دانا عوارتاني تعيد صياغة التاريخ في جناح المملكة العربية السعودية بالبندقية

عند دخولك إلى جناح المملكة العربيّة السعوديّة في بينالي البندقية، يلفت انتباهك فورًا ضخامـة المشروع: عشرات الآلاف من الطوب الطيني المرتّب بدقة ليعيد تشكيل أشكال الزخارف التقليدية على الأرض، مع ممرّات تفصل بينها. لو بدا لك أن إنجاز هذا كله لا يمكن أن يكون عملاً فرديًا، فأنت محق.

الفنانة المنسوبة إليها صاحبـة العمل هي دانا عوارتاني، المقيمة بين جدة ونيويورك والمنحدرة من أصول فلسطينية وسعودية وأردنية وسورية، لكنها لا تتردّد في إبراز أنّ هذا العمل نَفَذته شبكة من الحرفيين المهرة الذين تعاونوا معها، وجميعهم مُشار إليهم في نص معلق على الجدار.

تتقن عوارتاني الحِرفة ذاتها. تلقت تعليمًا فنيًا كلاسيكيًا في مرحلة الدراسات العليا في كلية سنترال سانت مارتينز بلندن، ثم اتّبعت مسارًا أقلّ تقليدية: دورة في الهندسة الإسلامية في مدرسة الأمير للفنون التقلدية، تلاها اعتماد رسمي في فنّ التذهيب في تركيا. الحرفة جوهر ممارستها؛ كما تقول: «الحرفة ليست شيئًا جامدًا عالقًا في الزمن. يهمني أن تتحوّل الحرفة لتصبح معاصرة ومُستخدمة داخل عالم الفن».

التاريخ أيضًا محوري. عنوان الجناح هو «لا تجف دموعك يا باكي على الحجارة»؛ ومصادر الزخارف ليست مجرد بلاطات عشوائية، بل اقتباسات مأخوذة من أكثر من عشرين موقعًا تراثيًا عبر العالم العربي تعرضت، كليًا أو جزئيًا، للتدمير بفعل البشر أثناء النزاعات.

الدمار الأخير لمواقع تراثية في إيران أضفى على مشروع عوارتاني مزيدًا من الصِدقية والأهمية، لكنه سبّب أيضًا صعوبات لوجستية في الإنتاج والشحن. فيما يلي مقابلة معها، حُرِّرت واختُصِّرت لغايات الوضوح.

ARTnews: المادة التي استخدمتيها في هذا المشروع — طوب أرضي بنمط الطين اللبني — تبدو عنصرًا محوريًا. من أين نشأت اهتماماتك بها؟

دانا عوارتاني: أبحث في موضوع التدمير الثقافي منذ 2018. دُعيت إلى بينالي الرباط في 2019، حيث ما زالت تقاليد صناعة السيراميك قوية جدًا، وهم يصنعون طينهم بأنفسهم. تعرّفت هناك إلى نوع من الحرفيين الصوفيين الذين يعتبرون الفخار جزءًا من ممارساتهم التعبدية؛ يجلسون يوميًا ويصنعون مئات أوعية الطاجين كنوع من الصلاة — كما قال الرومي، هناك مئة طريقة للسجود للأرض. تقليديًا يضيفون التبن كعامل ربط، أما أنا فكنت أريد شيئًا يشبه البلاطة لكنه من طوب أرضي يتصدّع تحت الشمس. كانت تلك تجربتي الأولى مع المادة ووقعت في حبّها، وفكّرت أنها كانت تُمارَس في السعودية لكن لم يعد هناك من يمارسها. فبحثت عن مرممين يمارسونها ودربتهم ليصبحوا حرفيّين بطريقتهم الخاصة.

يقرأ  صور تُجسِّد كرامة المصابين بمرض ألزهايمر

وبالعمل معهم صَنعت قطعة ضخمة في بينالي الدرعية الأول في الرياض عام 2021، كانت بمثابة إعادة تركيب لفناء الجامع الكبير في حلب. فكّرت فيها كأنها هدية لجدّتي من دمشق؛ هي الآن تعاني قليلًا من الخرف، وكنت أتساءل عن طبيعة الذاكره — خرجت سوريا منذ زمن بعيد ولا تتذكّر كثيرًا. عندما أتكلّم مع من كانوا من حلب، يحدّثونك عن اليوم الذي هدمت فيه المئذنة؛ كان ذلك صادمًا لأنّه يزيحك من مكانك.

العمل مع الحرفيين مهم بالنسبة لك؟

جوهر ممارستي هو العمل مع حرفيي منطقتي، خصوصًا من يعانون اقتصادياً أو الذين نزحوا قسرًا. كلّ الحرفيين الذين شاركوا في هذا المشروع هم مهاجرون اقتصاديون أتوا إلى السعودية. كان والدي مهاجرًا اقتصاديًا إلى السعودية أيضًا. جزء كبير من حفظ الحرف التقليدية هو دعم الحرفيين؛ فالكثير من هذه التقاليد لا تُدرّس في المدارس أو الجامعات أو المناهج، والسبيل الصحيح للتعلّم يكون عادة عبر الأجيال، من جيل إلى جيل.

