أفادت مجلة ARTnews الأسبوع الماضي عن عدد من حالات الاستقالة والمغادرة الأخيرة في دار فيليبس للمزادات، من بينها مغادرة مييتي هايدن رئيسة المبيعات الخاصة، وجوناثان كروكيت رئيس دار فيليبس لآسيا، وهما من أبرز أعضاء الإدارة التنفيذية. ويمكن الآن إضافة أن جوزيف بريندل، المسؤول التكنولوجي الرئيسي، وكاثرين ثورب كير، المديرة العالمية لاستراتيجية العملاء، قد غادرا الدار أيضاً.
وفي أحاديث مع عدة أشخاص على اطلاع وثيق بما يجري في فيليبس، سواء من الموظفين الحاليين أو السابقين، يبدو أن الدار قررت ألا تبقى الشركة ذاتها التي أمضت السنوات العشر الأخيرة في محاولة أن تصبحها.
لقد حاولت فيليبس لسنوات أن تحوّل نفسها إلى منافس حقيقي ثالث إلى جانب كريستيز وسوذبيز. فخلال فترة إيد دولمان، الرئيس التنفيذي من 2014 إلى 2025، خاضت الدار منافسة جدية في مجال فنون القرن العشرين والفن المعاصر. وظّفت مختصين باهظي التكلفة و”صائدي أعمال”، وطاردت المزادات الكبرى، وضخت أموالاً في الضمانات المالية. وقد نجح ذلك، على الأقل من حيث إن فيليبس أصبحت أكبر حجماً وأكثر مصداقية كمنافس. لكن ذلك كان مكلفاً.
الآن، يبدو أن ملاك الدار قرروا أنهم لا يريدون إنفاق ما يلزم لمواصلة هذه اللعبة. ومن اللافت أن عدداً كبيراً من الأشخاص الذين بنوا فيليبس بتلك الصيغة قد ردّوا بالمغادرة.
ما الذي يريده ملاك فيليبس من الدار الآن؟ هناك بعض المؤشرات. قطاع الساعات يحقق نتائج ممتازة جداً. المطبوعات والنسخ المتعددة قوية. منصة التجارة الإلكترونية “دروب شوب” تعاونت للتو مع سي جيه هندري في إصدار ثالث من مجموعة أوراق لعب تضم 52 بطاقة. والتصوير الفوتوغرافي هو أيضاً مجال راسخ ضمن أعمال فيليبس. وهذه الأقسام لا تحتاج إلى الأنواع نفسها من الضمانات المالية التي تتطلبها ملاحقة لوحة بقيمة 30 مليون دولار.
تحدثت ARTnews مع موظفين حاليين وسابقين في فيليبس، وطلبوا جميعاً عدم الكشف عن هوياتهم. قال أحد المصادر إن فيليبس قد تركز في المستقبل على المجالات التي تملك فيها ميزة فعلية، مع إبقاء التكاليف منخفضة، والتوقف عن محاولة منافسة كريستيز وسوذبيز على كل عملية بيع كبيرة.
وقال مصدر آخر إنه منذ تنحي دولمان حدث تغيير كبير في فيليبس وطريقة إدارتها. وأضاف: “بدأ بعض كبار المسؤولين فعلاً بالمغادرة أو التفكير في المغادرة بعد رحيل دولمان، وعندما أصبح بيرند رونجه المستشار الرئيسي للمساهمين في القمة. كان إد قائداً يعرف ما تحتاجه دار المزادات، وللأسف فإن الحرب بين روسيا وأوكرانيا لم تكن مفيدة أيضاً”. فيليبس مملوكة لمجموعة “ميركوري” الروسية للتجزئة الفاخرة. وتابع المصدر: “فيليبس تعمل الآن كما كانت تعمل قبل 20 عاماً، وهناك نقص مؤقت في القيادة على صعيد الاستراتيجية”. انضم رونجه إلى فيليبس في فبراير 2025 بصفته مدير العمليات، وكان سابقاً رئيساً تنفيذياً للدار من 2009 إلى 2013. وأضاف المصدر أن موجة المغادرة الكبيرة قد ترتبط أيضاً بأن رونجه لا يقدّر المتخصصين ولا يدعمهم منذ عامين تقريباً. ولم يرد متحدث باسم فيليبس على طلب للتعليق على ذلك.
