يقع مركز “دي بيلوكي” الموسيقي في مدينة غنت، ويُعد واحدًا من أقدم المباني في أوروبا التي تعمل اليوم كقاعة للحفلات الموسيقية الكلاسيكية والمعاصرة. يجاور المركز ساحةً مفتوحة جميلة، ويقع قريبًا من نهر “لاي”، ويستقبل الموسيقيين من مختلف أنحاء العالم منذ عام 2000. وكان هذا المبنى في حياة سابقة مستشفى من العصور الوسطى، تأسس في أوائل القرن الثالث عشر، وكانت تديره راهبات من نظام السيسترسي. أنصحك حقًا بأن تبحث عنه على خرائط جوجل وتتصفح صور الشوارع حول المكان، لأنه ببساطة مبنى خلاب.
حقق المركز نجاحًا كبيرًا في دوره الجديد نسبيًا، لكن قبل موسم 2026/27، تواصل مع مارينا ويلر وفريقها في استوديو “بينتاغرام” بلندن لإعادة تصميم هويته البصرية. كان المطلوب هو إنشاء هوية “رقمية أولًا” تساعد على جذب عشاق موسيقى جدد، دون أن تنفّر الجمهور القديم الوفي. كما أراد المركز أن تعكس هويته قاعاته المتعددة بوصفها مساحات حيّة تتنفس، وأن يظهر بمظهر أكثر انفتاحًا وتنوعًا، ونشطًا في المشهد الثقافي الدولي.
النتيجة كانت نظامًا مرنًا وقابلاً للتكيف، يمكنه التوسع مع البرنامج الموسيقي المتغير باستمرار. وتوصف الهوية بأنها “هوية حيّة” مرتبطة بالصوت، مبنية على فكرة أن ليلتين في “دي بيلوكي” لا تتشابهان أبدًا. ويؤكد الشعار الجديد هذه الفكرة: “أحياء في كل لحظة. الماضي والحاضر والمستقبل”.
ما معنى أن تكون الهوية “حيّة”؟ استلهمت مارينا وفريقها أعمال الملحن الأمريكي جون كيج وأساليبه غير التقليدية في الموسيقى. ومن بين التجارب التي ألهمتهم استخدام جهاز “الأوسيلوسكوب”، وهو أداة تناظرية تعرض الإشارات الصوتية بصريًا. وعند النظر إلى الخطوط المنحنية والدوامات في الهوية الجديدة، يتبادر إلى ذهني مباشرةً شكل مفتاح “صول” على ورقة موسيقية.
أما اللغة المستخدمة في الخطاب الرسمي فتوصف بأنها شاعرية وبديهية، لكنها “واضحة عندما تحتاج إلى ذلك”، على حد تعبير بينتاغرام. ويظهر هذا جليًا سواء قدّمت القاعة نفسها كمضيفة أنيقة، أو بوصفها القيّمة المدروسة على البرنامج الموسيقي بأكمله.
وعلى النقيض من الشعار، تأتي الخطوط عصرية وأنيقة وواثقة، إذ توفر نماذج الحروف من خط “فورما دي جيه آر” توازنًا للطابع التعبيري العام للهوية. والألوان مريحة للنظر أيضًا، فهي تميل إلى درجات وردية وخضراء مزركشة وأرجوانية وزرقاء ناضجة. استوحى بينتاغرام هذه الألوان من المساحات الداخلية المختلفة للمبنى، فالتقطها من الأسقف المقوسة، والجدران الحجرية، والمساحات الواسعة للمسرح، وحتى الستائر الطويلة.
لكن هذه ليست سوى الهوية الأساسية. كان على بينتاغرام أيضًا تطوير طابع خاص لكل برنامج موسيقي. فهناك برنامج “دي بيلوكي جاز” بتصاميم مستوحاة من الطبيعة الارتجالية والفوضوية أحيانًا لهذا النوع الموسيقي. أما برنامج “دي بيلوكي للموسيقى الجديدة” فيركّز أكثر على طابع المفاجأة، أي “دفع شكل أصلي إلى خطوة إضافية”، مهما كان معنى ذلك. وعند النظر إلى التصميم، تتضح الفكرة.
أما برنامج العائلة فله مظهر أكثر مرحًا. وهناك ثلاثة أنماط جديدة تمثل كل نوع موسيقي، إلى جانب أداة توليدية يمكن لـ”دي بيلوكي” استخدامها لإعادة تفسير ما تشاء. النتيجة هي سلسلة من الأشكال المتغيرة باستمرار، سهلة التكييف مع الحركة، وجاهزة للاستخدام بأي صيغة، ومنحت المركز تحكمًا كاملاً في نظام هويته الجديدة.
بهذا الشكل، أعادت “دي بيلوكي” تجديد هويتها بطريقة تحتفي بتاريخها العريق وباتساع برنامجها الموسيقي في الوقت نفسه. تبدو الهوية حيّة ومتجاوبة، لا ثابتة وساكنة. وهي قادرة على أن تكون حميمية وعظيمة في آن واحد. ولكن الأهم من ذلك كله، أنها تمنح المكان صوتًا مميزًا يناسب كل موسيقي أو حفلة سيستضيفها في المستقبل. وهذا بحد ذاته يستحق التصفيق.