لِمَ اخترتِ هذا النهج الترابي في البندقية رغم عملك مع النسيج سابقًا؟

كان منطقيًا أن أعمل قطعة أرضية هنا، لأنّك لا تستطيع تعليق أي شيء على الجدران الطوبية، ولأننا نتوجّه إلى جمهور عالمي. على مدى السنوات القليلة الماضية تصاعدت أبعاد الصراع، فتساءلت كيف نفكّر في التدمير الثقافي على نطاق واسع؟ بدل أن نركّز على موقع واحد بعينه، لماذا لا ننظر إلى مواقع عدّة؟ بدأت حينها أركّز على الموزاييك وبالأخص الروابط مع إيطاليا: ازدهر الموزاييك هنا، وأولّ موزاييك عرفته البشرية كان من بلاد ما بين النهرين، ثم ازدهر زمن الإمبراطورية الرومانية، ثم عادت العناصر البيزنطية إلى العالم العربي. عند النظر إلى سورية ولبنان وفلسطين وحتى المحيط الهادئ، تتجلى بوضوح التأثيرات المعمارية البيزنطية في كثير من المواقع.

بالطبع، جناح البندقية مشروع ذو نطاق أوسع بكثير مقارنةً بعمل الدرعية.

عندما بدأنا في الإنتاج فعليًا حدث ذلك الإحساس: ماذا جنّبنا؟ هذا جنون! إنّه ثلاثة أضعاف عدد الطوب الذي استخدمته سابقًا — نحو 29,300 طوبة.

جناح دانا عوارتاني للمملكة العربية السعودية في بينالي البندقية.

كيف اخترتِ هذه المواقع؟

في مشاريع سابقة نظرت إلى مواقع دُمّرت، لكن التركيز على فن الفسيفساء قادني بالذات إلى هذه الاختيارات. كثير من هذه المواقع تعرّضت للتدمير منذ موجات الربيع العربي، ثم مع صعود داعش الذي هدَم ما لم يتوافق مع أيديولوجيته، وصولًا إلى ما نشهده الآن في غزة ولبنان.

يقرأ  إدانة رجل عراقي بتهمة الاتجار بالبشر لتجنيد مقاتلين لصالح روسيا في أوكرانيا أخبار الحرب الروسية‑الأوكرانية

وليس المقصود الإشارة إلى مجموعة واحدة فقط؛ العنف هنا من صنع الإنسان بأشكاله المختلفة ومن جماعات وأيديولوجيات متعددة، ويهدف أحيانًا إلى تطهير ثقافي. لدينا مساجد وكنائس وبيوت عبادة يهودية ومبانٍ علمانية — لا تمييز؛ كلّ ذلك يندرج تحت جرائم الحرب بغضّ النظر عن مرتكبيها.

أحبّ أن أتحدّث عن عمليّة الإنتاج.

الإنتاج بالنسبة لي أحيانًا أهمّ من النتيجة النهائية؛ هو عمل بطيء ودقيق، قائم على تفاصيل صغيرة تُصنع بصبر.

بدأتم بالتوثيق — هل كان من الصعب جمع مواد لبعض هذه المواقع؟

كان لدينا ملف داخلي يضم كل موقع مع ذكر متى وكيف دُمّر. في حالات كثيرة تأكدت المعلومات عبر جهات دولية مثل اليونسكو. لكن بسبب الحصار في غزة، لم يكن التوثيق لبعض المواقع ممكنًا إلا عبر صور على وسائل التواصل الاجتماعي ومن السكان المحليين الذين ارسلوا صورًا. مثلاً قال مدير المتحف الفلسطيني إن شخصًا لديه صورة لأحد المواقع.

هناك فسيفساءٌ اكتشفت في غزة عام 2022 على قطعة أرض زراعية؛ حرث أحدهم التربة فظهر تحت السطح. أُبلغت اليونسكو فورًا، وكان ظهورها عامًا لمدة عامين ثم جُرفت — أمر فظيع. لا أدري لماذا، لكن فكرة ذلك تؤثر فيّ أكثر من القنبلة، شيئ يصعب تصوّره.

ثم جاء الرسم وعملية التصميم.

امتدت العملية طويلًا، إذ إن جميع الزخارف مستمدة من الفسيفساء التقليدية، ثم صنعنا القوالب الخشبية. وجدنا ورشة فيها حرفي من قرية هندية معروفة بالنجارة، وعملت معه على صناعة كل القوالب يدويًا.

ثم جاء دور الطين.

