسعودية لن تُستهدف.
منع الحوثيون مرور السفن السعودية، ما يزيد الضغط على الرياض التي استخدمت البحر الأحمر بديلاً عن مضيق هرمز. وفي الأسبوع الماضي، هاجم الحوثيون أيضاً خط الأنابيب شرق-غرب، ما عطّل تصدير النفط السعودي ودفع أسعار النفط العالمية إلى تجاوز 100 دولار للبرميل.