واشنطن — صوت الناخبون في فيرجينيا لصالح إعادة رسم خريطة الدوائر الانتخابية للولاية، في قرار قضى أحدث جولة من الصراعات المتعلقة بإعادة التقسيم داخل الولايات المتحدة. هذه الخطوة متوقَّع أن تمنح الديمقراطيين دفعًة في معركتهم لإستعادة السيطرة على مجلس النواب الذي يهيمن عليه الجمهوريون بهوامش ضيقة، قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
ما يجري في هذه الدورة الانتخابية يخرج عن الإطار الاعتيادي لإعادة التقسيم التي تُجرى كل عشر سنوات بعد تعداد السكان: شهد الموسم الانتخابي زحمة استثنائية من تحركات الولايات لإعادة رسم خرائط تشريعية في منتصف العقد، وقد انطلقت موجة مبكرة من الضغوط بعد تشجيع الرئيس السابق دونالد ترامب لزملائه الجمهوريين في تكساس للقيام بتحرُّك مماثل.
في الصيف التالي، صادق الحزب الجمهوري على خريطة جديدة في مجلس النواب بولاية تكساس منحت الحزب مكاسب تُقدَّر بخمس مقاعد إضافية. تبعتها تغييرات في ميزوري متوقعة أن تضيف مقعدًا واحدًا للجمهوريين، وتوقعات بمنح الحزب مقعدين إلى ثلاثة في نورث كارولاينا وأوهايو. ردَّ الديمقراطيون بدورهم في ولايات مثل كاليفورنيا ويوتا، ما أسفر عن نحو ست دوائر جديدة تميل لصالحهم، بينما إقرار فيرجينيا أعاد توازن الموازين بمحاولة إلغاء مكاسب الجمهوريين وإضافة ما بين مقعدين وأربعة للديمقراطيين.
خُبراء السياسة يحذرون من عواقب بعيدة المدى لهذه المناورات التي تهشِّم الأعراف، معتبرين أنها قد تغير قواعد متى وكيف تُرسم الخرائط الانتخابية لسنوات قادمة. رينا شاه، مستشارة سياسية واستراتيجية، اعتبرت أن خطوة فيرجينيا ليست مجرد إعادة خريطة بل «تحركات قوة في منتصف العقد في سباق تسلحي وطني»، وأنها تضع سابقة: عندما يكسر طرف القواعد يتبعه الطرف الآخر حتى تتدخل المحاكم أو يصحح الناخبون الوضع.
في الأجل القريب، يظهر أن الديمقراطيين يحققون نصرًا تكتيكياً. دونالد ترامب لم يخف رغبته في إعادة رسم الخرائط لصالح حزبه، وقال علناً إن «تكساس ستكون الأكبر» وأن التعديل البسيط سيكسبهم خمسة مقاعد. ومع ذلك فإن التوقعات العامة لصالح الجمهوريين مُعرَّضة للتآكل بفعل قضايا اقتصادية واجتماعية تؤثر على شعبية الحزب، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة والقلق من تمدد الصراع في الشرق الأوسط.
تأثير هذا التحوّل قد يكون حاسماً: سيطرة الديمقراطيين على إحدى غرفتي الكونغرس أو على كلتا الغرفتين قد تتيح لهم إبطال أو تقييد أجندة ترامب في سنتين ولايتِه الأخيرتين. مؤشِّر Sabato’s Crystal Ball صنَّف، حتى يوم الأربعاء، 217 دائرة تميل للديمقراطيين، و205 تميل للجمهوريين، و13 لا تزال متأرجحة.
من منظور حيادي مهني، يُحذِّر سامويل وانغ، أستاذ علم الأعصاب في برينستون ومدير مشروع رسم خرائط التلاعب الانتخابي، من أن هذا السيل «يفتح الباب لعصر جديد من التلاعب بالدوائر» (gerrymandering)، وهو إجراء رسم الحدود بما يخدم مجموعة سياسية على حساب المنافسين ويقوِّض المنافسة. قبل هذه الدورة، كانت حالات إعادة التقسيم في منتصف العقد نادرة خلال العقود الخمسة الماضية؛ أما الآن فاعتبر وانغ ما حدث «انتهاكًا للاعراف» ويقلل فرص التنافس الحقيقي ويقصي الناخبين من المعادلة.
نفى الديمقراطيون أنهم بادروا من منطلق رغبة في تمكين نفسها فقط، بل قالوا إنهم ردوا على تحركات الجمهوريين حتى لا يتركوا ميدان المعركة دون مواجهة. هكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، صرح بعد تصويت فيرجينيا بأنهم «ردُّوا بقوة» على ما اعتبروه هجمات منخفضة، بينما أعرب بعض الديمقراطيين عن قلقهم من أن السباق قد ينهك الديمقراطية نفسها، كما عبَّر جون فيترمان من بنسلفانيا بأن ديموقراطيتنا تضعف سواء كان الأمر في ولاية حمراء أو زرقاء.
الآن تنتقل الأنظار إلى فلوريدا، حيث من المُقرر أن يجتمع مجلس تشريعي خاص بقرار من الحاكم رون ديسانتيس لمناقشة إمكانية إعادة رسم الخرائط في 28 أبريل، وهي خطوة قد تضيف حتى خمس دوائر لهيمنة الجمهوريين إن أُقِرَّت. لكن دستورية النصوص المتعلقة بالإجراء قد تعرقل أي تغيير هناك. جيفريز هدّد بتعبئة الموارد لمهاجمة مقاعد الجمهوريين في حال إعادة الرسم، وتعهَّد بـ«حرب كبرى في كل مكان وعلى الدوام».
قضايا قانونية عدة قيد النظر؛ طعون على استفتاء فيرجينيا تُعرض أمام المحكمة العليا للولاية وربما تؤخر تطبيق الخريطة الجديدة. كما أن قضية معلقة أمام المحكمة العليا الأميركية، Louisiana v Callais، قد تفتح الباب أمام جولات جديدة من إعادة الرسم في الجنوب إذا حكم القضاة بشأن مطابقة إنشاء دوائر ذات أغلبية سوداء مع متطلبات قانون حقوق التصويت، الذي يهدف إلى ضمان تمثيل الأقليات في الولايات ذات سجلات تاريخية من السياسات الانتخابية العنصرية. أي قرار قد يبيح أو يقيد إعادة رسم خرائط استُخدمت فيها اعتبارات عرقية لتقليل تأثير أصوات الجماعات الأقلية.
في مواجهة هذه الفوضى، سعت بعض الولايات إلى حل طويل الأمد بإنشاء لجان مستقلة لإدارة إعادة الرسم لضمان عملية أكثر عدالة وغيرحزبية، لكن الغالبية العظمى لا تزال تعتمد على غرف التشريع، ما يمنح الحزب المسيطر نفوذًا واسعًا طالما لم تُرفع طعون قانونية ناجحة. ومع اشتداد الموجة الحالية، يرى وانغ، الذي يترشح الآن في التمهيدية الديمقراطية لمقعد الكونغرس عن الدائرة الثانية عشرة في نيوجيرسي، نافذة نادرة للإصلاح الفيدرالي، قد يتجسَّد بسن تشريع لإنشاء لجان مستقلة على مستوى الكونغرس.
هوامش الحساب السياسي تُشير إلى أن عودة إعادة التقسيم في منتصف العقد قد تحول اللعبة إلى «صفربمحصلتها» لكلا الطرفين، ما قد يدفع نحو تعاون عابر للأحزاب لإيجاد حلول تقلل من الانزلاق إلى سباق محموم من التحكُّم في الخرائط الانتخابية.