أقمنا ورشة طين مؤقتة في وسط الصحراء: جهزنا المكان والمواد واستقبلنا نحو 15 إلى 20 حرفيًا يعملون بالطين. استمر العمل ثلاثة أشهر في الرياض، وليس في جدة التي أنتمي إليها.

لماذا في الرياض؟

الطقس. الطين يحتاج مناخًا حارًا وجافًا؛ جدة رطبة ولا تتوافر فيها التربة الطينية بالقدر الكافي لأن البناء التاريخي هناك اعتمد على الحجر، بينما في الرياض كان الاعتماد على الطين. كُنّا محظوظين بأن الطقس ساندنا؛ كان الجو شتائيًا فكان أفظل جفافًا وبرودةً نسبيًا. كنا دائمًا رهائن أحوال الطقس: إذا أمطَرنا، اضطررنا لتغطية الموقع بأغطية واقية.

ما الصعوبات في إعادة إحياء الفسيفساء بالطين؟

في بعض الحالات كانت الفسيفساء تتمتع بتدرجات لونية دقيقة لا يمكن تحقيقها في هذه المادة، لذا لم تكن أعمالنا نسخًا حرفية بل إعادة تصميم لتتلاءم مع خصائص الطين. كانت الصور الحيوانية أصعب بالنسبة لي لأني متدرّبة في الهندسة — أعرف كيفية الرسم بالفرجار والمساطر، لكن الحيوانات لا تُرسم بتلك الأدوات وحدها.

يقرأ  النيابة التركية تقضي بالسجن المؤبد على ١١ متهماً بتسببهم في حريق منتجع للتزلج

يبدو أن الوضع في إيران عقّد شؤون الشحن. قيل لي إن القيّمة أنتونيا كارفر كانت قد فضّلت الشحن بحريًا لأسباب بيئية، لكن ذلك لم يعد ممكنًا بسبب ما يجري في الخليج، فتعقّدت مسارات الطائرات لاحقًا.

كنت أتابع مسارات الصواريخ؛ خطر في بالي كم ستكون السخرية لو دُمّر هذا المشروع.

كم استغرق تركيب الجناح؟

لم يكن أمامنا سوى أسبوعين. كنا نعمل من الثامنة صباحًا وحتى الحادية عشرة مساءً يوميًا. كان هناك فريق مهمته تركيب المحطات المخصصة لإخراج القطع من صناديقها، وفريق آخر مسؤول عن الصبغ. أعدتُ صبغ كل شيء هنا في الموقع باستخدام أكسيد طبيعي.

كيف نظمتم تركيب القطع لحظة وصولكم إلى المكان؟
كل قطعة تحمل رمزًا تعريفياً. إحدى صديقاتنا الأثرِيات قالت: «هذا بالضبط أسلوب المسح الأثري. يشبه موقعًا حفريًا؛ الجميع يعمل بهدوء شديد، وبطء متأنٍّ، وبعناية دقيقة.»

جناح المملكة العربية السعودية لدانا عوارتاني في بينالي البندقية — عمل قدمته الفنانة ولجنة الفنون البصرية

تخطيط الجناح يجعل المسارات تمر بين الفسيفساء المصنوعة من نفس الطين. أثناء التجول تشعر بأن مستوى الأرض لديك أدنى قليلاً من مستوى القطع.

صديقتنا الأثرية أثارت نقاشًا كبيرًا في عالمها: كيف نُفكك أدوات التفكير الاستعماري في طريقتنا للتعامل مع المواقع؟ فكرة منصة تشير إلى الأعلى وتطلّ على العمل من فوق لها طابع استعماري. لذلك قررت أن أجعل المتلقي يمشي بين التركيب بدلاً من أن يطلّ عليه من علوّ. كثير من أعمالي السابقة كانت رسمية بحيث يقف المشاهد على الهامش ويراقب؛ هنا فكّرت: كيف نجعل الجمهور يشعر جزءًا من العمل، مستوحًى من موقع أثري ولكن ليس موقعًا أثريًا حرفيًّا؟ أردت أن يبدو كما لو أنّه مقطوع من الأرض — أن تسمع ذلك الصوت المتفتّت تحت خطواتك، وتشعر بالمسامير الدقيقة من التراب تحت قدميك.

ماذا أريد أن يختبره الزوار في الجناح؟
أريد وعيًا بغنى ثقافتنا في العالم العربى — لا يقل عن غنى إيطاليا — وبأهمية الحفاظ عليها. أرى بالفعل أنّ الزوّار إذ يدخلون يخفضو أصواتهم؛ كان الأمر نفسه في موقع الإنتاج في الرياض، إذ بدا تركيز الحرفيين وكأنه إيقاع تأملي. أريد للزائرين أن يأخذوا لحظة توقف وتأمل، لا أن يكون ردُّ فعلهم مجرد «يا له من جمال!»

أضف تعليق