لماذا قد لا تلعب الأحزاب العربية دور صانع الملوك في انتخابات إسرائيل 2026؟

صعود غير مسبوق للأحزاب العربية في انتخابات الكنيست

تشير استطلاعات ما بعد التصويت إلى أن الأحزاب العربية في إسرائيل قد تحصل على عدد قياسي من مقاعد الكنيست، ما يجعل تجاهلها أمراً صعباً على التكتلات الرئيسية. وقال دانيال شيك، سفير إسرائيلي سابق، إن «أهم ظاهرة في هذه الانتخابات ربما تكون صعود التصويت العربي وعودته إلى الواجهة». وأضاف أن «الرسالة واضحة: لا يمكن تجاهل هذا الجزء الكبير من الناخبين عند حساب موازين السياسة الإسرائيلية».

وتظهر أحدث التوقعات بعد تصويت الثلاثاء أن الأحزاب العربية، أي القائمة المشتركة وراعم، قد تحصل معاً على 17 مقعداً قياسياً في الكنيست المكوّن من 120 مقعداً. وحتى الآن لم يظهر فائز واضح، إذ تمنح النتائج الجزئية تكتل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو 54 مقعداً، وتحالف المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت 49 مقعداً.

ورغم أن الأحزاب العربية قد تملك نفوذاً نظرياً لأن التكتلين الرئيسيين لم يحققا أغلبية في الكنيست، يقول مراقبون إنها ليست «صانعة ملوك»، مشيرين إلى ما يشبه الفيتو السياسي الذي يحد من قدرتها على تحويل المكاسب الانتخابية إلى نفوذ. وقالت هنايدة غانم، المديرة العامة للمنتدى الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية في رام الله بالضفة الغربية المحتلة، إن «هذا الفيتو متجذر في بنية عنصرية تعتبر المواطن العربي غير شرعي وغير مرغوب فيه كشريك»، في إشارة إلى مقاومة أغلبية الأحزاب الإسرائيلية تشكيل أي حكومة مع قوائم يقودها عرب. وقد رفض كل من نتنياهو وآيزنكوت فكرة التحالف معهم، بحجة غياب القيم المشتركة.

ماذا تقول الأرقام؟

تبدو الأرقام التي تظهرها استطلاعات ما بعد التصويت واضحة حتى الآن: إذا اتحد تكتل آيزنكوت مع الأحزاب العربية، فقد يؤمّن 61 مقعداً، وهي الأغلبية المطلوبة في البرلمان، ويطيح بنتنياهو. وبحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، فإن أحدث النتائج الجزئية ستمنح تحالفاً بين معارضة آيزنكوت والأحزاب العربية 66 مقعداً.

يقرأ  تقدّم ممداني يحظى بترحيب مسلمي الطبقة العاملة في نيويورك لكن السياسات هي من تكسب الأصوات

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني أحمد نجار أن رفض تكتل المعارضة الاتحاد مع الأحزاب العربية «أيديولوجي» في المقام الأول. وقال نجار إن «آيزنكوت فرض اختبارات ولاء على الأحزاب العربية واستبعد الاعتماد عليها، رغم أن الحسابات الانتخابية تجعل دعمها لا غنى عنه».

ما مدى جدوى هذا التحالف سياسياً؟

ينقسم المراقبون حول هذه المسألة. وبحسب نجار، فإن الشراكة مع الأحزاب العربية ليست ممكنة فحسب، بل قد تكون المسار «الواقعي» الوحيد لآيزنكوت لإزاحة نتنياهو. وأشار عمر شعبان، مدير «بالثينك للدراسات الاستراتيجية»، إلى أن منصور عباس، زعيم راعم، أبدى استعداداً للانضمام إلى حكومة آيزنكوت إذا فاز المرشح الإسرائيلي، بشرط أن يتولى الحزب العربي ملف الأمن الداخلي. بل إن عباس عيّن النائب اليهودي يوآف سيغالوفيتز في المرتبة الثانية على قائمة راعم الانتخابية، كما أوضح شعبان. ولو تحقق هذا التعاون، فقد يساعد في تحسين العلاقات بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والإسرائيليين اليهود.

وفي يوم الأربعاء، قال يوسف جبارين، أحد قادة القائمة المشتركة، إن حزبه مستعد لتحمل مسؤولية إسقاط حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عنه قوله إن «الحكومة جعلت حياة كل مواطن عربي بائسة»، مضيفاً أن حركته «ستعرف كيف تستثمر» قوتها السياسية للدفاع عن قيمها. وقال أحمد الطيبي، وهو أيضاً من قادة القائمة المشتركة، الأربعاء، إن الكتلة تمد يدها إلى تحالف المعارضة لإزاحة نتنياهو، بحسب تقارير إسرائيلية. لكن لم يكن واضحاً على الإطلاق أن الكتلة ستشارك رسمياً في ائتلاف حاكم.

ومن العوائق أمام هذه الشراكة العناصر «الأكثر تطرفاً» في المجتمع الإسرائيلي، التي سيتعين على آيزنكوت مواجهتها، والتي «لا تريد أن تدعم الحكومة الإسرائيلية أو تعتمد على أصوات عربية»، كما قال شعبان. وأشار نجار إلى أن آيزنكوت سيكون عليه أيضاً إقناع شركائه المحتملين، بمن فيهم نفتالي بينيت من تحالف «معاً» وأفيغدور ليبرمان الذي يقود حزب «يسرائيل بيتينو». وقال إن ذلك سيتطلب سياسياً منه ومن شركائه المحتملين، خصوصاً بينيت وليبرمان، التخلي عن إجماع صهيوني قديم مفاده أن مواطني إسرائيل الفلسطينيين يحق لهم التصويت، لكن الأحزاب التي تمثلهم ليست شركاء شرعيين في حكم البلاد.

