في استطلاعٍ أُجري في بازل أنجيليكا ميسيتي تسأل: كيف نعيد ضبط ذواتنا؟

في ليلة شتوية قبل بضع سنوات، انضممت إلى مجموعة متفاوتة العدد تقارب 35 شخصًا في ساحة مسيَّجة كانت جزءًا من مصنع مستحضرات تجميل متروك في أوبرفيلييه، ضاحية صغيرة شمال باريس. استحوذ الفنانون على المكان المهجور، بينما بدت أحياء السكن منخفض الدخل كخط أفق مضاء في المسافة.

دَعَت الفنانة المولودة في سيدني والمقيمة في باريس، أنجيليكا ميستي، أناسًا من أجيال وخلفيات مختلفة للمشاركة في أداء مسجَّل عند منتصف الليل. زُوِّدنا بزِينة للرؤوس وعباءات طويلة وأعمدة مصنوعة من نباتات وزهور مجففة. لم نكُن نعرف تفاصيل المشروع، لكن كان لدينا إحساس ضبابي بأننا مطلوبون لطقس كرنفالي يحتفي بقرب نهاية الشتاء — ولم نكن مخطئين.

خلال أداء استمر أكثر من ثلاث ساعات، التزمت ميستي مسافةً نصف مخفية خلف كاميرا كبيرة، فيما بدأت مجموعة صغيرة من النساء بالغناء بأصواتٍ هامسة وممزوجة بدت في آن واحد قديمة ومستقبلية. بتوجيه من نغماتهن النابضة التي تصاعدت إلى هتافات أقوى، تجمعنا في قافلة بطيئة التحرك وتقدمنا بتثاقل مع احتداد البرد. دون قصد، صار إلينا السير متزامنًا مع ترديداتهن؛ رقصة تمشي بطيئة تشكّلت تدريجيًا. في النهاية تحولت القافلة إلى حلقة حول نار مخيم، وانتهى الليل بألعاب نارية انطلقت من حمار من ورق المعجون.

استلهم الأداء جزئيًا من مواكب قديسي الرعاة الإيطالية التي تعود جذورها إلى طفولة ميستي مع عائلتها الكالابرية المهاجرة في سيدني، وهو ما ترسخ كفصل من عملها السينمائي The Rites of When (2024)، الذي وصفتْه لي مؤخرًا بأنه مغامرة «شبه خيالية علمية، طوباوية وتخيلية» عن عالمنا المنفصل عن إيقاعاته. عنوان العمل يلوح إلى باليه سترَاوينسكي Rite of Spring ويستدعي أيضًا كلمة «everywhen» الأبورِيجينية التي تعبِّر عن مفهوم الزمن غير الخطي. يُعرض The Rites of When الآن باعتباره محور معرضها الفردي الحالي «Reverb» في متحف تينغويلي في بازل، سويسرا ( وحتى 30 أغسطس).

يقرأ  بيكتوبلازما برلين ٢٠٢٦ — انفجار إبداعياصنع — ألهم — مجتمع — فن — تصميم — موسيقى — سينما — تصوير — مشاريع

في زيارتي الأخيرة إلى بازل تمكنت أخيرًا من مشاهدة الفيلم بالصيغته النهائية: تركيبٌ مكوَّن من سبع قنوات—تيمُّنًا بسبع نجوم مرئية في طوق الثريا—وتم تركيبه في غرفة صُممت لتعكس قرص السماء نبرة النيبرا الذي يعود إلى نحو 3,600 سنة والمُعتقد أنه كان يعمل كتقويم زراعي. ومع إدراك الصِلات السماوية لمحاذاة الانقلاب، راودتني ذكريات الطقس الطقسي الذي أديناه في تلك الليلة المقمرة داخل المدينة، والإحساس بازدياد انفتاحي على أي سحر غريب قد ينشأ من حجّتنا المشتركة. وبينما كانت لوحات الرقص في الفيلم تتوالى حتى انفجارها في ذروة نشوية مطهرة للوجدان، عاد إليّ ذلك الإحساس المفعم بالأمل بما يمكن أن يخبئه المستقبل.

عبر أروقة المتحف، وبجانب تماثيل تينغيلي الميكانيكية المتحركة، تعرض ميستي، التي مثّلت أستراليا في بينالي البندقية 2019، أربعة أعمال متعددة القنوات منذ 2012. في مختلف مشروعاتها تبحث عن طرق غير مألوفة للتواصل—طبيعية كانت أم مؤدية—دون الاعتماد على الكلمات المنطوقة. تنتقل مواضيعها من همهمة الأشجار التي تبدو كحوار عبر فطريات تحت الأرض، إلى النداء الطيفي الذي تطلقه الأزهار للنحل وهو غير مرئي للبشر. استكشفت لغات الصفير وأنماط الكلام بالإشارة، ثم أعادت سياقها بصياغات جديدة. مثال ذلك The Colour of Saying (2015) حيث يظهر كورال يغني ويشير في الوقت نفسه، وعلى نحو مغاير، راقصات باليه مسنات يعبّرن بصمت بحركات اليدين والذراعين عن باس دو دو من بحيرة البجع. وفي Relay League (2017)، المعروض في بازل، نختبر تفسيرات موسيقية وإشارية وراقصة لرسالة مورس الأخيرة التي أرسلتها البحرية الفرنسية عام 1997.

