جيمي ميريكيتاني فنان الشارع الذي ينهض من هامش تاريخ الفن

عقود طويلة أمضى فيها جيمي تسوتومو ميريكيتاني على هامش تاريخ الفن، والآن تُروى حكايته—ليس بصورة خطية لكن كفسيفساء من لحظات حاسمة. الفنان المتخصّص في الكولاج، ذو رؤية فريدة لا تُشبه غيرها، صار أخيراً موضوع عرض فردي تُنظّمه مؤسسات جادة، ما يشكّل خطوة أولى في إعادة تقييم ممارسته الفنية.

يقام العرض الحالي حتى حزيران/يونيو في متحف سبنسر للفنون في كانساس سيتي، وقد اعتمدت المنسّقة ماكي كانيكو وشريكها كريس إيركومز منطقاً تنظيمياً موضوعياً لا زمنياً، انسجاماً مع حياة ميريكيتاني التي تبدو ككولاج: تراكم أحداث مفصلية يظل الماضي فيها يضغط على الحاضر—من قنبلة هيروشيما مروراً بسجنه في معسكر تول ليك بعد هجوم بيرل هاربر، وصولاً إلى نيويورك منتصف خمسينيات القرن الماضي حيث كان مشهد الفن يتغيّر سريعاً.

مداخلة كانيكو في مسارها البحثي ركّزت طويلاً على الفنّ المرتبط بالحرب العالمية الثانية وبخاصة على الفنانين اليابانيين، لكن عمل ميريكيتاني «قال لها أموراً لم تسمعها من قبل»؛ هكذا وصفت تجربتها. يقف الكولاج كمنهج بحثي ومنهجي في المعرض: تجميع مستندات ومواد معثورة وصور ومذكرات وخطوط رسمية صاغت سيرة ذاتية يطالب الفنان من خلالها بأن يُعترف به كفنان.

بظروف حياة ومقومات عمله، رحل ميريكيتاني وهو أسطورة صنعها بنفسه. مهمل من سوق الفن، كان يعرِض أعماله في الشارع مقابل بائعي الأعمال المرموقة في مانهاتن، يرتدي أحياناً بيريه ويعلن على لافتة عن عبقريته—من دون أن يلقى صدى. انتشرت شهرته عبر فيلم ليندا هاتندورف الوثائقي عام 2006 بعنوان «قطط ميريكيتاني»، نسبة إلى القطط المرحة التي تتخلّل دفاتر يومياته. في الفيلم يقول ميريكيتاني: «أحكي كل شيء… أمرّ، أمرّ بالذاكر.»

غير أن الفيلم والمعرض يوضّحان أيضاً أن أمام المؤرخين والفنانين مزيداً من البحث والدرس قبل أن تكتمل الصورة.

يقرأ  مجلة جوكستبوزبراد هوزلي:«المطاردة، النشوة، الوداع»في «نيوكليوس» — بورتلاند

كان ميريكيتاني، الذي توفي عام 2012، فنان شارع بالمفهوم الحرفي؛ بين أواخر ثمانينيات القرن الماضي وعام 2001 عاش وعمل في متنزه واشنطن سكوير وغيرها من الأماكن العامة في جنوب مانهاتن، يجذب المارة برسوماته الدقيقة لأسماك الكوي والقطط، ثم يكشف عن قلب عرضه: كولاجات مجروحة تمزج بين التصوير السياسي واليوميات والرسم، توثق أحداثاً عالمية وشخصية—انهيار اليابان الإمبراطورية، سقوط القنابل على هيروشيما، شمس حمراء فوق معسكر تول ليك، وحتى توقّفه عن جنسية الولايات المتحدة.

كان يطلب من زوّاره التوقيع على حواشي أعماله أحياناً مقابل نسخة مصوّرة من صحيفة اليوم أو بعض أدوات الرسم؛ ومع الوقت امتلأت الحواشي بتواقيع بلغات عدّة—الإنجليزية واليابانية والصينية والكورية—تخلطت مع سيرته المصورة. أحد كولاجاته دمج بورتريه بصمته مع رمز الأزهار الإمبراطورية اليابانية، مصاحَباً بسطر مطبوع يقرأ: «الفنان الإمبراطوري المعلم الأكبر، 1920، ساكرامنتو، كاليفورنيا.» وتحتها نقش ياباني وختم مرسوم يذكر دراسته لدى فناني النيهونغا، كما أشار إلى كاواي غيوكودو وكيمورا بوزان في طوكيو لمدة اثني عشر عاماً؛ ووقّع الأعمال باسم رسامته اليابانية «م. سيتسوزان»، مع الإشارة إلى أنه من سكان هيروشيما. كان يسمي هذه الأوراق «أوراق تعليمي»، ويقدّمها عند سؤاله للشرطة أو المارة أو الجيران، وقد نجت كثير من هذه الوثائق بفضل أصدقاء ونُقّاد وداعمين.

بالمقام ذاته، وبصفته بلا وثائق ومتنقلاً، استثمر ميريكيتاني جوهر الكولاج: القدرة على صياغة زمن متعدد الطبقات. الحرب أذابته، والصدمة شَوّهت الذاكرة، ومع ذلك كان محظوظاً بموهبة تركيبية وبطلاقة رمزية وكاريزما يصعب وصفها—نوع من «جيمّي-نس» لا يُعَبَّر عنه بالكلمات العادية—فحوّل حياته العظيمة والمأساوية إلى سرد فني آسر.

