الدرس الآخر: العودة إلى العلم الشرعي

يمتد تأثير دار القاسم إلى خارج قاعاتها الدراسية، عبر علماء أصبحوا اليوم يدرّسون ويقودون مجتمعات في منطقة شيكاغو.

الإمام هارون أحمد، خريج الكلية، يعمل حالياً مديراً للشؤون الإسلامية في المؤسسة الإسلامية، حيث يشرف على مسجدها ومدرستها. يقول إن الأثر لا يُقاس بمدى الانتشار المؤسسي، بل بحياة الأفراد. فجزء كبير من تكوينه كعالم وإمام، كما يوضح، تشكّل واختُبر خلال سنواته في مسجد عثمان وأكاديمية عثمان، وهما مسجد ومدرسة إسلامية تخدم الضواحي الغربية لشيكاغو.

بعد صلاة الجمعة، يبقى أحمد في قاعة الصلاة في المؤسسة الإسلامية بينما يتوجه معظم المصلين نحو الأبواب. يبقى عدد قليل من الناس، صغاراً وكباراً، في المقدمة. بعضهم يجلس على السجادة ويسند ظهره إلى الجدار، وهاتفه موضوع بجانبه ووجهه إلى الأسفل. وآخرون يترددون على حافة التجمع قبل أن يتقدموا. وعندما تخلو القاعة ويسود الهدوء، فإن أصحاب الأسئلة الأكثر خصوصية ينتظرون حتى يغادر الجميع قبل أن يتحدثوا.

منذ أن بدأت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية على غزة في السابع من أكتوبر 2023، كانت الضغوط الخارجية، على حد تعبيره، حقيقية؛ وتمثلت في تدقيق متزايد، وتقلب عاطفي، وتوقعات قوية تتجاذبه من اتجاهات متعددة. لكن أكثر ما كان يقلق أحمد لم يكن ثباته هو، بل ما يحدث للشباب في مجتمعه. لقد كانوا يستوعبون في الوقت الفعلي روايات عن المعاناة والظلم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأروقة المدارس ونقاشات مائدة العشاء، وهم يحاولون في الوقت نفسه الإجابة عن أسئلة حول هويتهم.

كثيراً ما عادت الأحاديث إلى المواضيع نفسها: لماذا يوجد شر ومعاناة في العالم؟ ولماذا يتحمل المسلمون المشقة وهم يعتقدون أنهم على الطريق الصحيح؟ وهل أنا أمريكي أولاً أم مسلم؟ ويقول أحمد إن هذه الأحاديث أصبحت ملحّة بشكل خاص عندما كان كثير من الشباب يتصارعون ليس مع العقيدة فحسب، بل مع الانتماء والوضوح الأخلاقي.

يقرأ  الفضول والتفكير النقديلماذا أصبحا أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

لا يميل بطبعه إلى الإجابة فوراً. بل إن سنواته في دار القاسم، كما يقول، علّمته أن يهدئ من وتيرة الحديث، وأن يضع كل معضلة في سياق تراث فكري، وأن يشجع على التأمل بدلاً من ردود الفعل المتسرعة. يسمي ذلك “مناعة داخلية”. وهي ليست مناعة ضد العداء، بل مناعة ضد السماح للعداء بأن يحدد من تصبح. ويضيف: “الضعف الحقيقي الوحيد هو الجمود”.

حين يشرح أحمد مصدر هذه الغريزة، يتتبع سلسلة فكرية تمتد إلى قرون خلت. تبدأ عند شاه ولي الله الدهلوي، عالم دلهي في القرن الثامن عشر، الذي رأى أن الوحي والأخلاق والشريعة ومصلحة الإنسان لم تكن أبداً تخصصات منفصلة، بل أجزاء من كل أخلاقي واحد. وقد شكّلت أفكاره علماء مسلمين من نانوتوي إلى خولوديا. ويعتقد أحمد أنها ما زالت تشكل الطلاب الذين يملؤون فصول دار القاسم اليوم.

أما لطيف، فلا يزال يقضي أيامه حيث كان دائماً: بقرب أشخاص توشك حياتهم على الانتهاء. لم يصبح الموت أقل تعقيداً. فالعائلات ما زالت تتخبط في قرارات مستحيلة، والمرضى ما زالوا يبحثون عن أجوبة لا يستطيع الطب وحده أن يحسمها. الفرق، كما يقول، هو أن تلك الأسئلة لم تعد تتركه بلا مرساة.

يقول: “لا بد من وجود مصدر معرفة يتجاوز ما يمكن أن تنشئه القدرة البشرية، عقلانية متعالية تساعد في تشكيل عقلانيتنا”.

لسنوات، خشي لطيف أن يقضي حياته يتقن مجالاً معرفياً واحداً، بينما يبقى غريباً عن مجال آخر. هذا الخوف لم يختفِ تماماً، لكنه اليوم يجد له مكاناً.

في كل يوم سبت، يقطع الطريق بسيارته إلى ضواحي شيكاغو، لينضم إلى أطباء ومحامين ومعلمين وطلاب، وصلوا جميعاً يحملون نسخاً من القلق نفسه: الإحساس بأن التعليم الذي منحهم النجاح ترك تعليماً آخر لم يمسه. وهذه المرة، لا يقوم بالرحلة وحده.

يقرأ  قفزة يومية قياسية في تفشي الإيبولا بجمهورية الكونغو الديمقراطيةحصيلة الوفيات ترتفع إلى 178— أخبار الإيبولا

أضف تعليق