العراق أمام اختبار سيادته مع اقتراب انسحاب التحالف العسكري بقيادة أمريكا

أكّدت القوات المسلحة العراقية أن مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق ستنتهي بنهاية هذا الشهر.

وقال الفريق أول عبد الأمير الشمري، مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، في تصريح للوكالة العراقية للأنباء، إن 30 سبتمبر/أيلول هو الموعد المحدد لانتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق والانتقال إلى فصل جديد من العلاقات والتعاون.

وكان قاسم الأعرجي، مستشار الأمن الوطني لرئيس الوزراء العراقي علي الزايدي، قد أكد في وقت سابق أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة سينهي مهمته في البلاد خلال هذا الشهر.

وبموجب اتفاق عام 2024 بين بغداد وواشنطن، يشمل الانسحاب إزالة منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المتمركزة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق. وكانت هذه المنظومات ضرورية لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي كانت تستهدف المنطقة خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وقادت القوات الأمريكية غزو العراق عام 2003، وهو ما أدى إلى حرب أهلية دامية في البلاد، قُتل خلالها نحو 200 ألف مدني في أعمال العنف المرتبطة بالحرب. وبعد انسحابها من العراق عام 2011، عادت القوات الأمريكية عام 2015 ضمن تحالف دولي لقتال تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

وقال مكتب رئيس الوزراء إن “30 سبتمبر/أيلول سيكون الموعد المحدد والنهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي لهزيمة داعش في العراق واستكمال رحيل قواته”. وأضاف أن “1 أكتوبر/تشرين الأول سيكون يوماً جديداً في مسار الدولة العراقية، حيث سيكون العراق خالياً من أي وجود عسكري أجنبي… وهذه الخطوة تمثل شرطاً أساسياً للانتقال بالعراق إلى مرحلة جديدة من التنمية والازدهار”.

عقبات داخلية

يرى إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أن الانسحاب العسكري شكلي إلى حد كبير.

وقال العنبر للجزيرة: “أعتقد أن هذه المسألة شبه محسومة. في الأساس، لم يعد تركيز القوات الأمريكية في العراق في ثكنات عسكرية أو قواعد عراقية، بل أصبح متمركزاً في قاعدة حرير في أربيل. وفي النهاية، ستكون هذه المسألة رمزية في معظمها، خاصة أن الأمريكيين أنهوا وجودهم العسكري في كثير من المواقع التي كانوا يستخدمونها، حتى في معسكر النصر قرب مطار بغداد وغيرها، وقاعدة الدعم، وحتى في المنطقة الخضراء قرب السفارة الأمريكية”.

يقرأ  «نحن مستغلون» — خشية الكونغوليين من تفويت مكاسبهم مع إبرام الولايات المتحدة صفقات المعادنأخبار التعدين

ويقول محللون إن انسحاب القوات الأمريكية من العراق يأتي وسط تحديات داخلية رئيسية، من بينها إخضاع جميع الأسلحة لسيطرة الدولة.

وكان رئيس الوزراء الزايدي قد كرر هذا الأسبوع مهلة للجماعات المسلحة غير الحكومية لنزع سلاحها أو مواجهة تهم الإرهاب.

وأضاف العنبر: “الأمر مرتبط بالمصداقية والثقة. كان السيد الزايدي مصرا ورفع سقف التصعيد بعدم التراجع عن موعد 30 سبتمبر/أيلول لحصر السلاح بيد الدولة”. وتابع: “بدأنا الآن نتحدث عن ‘ضبط’ الأسلحة، لكن ما هي آلية هذا الضبط؟ لا أحد يتحدث عن تفاصيل هذه المسألة. ونلاحظ تصعيداً في خطاب أحزاب سياسية مثل كتائب السيد الشهداء وحركة النجباء وكتائب حزب الله”.

ويبقى السؤال عن كيفية تمكن الحكومة من إدارة الملف الأمني وحدها وسط هذه التحديات سؤالاً بارزاً، خاصة أن مناصب رئيسية في وزارتي الدفاع والداخلية ما تزال شاغرة.

تحول استراتيجي أمريكي

يعكس انسحاب القوات الأجنبية من العراق تحولاً استراتيجياً أوسع للولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، وليس انفصالاً كاملاً عن البلاد.

وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق مارلين هاردينغر إن واشنطن ستبقى منخرطة في القضايا الأمنية في العراق رغم الانسحاب الرسمي.

وأضاف هاردينغر للجزيرة: “أعتقد أن هذا الالتزام متوسط المدى قد انتهى، وسيكون هناك جهود متبقية تتعلق بمكافحة الإرهاب والاستخبارات، خاصة حول السفارة الأمريكية وكذلك القنصلية”. وتابع: “إدارة ترامب ستركز ربما أكثر على الجانب الاقتصادي والبعد التنموي، بحيث تكون العوائد والفوائد الاقتصادية في المدى القصير والمتوسط أفضل للعراقيين، ومن ثم يصبح موقف رئيس الوزراء العراقي أقوى”.

وسيكون لهذا الانسحاب جاذبية لدى بعض مؤيدي ترامب، خاصة في جناح “أمريكا أولاً” داخل الحزب الجمهوري. لكن هذا الانسحاب قد يثير قلق بعض حلفاء واشنطن في المنطقة، وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية المستمرة على إيران.

يقرأ  الولايات المتحدة أم أمريكا اللاتينية؟ فارشا غانديكوتا وسوزانا محمد في نقاش حول البيئة

وقال هاردينجر إن الفصائل المؤيدة لإسرائيل التي تريد مشاركة أميركية مباشرة في الشرق الأوسط قد تستاء من هذا الانسحاب، كما أنه قد يشكل خطراً على دول الخليج إذا ظهرت تنظيمات إرهابية. وأضاف أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن المنطقة أصبحت أقل استقراراً وأكثر اضطراباً مما كانت عليه عندما بدأت المفاوضات والنقاشات حول انسحاب القوات الأميركية.

فجوات أمنية إقليمية

قال حسن البراري، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية، إن انسحاب بطاريات باتريوت الأميركية قد يترك شمال العراق عرضة بشدة للتهديدات الخارجية. وأوضح أنه من غير المرجح أن تكون الدولة العراقية قادرة حالياً على الدفاع عن أجوائها ضد الصواريخ والمسيّرات الإيرانية إذا استهدفت إيران أربيل مثلاً، وهذا يثير سؤالاً في هذه المرحلة حول كيفية ملء هذه الفجوة الأمنية.

وتابع: “في حال واصلت إيران إرسال المسيّرات والصواريخ، فمن سيعترضها إذا انسحبت أنظمة باتريوت والصواريخ الاعتراضية الأميركية؟ ومن يستطيع وقف هذا التهديد الإيراني إذا لم يكن هناك تفاهم مباشر مع الحكومة في طهران؟”

وفي النهاية، يعتمد نجاح المرحلة الانتقالية كلياً على قدرة بغداد على إدارة القضايا الأمنية الداخلية. وأشار البراري إلى أن قدرة الحكومة العراقية على الحفاظ على سيادة العراق أو استعادتها بالكامل ليست مرتبطة فقط بانسحاب القوات الأميركية، بل أيضاً بقدرة الزيدي على حصر السلاح بيد الدولة.

وقال: “في رأيي، الأمور تتجه نحو المجهول. وإذا لم ينجح الزيدي في ذلك، فقد يقع العراق بالكامل تحت النفوذ الإيراني المطلق، ما يخلق فراغاً أمنياً خطيراً، وهو السيناريو الذي تحذّر منه واشنطن وتحاول تجنبه.”

أضف تعليق