على جدران جمعية سينشري في شارع 43 الغربي بمانهاتن، يتوهج بلطف عمل لجون فريدريك كينسيت. يظهر فيه جبل شوكوروا في جبال وايت بولاية نيو هامبشاير. واليوم، في زمن صار السفر فيه إلى أماكن أكثر غرابة أمرا سهلا، لم يعد هذا الجبل يبدو مذهلا كما كان في القرن التاسع عشر، حين كان بمنزلة ماترهورن أمريكي: تغنى به الشعراء، ورسمه الفنانون، وسكنته أسطورة مخيفة تثير الرعب، عن زعيم من السكان الأصليين اسمه شوكوروا، لعن البيض ثم ألقى بنفسه من قمته.
كان كينسيت ابن حفار إنجليزي هاجر إلى نيو هافن في كونيتيكت. ينظر إلينا بعينين دامعتين في الصور التي وجدتها له. وفي لوحاته ذلك الإشراق الذي تتميز به مدرسة نهر هدسون، وإحساس بالفجر أو الغروب، بخريف دافئ لا صيف حارق ولا شتاء قارس. إنها تصور أركاديا هادئة يسكنها رجال ينامون بسلام ويستيقظون لعمل له هدف. ومنظر كهذا، إذا نظرت إليه من مانهاتن الصاخبة، يغريك بوعود النزهات والشرفات والسباحة في البحيرة، ويصور عصرا أفضل، أنقى، وأسعد.
لكن إذا خطوت خطوة صغيرة خارج المشهد، بعيدا عن جباله الأليفة ومزرعته الخشبية المرتبة وقطيعه الذي يرعى، فقد يوقفك التاريخ المكتوب على الإطار: 1864. رسمت هذه الصورة بعد جيتيسبيرغ وإعلان تحرير العبيد بسنة، وقبل أبوماتوكس واغتيال لينكولن بسنة، في السنة التي قتل فيها عشرات الآلاف خلال حملة البراري، وفي سنة احتراق أتلانتا. وربما لم يكن واقع البلاد في تاريخنا قط أبعد مما هو عنه في هذه الصورة الذهبية الهادئة.
حين أنظر إليها في زمننا المرعب هذا، أرى رجلا يستجمع الشجاعة ليبتعد عن الأخبار ويصنع صورة، لا للبلاد وهي تمزق نفسها في حرب مرعبة، بل لبلاد قد تخرج من تلك الحرب: لا الأمة كما كانت، بل الأمة التي قد تصير. ولذلك، بينما أرى كل ما ينقص هذه الصورة، العبودية والإبادة والحرب، أرى فيها، بدلا من الهروب من واقع تاريخنا، دعوة إلى تجاوز ذلك التاريخ: أن ننظر، حتى بعيون محتقنة بالدم، ونتجرأ على تخيل عالم أفضل.