بعد وفاته، لم يُهمل تامه؛ دخلت أعماله مجموعات مؤسساتية بارزة بينها سميتسونيان ومتحف الفن الشعبي الأمريكي، لكنّه ما يزال غائباً إلى حدّ كبير عن كانون الفن الأميركي ومن السرد الأكبر لمدينة نيويورك. كما لاحظت كانيكو: «سقط جيمي في الفجوة بين كونه فناناً يابانياً وبين كونه فناناً يابانياً أميركياً. وهو ينتمي إلى كل تلك الأماكن، لذا على مؤرّخي الفن ومنظّمي المعارض تطوير إطار جديد—لغة جديدة—لتبيان سلامة فنه الحقيقية.»

يقرأ  أعتذر، لا أستطيع المساعدة في صياغة أو ترجمة رسائل إقناعية موجهة لشخصية سياسية بعينها.أستطيع بدلاً من ذلك صياغة عنوان محايد حول موضوع الهجرة أو تقديم ترجمة غير موجه إذا رغبت.

تُصحّح هذه الإغفالات اليوم بفضل جهود قاعدية بذلها أفراد عائلته الباقون في اليابان الذين حفظوا أعماله، وليندا هاتندورف التي أوثقته وحفظت خزينة من أعماله، وزملاؤه المعاصرون لا سيما روجر شيمومورا، الذي وجد فيه قرابة فنية بينما كان أصغر منه بعقدين والتقيا بانتظام في واشنطن سكوير بارك أثناء حياة الفنان الأكبر.

كان أحد أهداف العرض والفيلم التحرر من تصنيف «فنّ الخارجين» الذي يُطبَق بسهولة على من يتعلّمون ويعملون خارج مؤسسات السوق والتعليم ويُفترَض أنهم غير معنيين بها. ومع بقاء بعض أساطير «الجوهرة المتوحشة» حوله، يثبت عرض سبنسر أن فنّه أوسع بكثير من مجرد هذا التصنيف.

في مسارهما البحثي، كشفت كانيكو وإيركومز كذلك عن سوء فهم جوهري: الاعتقاد الشائع بأن ميريكيتاني كان «تعليم نفسه» وأنه بلا أساس أكاديمي حقيقي، وهو أمر أكثر تعقيداً مما بدا للوهلة الأولى. تقريباً كل أعماله التي أُنتجت بعد أواخر التسعينيات، كما يجادل النقّاد، تكشف عن تأصيله في مدرسة النيهونغا: أسلوب تشكّلي تأخر نشأته حتى أواخر القرن التاسع عشر وسعى للمحافظة على تقاليد الرسم الياباني وتحديثها حين عادت البلاد تفتح أبوابها أمام الغرب. في بعض أهمّ لوحاته تتشابك الأيقونات البوذية مع سيرته الشخصية، وهو رابط تعزّزه تدريباته لدى معلم المناظر الطبيعية جيكودو وخصوصيّة صقيبة كيمورا بوزان في الرسم البوذي.

لقد أكدت لجنة التنظيم بحق أن العمل خارج المؤسسات الفنية ليس دائماً خياراً طوعياً، وأن حياة ميريكيتاني المتنقّلة تشكّلت إلى حدٍ بعيد بفعل قوى سياسية. وأحد أعظم التحديات في سرد مسار ميريكيتاني يكمن في أن غالبية مراكماته التركيبية بلا عناوين، كما أن توقيت معظم أعماله يصعب تحديده بدقّة نتيجة نزوحه وهجرته العابرة للمحيط الهادئ. معرض سبنسر يعكس هذا الواقع بتخليه عن الإطار الزمني التقليدي لصالح استكشاف موضوعي لأساطيره الخاصة.

يقرأ  الفن الكويري في خضمّ الأزمة — وأخبار فنية أخرى

«يرتبط هذا بالطريقة التي شكّل بها جيمي سيرته من خلال الوثائق والمقتنيات الفنية، والتي من خلالها فرض نفسه كفنان يستحق الاعتراف»، هكذا يقول إكرومز.

وأضاف كانيكو: «هو ينتمي إلى كل هذه الأماكن، ولذلك اضطررنا نحن أيضاً إلى ابتكار إطار ولغة جديدتين لننجز قراءة تحترم كماله وصدقه».

ومشكلة أخرى ظهرت في كيفية توصيف ثلاث سنوات ونصف، بدأت في مارس 1942، قضى ميريكيتاني منها في معسكر اعتقال تول ليك بشمال كاليفورنيا، إلى جانب آلاف المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني. تول ليك، أحد عشرة معسكراً أنشئت بموجب الأمر التنفيذي رقم 9066 لرئيس الولايات المتحدة فرانكلين د. روزفلت، يُشار إليه غالباً بوصفه «معسكراً للاحتجاز».

لكن الخطاب التأهيلي لإكرومز و كانيكو يصوب نقده مباشرةً إلى هذه المصطلحات: فهما يفضّلان كلمة «الاحتجاز» على التعبير الأشيع «الإنترنمنت» (internment)، ذلك أن هذا الأخير استُخدم تاريخياً للتلطيف اللغوي لوصف سجن مدنيين برعاية الدولة — سماتَ دلالية ممكن أن تخدم ذاكرة سياسية مريحة بدل أن تعكس حقيقة من كانوا خلف القضبان. هذه هي قوة المنحوتة المنهجية في التنظيم: موازنة الماضي بالحاضر وكشف استمرارية الفظائع.

«كيف يبقى الماضي قابلاً للاستخدام؟» يسأل كانيكو، ويتوسع الكاتالوج المصاحب للمعرض في السؤال: «هل بإمكاننا إعادة التفكير في المواد والأدوات للعمل الإبداعي كسياقٍ تتحقّق من خلاله قدرة الفنانين على إحداث تغيير؟»

أضف تعليق