وفاة تاجر أعمال وارهول وباسكيات عن عمرٍ يناهز 86 عاماً

أعلن عن وفاة تاجر الفن الأسطوري برونو بيشوفبرغر عن عمر يناهز السادسة والثمانين، وقد نعت صالة العرض التي كان يقودها والمتمركزة في زوريخ خبر رحيله. كان بيشوفبرغر أقرب إلى الفنانين الذين مثلهم من مجرد وسيط تجاري؛ فقد تحول إلى شريك إبداعي ساهم فعلياً في صياغة مسارات فنية مهمة وتشكيل صفحات من تاريخ الفن المعاصر.

من خلال معرضه الذي افتتحه عام 1963، لعب دور الوسيط الرئيسي الذي أدخل طيفاً من كبار نجوم الفن الأميركي إلى الجمهور الأوروبي، فارتقى المعرض إلى منزلة مرموقة ضمن المشهد الفني السويسري والعالمي، وبات اسماً مألوفاً ليس في سوق الفن فحسب بل أيضاً في صحافة الفن الدولية. وكان للمعرض طقوسه المميزة، من أشهرها إعلان الغلاف الخلفي الذي كان يشتريه في كل عدد من مجلة Artforum منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي — تقليد علّق عليه النقّاد كدليل على “الذوق السويسري القارّ في اتساقه” حسب ما لاحظت Artnet في 2015، السنة التي غيّر فيها المعرض مقرّه من سانت موريتز وكشف عن خطط لإنشاء مجمّع في زيورخ.

بخلاف الدعاية، امتدت مساهمات بيشوفبرغر إلى التأثير المباشر على تطور الممارسات الفنية، فقد أقام علاقات شخصية وثيقة مع فنانين أمثال فرانشيسكو كليمنتي، جوليان شنابل، وآندي وارهول، بل وأثّر في مسارات عملهم أحياناً إلى حد التبدّل. وقد كانت علاقة بيشوفبرغر بوارهول أكثرها ثماراً؛ إذ كتب الأخير في 2001 أنه شارك وارهول كمسوّق وكمقتنٍ وصديق على مدى جزء كبير من حياته. تعرّف الاثنان في نيويورك عام 1966، وبعد عرض أعمال وارهول في معرضه اقترح بيشوفبرغر شراء لوحات مبكرة للفنان عام 1968، فاختار 11 من أصل 20 عملاً عُرضت له بثمن وصفه التاجر بأنه «عالي» — لكنه ثمّن الصفقة لكونها أتاحت له حقّ الرفض الأوّل على أعمال وارهول، وهو شرط ظلّ سارياً حتى وفاة الفنان عام 1987.

يقرأ  خمس نقاط رئيسية في خطاب ترامب عن حالة الأمة — أخبار دونالد ترامب

تجاوزت شراكتهما حدود السمسرة؛ إذ امتدّت إلى مشاريع إعلامية وسينمائية. استحوذ بيشوفبرغر عام 1969 على حصة قدرها 25٪ في مجلة Interview التي شارك وارهول في تأسيسها، وساهم سنة 1970 كمنتج في فيلم L’amour الذي أخرجه وارهول عن شباب خائبين يعيشون في باريس. ويُنسب إليه الفضل أيضاً في اقتراح فكرة تكليف وارهول بعمل بورتريهات شخصية لأفراد دائرته.

في ثمانينات القرن العشرين تورّط بيشوفبرغر في جمع فنانين من أجيال مختلفة، وكان اقتراحه عام 1984 لعمل مشترك بين وارهول وجان-ميشيل باسكيات تتويجاً لربط سابق بينهما منذ عام 1982. تلك السلسلة المشتركة أعادت وارهول إلى اللوحة بعد تحوّطه عنها في أوائل الستينيات، وأفضت إلى أعمال نُعت لاحقاً بالقيمة العالية: عرضت مجموعة من هذه الأعمال في معرض بمتنزه Fondation Louis Vuitton بباريس عام 2023، وبُيع أحدها في مزاد عام 2024 مقابل 19.4 مليون دولار.

تداخلت علاقتُه مع وارهول حتى في ما يتعلق بالعائلة؛ ففي 1982 كلف وارهول نفسه برسم لوحة صغيرة لابنة بيشوفبرغر، كورا، تضمّنت في رسمها فيلًا خطته الطفلة نفسها وهي في الثالثة من عمرها، ثم أسهمت لاحقاً بعناصر في أعمال باسكيات وكليمنتي.

ولد برونو بيشوفبرغر في زيورخ عام 1940، ووفق سيرة على موقع معارضه فقد بدأ مطالعاته في تاريخ الفن مع انشغاله المبكّر بعلم الإنسان والآثار خلال دراسته في جامعة زيورخ، حيث نما في داخله اهتمام بالفنون الشعبية. تزوج في عام 1971 من كريستين (المعروفة بـ«يويو») واستقرّ الزوجان في منزل صممه إيتّوريه سوتسّاس قرب زيورخ. أنجبا ثلاث بنات وابناً واحداً، وتكامَنت العائلة مع مشهد الفن؛ إذ صار وارهول عرّاب ابنهما ماغنوس، بينما تبنّى النحات جان تانغويلي (Tinguely) عرابة إحدى بناته، نينا، التي أصبحت لاحقاً مهندسة معمارية.

يقرأ  وفاة ناجٍ من غيتو وارسو شارك في مقاومة النازيين

خلال عقده الأول، قدّم معرضه برامج جريئة ضمّت عرض أعمال لفنانين أمثال وارهول، تانغويلي، غيرهارد ريختر، سول لوويت، دونالد جاد، أنتوني كارو، وبروس نومان — مرحلة عكسّت طابع فضّاء تجاري آنذاك الذي ارتكز غالباً على الفنانين الذكور. وفي ثمانينيات القرن الماضي استضاف المعرض أجيالاً أحدث شملت باسكيات، كليمنتي، شنابل، جورج كوندو، ديفيد سال، كيني شارف، وإنزو كوتشي.

لمدّة، كان معرض Galerie Bruno Bischofberger الممثل الرئيسي لباسكيات أثناء حياته؛ وجسّد هذا الدور إلى حدّ أن شخصية التاجر ظهرت في فيلم “باسكيات” (1996) للمخرج شنابل، حيث أدّاها دنيس هوبر.

على امتداد عقود جمع بيشوفبرغر مجموعة واسعة من قطع التصميم لأسماء تمتد من لو كوربوزييه إلى جان بروفيه. ولحلّ مشكلة التخزين والعرض اقتنى أجزاءً من مصنع سابق في زيورخ، وعلى ما أفادت مجلة W أصبح يمتلك بحلول 2005 كامل حرمّ المساحة التي تبلغ 250000 قدم مربعة. أوكل مهمة إعادة تصميم المكان إلى مكتب باير-بيشوفبرغر للهندسة، الذي تديره ابنته نينا وزوجها فلوريان باير، فتحوّل الحرمّ إلى مجمّع يضمّ صالة عرض؛ ودُشن في 2015 بمعرض للفنان ميكيل بارسيلو.

ختمت ابنته تعليقاً لصحيفة W قائلةً: «والدي مُقتنٍ مُهووس — لا يتوقف عن الرغبة بالمزيد، المزيد، المزيد.»

أضف تعليق