وفي هذا الأسبوع، ذكرت جولي برينر دافيتش على صفحتها “أبرايسل” على منصة ساب ستاك أنها تلقت معلومات من عدة مصادر لم تسمّها، تفيد بأن “فترة ويلسون اتسمت بخفض شديد للنفقات”. كان ويلسون قد انضم إلى فيليبس عام 2018 بصفة المستشار القانوني العام، ثم حصل على منصب الرئيس التنفيذي خلال الفترة الصعبة التي واجهت الشركة مع تراجع المبيعات وعلاقتها بروسيا.
قد يكون الاضطراب الداخلي في فيليبس فرصة للنمو، خاصة بعد مبيعات مايو المرتقبة في نيويورك التي بلغت قيمتها 145.6 مليون دولار، بزيادة سنوية قدرها 90 في المئة من حيث عدد القطع المباعة. وحدها مبيعات الدار المسائية للفن الحديث والمعاصر حققت 115.2 مليون دولار مع نتيجة “القفاز الأبيض” النادرة، أي بيع جميع الأعمال المعروضة. وتشهد دور المزادات حالياً نشاطاً متصاعداً في قطاع السلع الفاخرة، ووفقاً لتقرير صادر عن “آرت تاكتيك”، نمت المقتنيات مثل الساعات والتصميم والتذكارات بنسبة 25 في المئة في النصف الأول من عام 2026. وقالت نازي فاسي، المستشارة الفنية الدولية ومؤسسة معرض “آي أوف ذا كوليكتور”، لـARTnews: “يجب على الشركات، في رأيي، أن تجمع بين وجهات النظر الجديدة والقيادة المتمرسة. فهذا التوازن بين الابتكار والخبرة هو ما يبعث الثقة لدى العملاء في النهاية”.
ومغادرة كروكيت ومايلينغ لي تترك نوعاً من الفراغ في آسيا، على الرغم من أن فيليبس تقول إنها رفعت تشيري لام إلى منصب المديرة العامة لآسيا.
وقالت ميا ميسونغ جونغ، المديرة في “ماركت”، وهي خدمة استشارات فنية تابعة لبنك هانا في سيول، لـARTnews إنه لملء الفراغ الذي تركته أبرز الشخصيات القادرة على جلب الأعمال، يجب على فيليبس أن “تعمل بسرعة على إضفاء الطابع المؤسسي على علاقاتها مع العملاء، بدلاً من الاعتماد على عدد قليل من المدراء النجوم”. وأعربت عن اعتقادها بأن على دار المزادات أن توزّع السلطة وتمنح صلاحيات أوسع للمدراء المحليين في الأسواق الرئيسية مثل هونغ كونغ وسيول وطوكيو، من أجل الحفاظ على الثقة والشبكات الوثيقة.
وفي الأشهر الأربعة القادمة، تستضيف فيليبس ثلاثة مزادات حية فقط في هونغ كونغ، بينما لدى منافسيها سوذبيز وكريستيز 11 و12 مزاداً على التوالي. وفي عام 2025، أقامت فيليبس تسعة مزادات حية، بينما انخفض العدد الإجمالي لعام 2026 إلى ثمانية. فالعملاء المهمون يريدون التعامل على مدار 365 يوماً في السنة، وليس فقط خلال مواسم المزادات. للاستمرار في الحفاظ على زخم المبيعات الخاصة القوية التي بنى هايدن، تحتاج فيليبس إلى تطوير هذا القسم من مجرد وساطة فنية إلى خدمة استشارية متكاملة لإدارة الثروات، تعمل على مدار السنة وتقدّم لعملائها من الدرجة الأولى نصائح راقية تتجاوز فكرة بيع القطع الفنية، كما يرى جونغ.
ويشير جونغ إلى أن جامعين آسيويين، بمن فيهم الجيل الأصغر، يريدون أسلوب حياة متكاملاً يخلط بسلاسة بين الفن المعاصر جداً والساعات الفاخرة والقطع الكلاسيكية من التصميم والحرف اليدوية. لهذا، لا يكفي أن تبقى فيليبس دار مزادات تقليدية، بل عليها أن تقدّم نفسها كنادٍ ثقافي لا مجرد غرفة بيع، حتى تحافظ على حضورها ولا تعتمد دائماً على نجومها الداخليين.