في أعمال مثل هذه، تبدو ميستي وهي تتساءل كيف نمتد عبر المكان والصمت لنتحدث إلى بعضنا، مُذكرةً إيانا بسبب وجوب هذا النوع من التواصل—بل وكونه ضروريًا. «نحن مَنْفلتون من النغمة، فكيف نعيد ضبط أوتارنا؟ هل هذا ممكن أساسًا؟» تسأل في نص كتالوجي عن The Rites of When.

يقرأ  فكّ شيفرة لغة معارض الفنبطاقة بنغو معرض الآرموري

بطريقتها الوثائقية المتطورة إلى شكلٍ أكثر تجريبًا وتخييليًا وموسيقيًا، يمثل The Rites of When امتدادًا لمسار ميستي: إعادة تأطير لمواد موجودة تكتشفها، مع بَصيرة مركزة على أزمة المناخ الحالية، وتساؤل محدد عمّا إذا كان من الممكن اختراع طقوس علمانية جديدة وشاملة تقرّبنا من البيئة ودوراتها الطبيعية.

تتناوب في الفيلم مشاهد مصمَّمة رقميًا وإيقاعية ذات حبكات مسرحية مع لقطات جوية لـ«طبيعة غير طبيعية»—صفوف أشجار موحّدة تُزرع كمحاصيل أحادية تحرم التنوع البيولوجي وتستنزف الموارد. وفي مشهد آخر، تحترق مساحات شاسعة من حقول القمح الجافة والذهبية أثناء حصاد صناعي، وهي نارٌ كانت عفوية وغير مخططة بالمرة.

«هذا هو الزمن الذي نعيشه الآن. واحد من تطرفات الطقس؛ مزيد من الحرائق، مزيد من الأمطار، مزيد من الفيضانات»، قالت ميستي خلال جولة تعريفية في المعرض البازيلي.

تستند المشاهد الإبداعية في The Rites of When إلى تدريب ميستي في الباليه الكلاسيكي وولع طفولتها بأفلام الموسيقى الغنائية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي مثل The Red Shoes وAn American in Paris وDaddy Long Legs. «الرقص هو نقطة الوصل بين كثير من جوانب حياتي»، هكذا عبّرت.

بعد أن تخلت عن بعض عناصر تدريبها الكلاسيكي أثناء دراستها في مركز لابان للرقص في لندن، التحقت ميستي بكلية الفنون بجامعة سيدني (COFA)، حيث اكتشفت فن الأداء وانضمت سريعًا إلى جماعة نسوية اسمها Kingpins. كانت عروضهن الحية في مشهد الدراج بسيدني تسخر من الذكورة المُبالغ فيها، ثم امتدت إلى فضاءات فنية تديرها الفنانات بأعمال تركيبية وفيديو؛ وانتهى تعاونهن تقريبًا حين انتقلت ميستي إلى باريس في 2009.

«أردت أن أفعل أشياء أخرى بلغتي الخاصة، وبدأت أشق صوتي الخاص»، قالت عن تلك الفترة. لكن مرَّت سنوات قبل أن تشعر بأنها جاهزة للانفصال عن فعل التوثيق والعمل بالتصميم الحركي والرقص والمقاطع الموسيقية لإنتاج فيلم مثل The Rites of When يُعبر عن أفكارها. «أعتقد أنني كنت أحاول دومًا صنع مُوسيقيـة. وما زلت أحاول صنعها»، هكذا ختمت بملاحظة ذات طابع مُلحّ.

يقرأ  موسوعة المخلوقات المجهولة في رسومات أليكس بوسوي الخيالية— تصميم تثق به · تصميم يومي منذ 2007

في الوقت الراهن، تتابع ميستي مشاريع أخرى، من ضمنها تأملاتها في تأثيرات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة على طريقة معالجتنا للصور التي لم تعد تُفهم بوضوح كحقيقة أو كذِب، بل تأتي إلينا في آنٍ واحد من واقعات متعددة. «الخطية تبدو ما قبل الإنترنت»، قالت. «أشعر أننا، كفنانين، بحاجة للنظر أو البناء في أماكنٍ أخرى، أو إعادة التفكير فيما نفعله بالصور.»

أضف تعليق