ظلّ فن العصور الوسطى يعود إلى الواجهة بوصفه نقيضًا لفن الأجيال اللاحقة. ففي القرن الخامس عشر، صاغ فاساري مصطلح “قوطي” ليحتقر “همجية” تلك الأساليب التي سبقت عصر النهضة. لكن في منتصف القرن التاسع عشر، نظر إليه الإحيائيون بوصفه مصدر إلهام ومخرجًا من الخضوع المتحجّر للكلاسيكية الجديدة ومن خراب التصنيع. فقد مزّق التصنيع النسيج الاجتماعي القديم، وأودى بحياة مئات الآلاف خلال الحروب النابليونية، وشرد الملايين من الريف إلى المدن. وما نشأ عن ذلك كان تفاعلًا جديدًا جذريًا بين أشكال قديمة وأيديولوجيات جديدة. وليام موريس، مؤسس حركة الفنون والحرف الاشتراكي، رأى أن فن العصور الوسطى يجسّد براعة الحرفيين وروح التعاون بينهم. أما أوغسطس بوجن، المهندس المعماري الملكي لقصر وستمنستر، فكان يأمل أن يعيد هذا الفن “الإيمان والهياكل الاجتماعية في العصور الوسطى”.
مالو شابوي هو أحدث تجسيد لإحياء فن العصور الوسطى. وُلد عام 1995 في شمال شرق فرنسا، ودرس الفلسفة قبل أن يتحول إلى تاريخ الفن في السوربون، ثم إلى الفن التشكيلي في مدرسة الفنون الجميلة في باريس. في المدرسة، قاوم شابوي ضغط أستاذه الذي طالبه بأن “يرسم مثل روثكو”، ومال إلى فن أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر. هوسه بالتقنيات القديمة جعله يدرس أدلة الترميم والتزييف الشهيرة. لم يتعلم فقط كيف يرسم مثل أساتذة الفن القدماء، بل أيضًا كيف يجعل أسطحه تبدو باهتة ومتشققة. في معرض تخرجه عام 2022، أنتج مخطوطة مزخرفة، وعدة لوحات صغيرة بوسيط تمبرا البيض، ونسيجًا من الزجاج الملون الزائف مصنوعًا من واقيات الوجه الخاصة بكوفيد-19.
اليوم يرسم مشاهد دينية ومذابح وصورًا شخصية بأسلوب عصر النهضة المبكر تبدو كقطع متحفية، لولا انتشار توربينات الرياح وأبراج المياه ورواد الفضاء والمركبات الفضائية. منذ تخرجه، عُرضت أعماله في بينالي ليون 2024 وفي المعرض الجماعي “قوطيون” في متحف اللوفر-لانس العام الماضي. وعندما التقيت به، كان قد عاد توه من بوغوتا، حيث نظم معرضه “مور شاربانتييه” عرضًا فرديًا لأعماله الأخيرة.
شابوي ليس الوحيد في معرضه الذي يعيد إحياء العصور الوسطى. ساشا كامبييه دي مونترافيل، فنانة بلجيكية وُلدت أيضًا عام 1995، ويقع استوديوها عبر فناء استوديو شابوي، أسهمت في معرض “قوطيون” بلوحات ثنائية وثلاثية الأجنحة الداكنة التي تذكّر بهيرونيموس بوس. وظهرت هذه الأعمال إلى جانب أعمال زميلتيهما أليسون فلورا وإيميلي بيتوازيه. من الواضح أن هناك حركة، إحياء قوطي جديد، ينتمي إليها شابوي.
فقد خلقت شركات التقنية الكبرى، بعد كل شيء، شكلاً جديدًا من الإقطاع القائم على النقر، كما يزعم يانيس فاروفاكيس في كتابه “الإقطاع التقني”، إذ حلّت المنصات والإتاوات محل الأسواق الرأسمالية والأرباح. لكن انتقاد شابوي اللاذع لخيالات الإقطاع التقني يتجنّب الرقمي لصالح المادية الملموسة، تمامًا كما قاوم نظراؤه في القرن التاسع عشر التصنيع. ورغم أنه ينفي وجود أي مضامين سياسية محددة، فإن شيئًا ما يحدث تحت أسطح أعماله المعمّرة صناعيًا: توليفة جديدة من أشكال الماضي وأفكار الحاضر، تقول الكثير عن المخاوف الكارثية المحيطة بنا بقدر ما تقول عن الرغبة في مستقبلات بديلة. في إحدى لوحتَيه عن القديس جرجس عام 2024، يظهر التنين الأسطوري كأنبوب نفط متعرج، وتتسرب أحشاء سوداء من خاصرته بعد أن اخترقها رمح القديس، بينما يرفع جرجس سيفه لتوجيه الضربة القاتلة. هنا، الجمال القوي والسرد الحكائي لفن العصور الوسطى الديني، الذي استُخدم في السابق لتأديب الناس في ظل الإقطاع، يُعاد تخيله بوصفه لا ينفصل عن حلم تجاوز الأزمات البيئية والسياسية الراهنة.
رغم أسطحه المذهّبة، فإن إحياء شابوي ليس تفكيرًا متفائلًا بسذاجة في عصر ذهبي، بل تفعيل خيالي لماضٍ بديل ومستقبلات بديلة.