ويضيف جونغ أن استضافة أنشطة مؤقتة وبرامج حوارية وغرف عرض خاصة في مدن آسيوية رئيسية على مدار السنة يمكن أن يبني نقاط تواصل دائمة وذات معنى مع العملاء. فالسوق الآسيوية تبحث عن مساحات مادية حصرية تجمع الناس، وليس فقط عن منصات للمزايدة عبر الإنترنت. ويستشهد بمبادرة مثل فريز هاوس في سيول، التي نجحت في خلق مساحة محلية حميمة للتواصل وتجربة ثقافية غامرة لكبار العملاء.
ويرى جونغ أيضاً أنه على فيليبس أن تواصل تطوير مبادرات مثل نظام المزايدة التفضيلية الذي يتسم بالشفافية ويقدّم حوافز مالية ملموسة، من بينها تخفيض رسوم المشتري. كما ينبغي للدار أن تستخدم البيانات بشكل أكثر فاعلية، مثل أن تعرّف مشتري ساعة فاخرة شاباً على قطع فنية معاصرة أو تصميمية تناسب ذوقه.
من جهته، يقول تارون شارما، مدير معرض تارون للفنون واستشاري الفنون في نيودلهي، إن فهم آسيا والشرق الأوسط أصبح أمراً لا يمكن التغاضي عنه بالنسبة لدور المزادات في الظروف الراهنة. فالمشتري الآسيوي الحديث، بما في ذلك في جنوب آسيا، لا يجمع في مجالات منعزلة، بل يشتري الفن المعاصر والساعات الفاخرة وأعمال الأساتذة الكبار في الوقت نفسه. لذلك، يحتاج الموظفون الجدد إلى فهم شامل يتجاوز حدود التخصص الضيق.
وينصح شارما فيليبس بعدم استقطاب الأسماء المعتادة من دور منافسة، بل البحث عن مدراء معارض مرموقة ومستشارين خاصين. فهؤلاء يمتلكون قواعد عملاء جديدة، ولديهم إمكانية الوصول إلى مجموعات خاصة لم تُعرض مراراً في دوائر المزادات العلنية، وهو ما يمنح الدار ميزة حقيقية.
أما رحيل بعض المسؤولين الكبار من فيليبس، فيبدو في تقدير شارما غير موفق من حيث التوقيت، لأنه يخلق خطراً على استمرارية العلاقات في عمل يقوم أساساً على الثقة الشخصية، خصوصاً مع قرب البيع المسائي للفن الحديث والمعاصر المقرر في أكتوبر ضمن أسبوع فريز. ويرى أن الأسواق ستتابع عن كثب ما إذا كانت فيليبس قادرة على إعادة ضبط نفسها.
ويضيف شارما أن التغييرات على مستوى القيادة قد تبدو دراماتيكية من الخارج، لكنها قد تمنح دار المزادات مساحة لإعادة تعريف هويتها. فإذا ركزت فيليبس على كونها داراً مرنة تهتم بالثقافة وتستهدف الجيل الجديد من الجامعين، فستتمكن من تجاوز هذه المرحلة الانتقالية بفاعلية. ومع ذلك، يستدرك قائلاً إنه لا يمكن إزالة العلاقات الشخصية من هذا العمل، لأن الجامعين يشترون من أفراد يثقون بهم، لا من شعارات شركات. لذا، يجب بناء عمق مؤسسي حول الكفاءات البارزة بحيث تكون علاقات العملاء مرتبطة بفريق أوسع، ولا تخرج من الباب مع خبير واحد.
من جانبها، تتفق لوسي آن غارنيت، مديرة غارنيت للاستشارات الفنية، مع هذا الرأي، وتضيف أن المسارات المهنية البديلة اليوم أكثر تنوعاً مما كانت عليه قبل عقد. وتشير إلى أن القيادات البارزة التي غادرت فيليبس مؤخراً تحظى باحترام كبير في القطاع، ولكل منها إسهام واضح في نجاح الشركة على مدى سنوات طويلة. وتؤكد أن رحيلهم لا ينبغي أن يقلل من أثر ما قدّموه في بناء سمعة فيليبس العالمية، وتقوية علاقاتها مع العملاء، وتحقيق النمو في مجالات أساسية من العمل.