في أحد أيام كانون الثاني/يناير الماضية، وكان الجو بارداً لكن السماء صافية، قمت بزيارة تحمل طابع الحج. كانت وجهتي كنيسة كاثوليكية، وهو مكان غير متوقع لعرض أعمال واحدة من أكثر الفنانات النسويات كسراً للتقاليد في القرن الماضي، بكل معنى الكلمة. إنها بازيليكا بوستلينغبيرغ، التي تلمع فوق التل الحاد الذي يحمل الاسم نفسه، وتطل على مشهد واسع لنهر الدانوب وهو يمر عبر لينتس، المدينة التي قضت فيها فالي إكسبورت سنوات تكوينها؛ وُلدت هناك باسم فالتراود ليهنر في النمسا زمن الحكم النازي.
قادتني إلى القمة، ولست أنكر أنني لم أصعد على قدميّ، داغمار شينك، المديرة التنفيذية لمركز فالي إكسبورت، الذي أُسس في مسقط رأس الفنانة عام 2017، بعد خمسة عقود من تغيير إكسبورت اسمها في رفض حادّ لأسماء الآباء ولكل ما مثلته تلك الأسماء في محيطها ما بعد الحرب. وبعد أن بلغنا المبنى المشيّد على طراز الباروك المتأخر، المكتظ من الداخل بالزخارف الذهبية المتموجة واللوحات الجدارية التي تخدع العين، أقنع مرشدي الجسور أحد موظفي الكنيسة بأن يعيرنا مفتاحاً لسلّم يقود إلى الأعلى. وهناك، استقبلتنا صدمة فضية ومنحنيات واضحة رشيقة لأنابيب أرغن صممته إكسبورت وثُبّت في المكان عام 2022. وعلى واجهة الآلة المتموجة، كُتبت بأحرف مفرغة تضيئها أضواء ملونة عبارة بدأت تظهر في أعمالها منذ السبعينيات: «من يفهم فله أجنحة». هكذا تطلق الآلة هذه الجملة، مثل وتر نافذ، باتجاه المذبح في الطرف الآخر من الكنيسة.
بعد بضعة أشهر من هذه الزيارة، فقد العالم إكسبورت. جاءت وفاتها في وقت تتصاعد فيه الأحزان المتراكمة، خصوصاً لمن يعنيهم المشروع النسوي الذي خرج منه عملها. وإذا قورنت بتلك الفترة، قد تبدو الموجة الثانية من الحركة النسوية، أو بالأحرى قد تُصوَّر في الذاكرة، لحظة إمكانيات لا حدود لها ووحدة سياسية.
في أحد النعوت البارزة على الإنترنت بعد رحيلها، أُدرج فيديو لعمل «تاب آند تاتش سينما»، الذي قُدّم أول مرة عام 1968، وصار لاحقاً رمزاً مختصراً لعمل إكسبورت وللفن الأدائي النسوي عموماً. يُظهر الفيديو مارّة في الشارع وهم يمدون أيديهم داخل صندوق صغير صُمم على هيئة قاعة سينما مصغّرة، كانت الفنانة ترتديه حول صدرها، كي يلمسوا ثدييها. بثّ المذيع العام النمساوي اللقطات الباقية في الأصل. وقبل أن يمد رجل يده داخل «السينما» المحيطة بأعلى جسد إكسبورت، هناك قطع سريع إلى مشهد من جزء آخر من البرنامج، وقد يفوتك هذا المشهد إذا رمشت. في ذلك المقطع، تجري إكسبورت نحو الكاميرا بينما تنسحب الكاميرا إلى الخلف، وهي تندفع إلى الأمام وتهتف بقائمة تدوخ منها الأذهان: «…أفلام موسّعة… أشياء سينمائية… أفعال تواصل… برامج متعددة الوسائط…».
هذه الهتافات المتلاحقة وهي تجري، والمختبئة في وضح النهار داخل عملها الأشهر، تكشف عن التجريب العاجل والمرح الذي قاد ممارستها، إذ امتد عملها إلى الأداء، والتصوير الفوتوغرافي المفاهيمي، والفيديو التلفزيوني، والمنشورات، والمشاريع التنسيقية، وثلاثة أفلام روائية طويلة. يمكن أن ينقطع نفسك وأنت تحاول مواكبتها.
لكن ماذا كان المشاركون، ولم يكونوا رجالاً فقط، يختبرون في مواجهتهم جسد إكسبورت في هذا الأداء؟ الإجابات الجاهزة، نقد التلصص السينمائي الذكوري وتأكيد سلطة المرأة على جسدها، إجابات مهمة، لكنها غالباً تأتي بسرعة كبيرة. هذه الثقة الجامدة في فهمنا لرهانات نسوية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لا تهدد فقط بتحنيط صيغ التساؤل المفتوحة في تلك الفترة، بل قد تغذي أيضاً، في طريق ذلك، تحولنا الحالي نحو الفاشية. فرغم إصرار عمل إكسبورت على الجسد المحدد جنسانياً، فإنه يرفض الإجابات السهلة عن السؤال الخبيث الذي يحمل نزعة معادية للمتحولين جنسياً: «ما المرأة؟».
في العبارة البارزة على الأرغن الذي صممته من أجل لينتس، يحمل الفعل الألماني الذي يعني «يفهم» إحساس «الإمساك» بالشيء، تماماً مثلما تفعل اليد. فالفهم هنا، إن صح التعبير، فعل جسدي عميق. لكن في صياغة إكسبورت، ترتخي أصابع الرئيسيات وإبهاماتها، وتتحول إلى أجنحة مكسوة بالريش. أما إرثها، وهو أكثر الكلمات تحجراً، فيقيم تحديداً في الطرق التي يزعزع فيها فنها ما نظن أننا نفهمه عن المشاهد التاريخية والسياسية والإعلامية المتداخلة التي تدخّل فيها. أتخيلها في منطقة غير مرسومة على الخريطة، تواصل الركض بلهاث، حتى تصل في النهاية إلى الطيران.