رحيل رائد فن الفيديو الإيطالي عن 86 عاماً

توفّي فابريتسيو بليسي، رائد فن الفيديو، في الثالث والعشرين من أغسطس في البندقية عن عمر ناهز السادسة والثمانين. وقد أوردت صحيفة “لا ريبوبليكا” خبر وفاته.

اشتهر بليسي بقدرته على مزج التاريخ والتراث بالتقنيات الرقمية، فصنع أعمالاً تركيبية تمتلك بنية معمارية خاصة بها. وكان مجرّباً حقيقياً، لا يتردد في الانتقال من وسيط فني إلى آخر، متنقلاً بين الماء والنار والحجر والذاكرة، وأخيراً الزجاج.

في مراهقته، انتقل بليسي إلى البندقية، حيث درس في مدرسة الفنون الثانوية ثم في أكاديمية الفنون الجميلة. أنهى دراسته عام 1962 وعُيّن أستاذاً للنحت. في تلك الفترة، أوائل الستينيات، بدأ يبحث في الماء كموضوع ووسيط مفاهيمي يمتد عبر الزمن والذاكرة والحركة، وهي فكرة رافقته طوال مسيرته الفنية.

في السبعينيات، أصبحت المسطحات المائية محور أعماله، وظهرت في عروض أدائية وأفلام وفيديوهات. أنجز أول أعماله الفيديو عام 1973 ضمن تعاون مع مركز الأنشطة البصرية في قصر ديامانتي بمدينة فيرارا الإيطالية. وفي عام 1981، عرض فيلمه “تحت الماء” في مهرجان البندقية السينمائي، ثم عُرض لاحقاً في مركز بومبيدو في باريس. وخلال الثمانينيات والتسعينيات، استلهم إبداعاته من الضوء والحجر بعد أن قضى وقتاً في جزيرة مايوركا الإسبانية وعاد إليها باستمرار.

مثلما للماء والضوء قدرة على التحول، وجد بليسي أن الرقمي يحمل بُعداً روحياً. قال في حديث لصحيفة “ريبوبليكا”: “الجميع يعتقد أن الرقمي مرتبط بالتكنولوجيا المادية، بينما هو أكثر العناصر لا مادية على الإطلاق. الرسم والنحت ماديان. لكن أضواء LED والضوء غير مادية. أرسم باستمرار، كل يوم ثلاث ساعات على الأقل. أرسم الضوء، أرسم الأفكار، وما سنراه لاحقاً بفضل البكسلات المضيئة”.

كان لا يرى فرقاً بين النوافذ الزجاجية الملونة في الكاتدرائيات القوطية، التي وصفها بأنها “مجرد بكسلات ضوئية كبيرة”، وبين أجهزة التلفاز، سواء كانت “صناديق سوداء وبيضاء تزن 80 كيلوغراماً” أو “أشكالاً أنيقة وبسيطة” كما هي اليوم. وقال: “لم يتغير شيء. التكنولوجيا غير موجودة. هي موجودة فقط حين نستخدمها، حين نمنحها طابعاً إنسانياً. في الفيديو نرى شيئاً لا جوهر له ثم يتبخر. لذلك هو أكثر شيء روحاني بالنسبة لي”.

يقرأ  "مصنوع في لوس أنجلوس 2027" تحت إشراف مايكل ويلين وخوسيه لويس بلونديه

وُلد بليسي في 3 أبريل 1940 في ريدجو إميليا، وكانت علاقته ببينالي البندقية طويلة وممتدة، حيث شارك في المعرض الرئيسي وقدّم أعمالاً في دورات متعددة. في بينالي 1986، مثّل إيطاليا وقدّم عمله التركيبي “برونكس”، الذي ضم 26 مجرفة موضوعة في وسط 26 شاشة تلفاز داخل هيكل حديدي ضيق ومظلم، وشمل أيضاً لقطات فيديو لمياه جارية تنعكس على أسطح المجارف، في إشارة إلى المشهد الصناعي المتغير في حي برونكس بنيويورك. في العام التالي، شارك في دوكومنتا 8 في كاسل بألمانيا، وهو ما زاد من شهرته الدولية.

قال بينالي البندقية في بيان: “يخسر بينالي البندقية فناناً رافق تحولات اللغة المعاصرة، بل وسبقها في كثير من اللحظات. جلبت أعماله القوة القديمة للعناصر في حوار مع البعد غير المادي للتكنولوجيا، وأعادت للصورة الإلكترونية حضوراً جسدياً مدهشاً، وللمادة إمكانية جديدة للحركة والضوء والذاكرة. علاقة فابريتسيو بليسي الطويلة بالبينالي تبقى جزءاً مهماً من تاريخ المؤسسة ومن البحث الفني: تاريخ يمتد لأكثر من خمسين عاماً دون أن يفقد قوته الحالمة”.

في عام 1999، نال بليسي جائزتين دوليتين كبيرتين: جائزة روما للرباعية الثالثة عشرة، وجائزة الفن من بنك Nord/LB في هانوفر، التي منحته لقب فنان العام في ألمانيا. في العام التالي، مثّل إيطاليا مجدداً على الساحة الدولية، أولاً في بينالي غوانغجو في كوريا الجنوبية، ثم في إكسبو 2000 في هانوفر.

عُرضت أعمال بليسي أيضاً في مؤسسات كبرى مثل مركز بومبيدو في باريس ومتحف غوغنهايم في نيويورك، وفي عام 2014، أقام متحف لودفيغ في بودابست استعادية واسعة لأعماله بعنوان “المتاهة السائلة”.

حتى في أصعب الأوقات، لم يتوقف بليسي عن الإبداع. في عام 2020، في ذروة الجائحة، احتفلت مدينة البندقية بعيد ميلاده الثمانين عبر تركيب رقمي كتب عبارة “Pax Tibi” أي “السلام معك” باللاتينية على نوافذ متحف كورير. وفي المقابل، صنع بليسي “شجرة عيد ميلاد” بارتفاع 32 قدماً، مكوّنة من 80 شاشة LED في ساحة سان ماركو.

يقرأ  مجلة جوكستابوز«الفراغ الجميل» — أغلاي باسنسفي معرض هيس فلاتو، نيويورك

في آخر مرحلة من حياته، اتجه بليسي إلى وسيط جديد هو الزجاج. عمل مع أساتذة نفخ الزجاج في مورانو القريبة، وأنتج سلسلة من القطع عُرضت العام الماضي في آخر معرض أقامه في حياته، بعنوان “أن تضيع في كوب ماء” في مؤسسة باروفييه وتوسو أرتي في مورانو.

قال سيموني فينتوريني، عمدة البندقية، في بيان: “أعماله كانت تحمل الضوء دائماً: ضوءً مادياً، وفي الوقت نفسه فكرة عن الطاقة والمستقبل والبعث. عرف فابريتسيو كيف ينظر إلى البندقية دون حنين، خالقاً حواراً بين تاريخها والمعاصرة، لدرجة أنه قدّم مدينتنا باعتبارها قواعد عمله الفني”. لم أجد النص الأصلي في رسالتك. يبدو أنك نسيت لصقه. أرسل النص الذي تريد إعادة صياغته، وسأعيد كتابته بالعربية الفصحى البسيطة.

أضف تعليق