يقرأ  كأس العالم 2026: إعادة اختفاء المختفين في المكسيك | آراء

وحددت غانم أربعة نتائج محتملة: انتخابات أخرى، أو حكومة أقلية معارضة تدعمها الأحزاب العربية من الخارج، أو انشقاقات من المعارضة نحو تكتل نتنياهو، أو حكومة وحدة وطنية. وأضافت أن «الأمر الأكثر دلالة في هذه الانتخابات، بعيداً عن الحسابات الرقمية، هو صمود معسكر نتنياهو، الذي أثبت أنه راسخ ومتماسك بعمق».

ما الشروط التي وضعها آيزنكوت للشراكة مع الأحزاب العربية؟

بحسب «تايمز أوف إسرائيل»، قال آيزنكوت إنه سينظر في الشراكة مع أي حزب يعترف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، ويؤيد قيم إعلان الاستقلال، ويلتزم بأن يؤدي جميع الإسرائيليين الخدمة الوطنية. لكن الصحيفة ذكرت أيضاً أنه لم يوضح ما إذا كانت راعم، مع النائب اليهودي سيغالوفيتز أو من دونه، ستلبي هذه المعايير.

هل تحالفت الأحزاب اليهودية والعربية من قبل؟

نعم، هناك سابقة لمثل هذه الخطوة. فبعد انتخابات 2021، برزت راعم كقوة ممكنة لصناعة الملوك، وكان دعمها حاسماً لتشكيل حكومة بينيت ويائير لابيد القصيرة العمر آنذاك. وقال نجار إن «راعم شاركت في ائتلاف 2021-2022، بينما دعمت أحزاب عربية حكومات من الخارج في فترات سابقة، وأبرزها في عهد رابين»، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين الذي تولى المنصب في السبعينيات والتسعينيات. وأضاف: «العائق، إذن، ليس دستورياً ولا عملياً، بل أيديولوجي».

ماذا قال قادة أحزاب أخرى عن الشراكة؟

قال نتنياهو الثلاثاء إن ائتلافاً مع أحزاب يقودها عرب لتشكيل حكومة سيكون «عاراً وفضيحة». وقال لأنصاره: «من المحرم، بل من المحرم تماماً، تعريض إسرائيل للخطر وتشكيل حكومة تعتمد على أحزاب عربية معادية للصهيونية». أما بينيت، الذي يحل حالياً في المرتبة الثالثة، فقد غيّر موقفه من الماضي: فقد أوضح أنه يريد الآن فقط أحزاباً «صهيونية» في الحكومة وأنه يريد استبعاد الأحزاب العربية. في المقابل، دعا يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين الوسطي اليساري، وهو جزء من تحالف المعارضة بقيادة آيزنكوت، حلفاءه إلى التخلي عن رفض التعاون مع الأحزاب العربية. وكتب غولان على منصة «إكس»: «يجب ألا نقبل بعد الآن التقسيم العنصري الذي يقيمه نتنياهو بين أصوات يهودية وأصوات عربية».

يقرأ  خبراء يحذّرون: مخاطر المجاعة تمتد إلى مزيد من بلدات دارفور في السودان

ماذا يقول هذا التردد عن الديمقراطية الإسرائيلية؟

قال نجار إن تردد الأحزاب المعارضة التي يقودها يهود في العمل مع الأحزاب العربية «يكشف البنية العنصرية الأساسية للنظام السياسي الإسرائيلي». وأضاف: «يصف قادة المعارضة اليهود نتنياهو واليمين المتطرف بأنهما خطر وجودي على الديمقراطية، ومع ذلك يبدو أن كثيرين منهم يفضلون بقاء نتنياهو في السلطة على تقاسم السلطة السياسية مع مواطنين فلسطينيين في إسرائيل». وأشار إلى أن اعتراضهم لا يقتصر على حزب عربي معين أو برنامج معين، بل يستهدف فكرة أن يتمكن ممثلو الفلسطينيين من امتلاك سلطة حكم حقيقية. وقال: «لا يمكن لدولة أن تسمي نفسها ديمقراطية بصدق عندما يُسمح لأكثر من خُمس مواطنيها بالتصويت، لكن ممثليهم المنتخبين يُعتبرون غير شرعيين بطبيعتهم». وأضاف أن مواطني إسرائيل الفلسطينيين يُقبلون كناخبين عندما تخدم مشاركتهم النظام، لكنهم يُرفضون كفاعلين سياسيين عندما يسعون إلى سلطة تشكيله. وتابع: «هذا ليس فشلاً عارضاً في الديمقراطية الإسرائيلية، بل نتيجة نظام بُني للحفاظ على التفوق السياسي اليهودي». وختم نجار: «إذا كان آيزنكوت جاداً في إزاحة نتنياهو، فعليه أن يقرر ما إذا كان مستعداً لتحدي هذا النظام السياسي العنصري، أو أن يبقى محصوراً في المنطق الإقصائي نفسه الذي استغله نتنياهو لسنوات».

أضف تعليق