في فينيسيا، فرجينيا كومنولث للفنون تعيد تعريف طريقة تدريس الفنون والتكنولوجيا

في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، أطلق الدكتور مايكل راو، رئيس جامعة فرجينيا كومنولث، تصريحاً جريئاً: حان الوقت لتجاوز النموذج التعليمي الذي وضعته جامعة أكسفورد في العصور الوسطى. جاء ذلك خلال افتتاح معرض «أغرب إدراك»، وهو معرض جانبي رسمي ضمن بينالي البندقية، تعرضه كلية فنون جامعة فرجينيا كومنولث في قصر كافانيس في البندقية.

والحقيقة أن «أغرب إدراك» معرض نادر لجامعة، وهو بمثابة إثبات فكرة لطريقة جديدة في تدريس الفنون.

برنامج الكلية متعدد التخصصات، وقد نظّمت أعماله من خلال مختبرات إبداعية لا تدمج فقط الممارسات الفنية مثل الفنون الجرافيكية وتصميم المنسوجات والهندسة السمعية البصرية والطباعة والرسم التوضيحي، بل تدمج أيضاً تخصصات مثل الأنثروبولوجيا وعلوم الحاسوب والهندسة. وقد نتج عن ذلك مختبرات مثل «سونيك جيل» المتخصص في الثقافات الصوتية، و«أنثرو-تيك أتولييه» الذي يجمع الأنثروبولوجيا بالتصميم، و«إكس لاب» الذي يصمم خطوطاً وشاشات إلكترونية مخصصة للكتابة العربية. إنه هيكل غير تقليدي، لكنه طُوّر ليلائم حجم الكلية التي تستقبل نحو 350 طالباً فقط كل عام. فالسماح للأساتذة بتصميم مختبرات متعددة التخصصات يتيح لطلاب قادمين من خلفيات مختلفة أن يجدوا أرضية مشتركة، كما يتيح لهؤلاء الأساتذة تطوير ممارساتهم الإبداعية والعلمية.

ما كانت هذه السعة وهذا الانفتاح ممكنين لولا الموارد الضخمة التي تُمنح لمؤسسات التعليم العالي في الدوحة، وهو ما يتناقض بشكل لافت مع الوضع في الولايات المتحدة، حيث تخسر الجامعات التمويل الفيدرالي في ظل إدارة ترامب.

يقول أمير بيربيتش، عميد كلية فنون جامعة فرجينيا كومنولث في قطر: «نحن محظوظون جداً لأننا نعيش في دولة تستثمر كثيراً في الثقافة والفنون والتعليم. ونعرف أن هذا ليس الحال في كل مكان، ولذلك أردنا أن نكون مدركين تماماً لكيفية استخدام هذه الموارد».

يقرأ  متحف فيلادلفيا للفنون يعيد تسمية علامته إلى «متحف فنون فيلادلفيا»

وأوضح بيربيتش أنه في بلد يتطور بهذه السرعة، وسط تغيّرات تكنولوجية متسارعة، بدا المختبر هو الطريقة الأنسب لإبقاء أعضاء هيئة التدريس مرنين تجاه الظروف المتغيرة التي يعمل فيها طلابهم. وكان الهدف إنشاء مختبرات أفقية البنية، أي أنها لا تُنشأ بقرار من القيادة، بل من قبل الأساتذة أنفسهم، وتضم بالإضافة إلى المعلمين والطلاب خريجين أيضاً. وقد أدى ذلك إلى ظهور مختبرات ذات طابع خاص تجذب أساتذة تميل مساراتهم المهنية إلى تجاوز حدود التخصصات التقليدية.

ومن بين الأعمال المعروضة في «أغرب إدراك» مشاريع طوّرها أساتذة داخل مختبراتهم. في إحدى قاعات قصر كافانيس، تُفرش سجادة وتُخفت الأضواء وتتحول إلى اللون الوردي. وفي الوسط جهاز تركيب صوتي وحداتي، تحيط به مقاعد صغيرة وسماعات رأس. إنها غرفة استماع مخصصة لتركيب «سونيك فيلدز» (2026)، الذي ابتكره مايكل هيرسرود وسيمون موسكولينو، مؤسسا مختبر «سونيك جيل». التسجيلات الميدانية، التي التُقطت في معظمها من أماكن عامة في الدوحة، من تحضير طعام الشارع إلى تغريد الطيور، تمثل ذاكرة صوتية لمكان يتغير بسرعة.

يقول موسكولينو: «أشعر بامتياز كبير لأنني أعمل كفنان أثناء قيامي بالبحث، رغم أنني لم أعمل يوماً واحداً في حياتي كمهندس معماري». مثل كثير من زملائه في الكلية، اختار موسكولينو مساراً مهنياً لا يعترف بالتصنيفات الجامدة، متنقلاً بين السينما التجريبية وإنتاج الفيديو لمكاتب معمارية، وبين العزف في فرقة موسيقية على الجانب الآخر. وبينما يميل معظم الأساتذة إلى الشكوى من استحالة تطوير أعمالهم الشخصية إلى جانب مسؤولياتهم التدريسية، يبدو أن نظام المختبرات، الذي كان محصوراً في العادة داخل بعض التخصصات العلمية، يمنح هؤلاء المدرسين فرصة لتطوير ممارساتهم وهم يدرّسون. بعض تسجيلات «سونيك فيلدز» جاءت من طلاب التحقوا بمساق «استكشاف الصوت»، الذي كان يُقدَّم من باب المفارقة ضمن برنامج التصميم الجرافيكي. وقد تحول المختبر أيضاً إلى شركة تسجيلات، حيث يقوم موسيقيون محليون كثيرون منهم هواة بإنتاج أعمال موسيقية عبر تعاونهم مع المختبر.

يقرأ  سوذبيز في لندن: مزاد مسائي ربيعي يحقق ١٧٥ مليون دولاربيع كامل بأسلوب «قفازات بيضاء»

لم يكن العمل الفني الصوتي هو الوحيد الذي تناول موضوع الذاكرة والهوية. فبالنسبة لدولة لا يتجاوز عمرها 55 عاماً، يواجه بناء الهوية الوطنية عائقاً يتمثل في النمو السريع جداً. من الهجرات البدوية إلى ثقافة المهووسين بالتقنية، تسعى كثير من الأعمال إلى توثيق العلاقات المتغيرة مع المكان والمجتمع، ليس فقط في الدوحة بل في منطقة الخليج بأكملها.

وكما قالت الدكتورة ديان دير، العميد المشارك في الكلية: «قطر في حالة تشكّل مستمرة منذ فترة طويلة، ونحن جميعاً في عملية تفكيك للماضي والحاضر والمستقبل». ويبدو أن هذه المختبرات وسيلة من وسائل القيام بذلك.

أضف تعليق