الكونغرس الجديد أمام اختبار صعب في دفع أجندة تقدمية | انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026

مع استقرار غبار انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026، أصبحت حقيقتان واضحتين: الأولى أن الديمقراطيين حققوا فوزا تاريخيا، والثانية أن دونالد ترامب يبقى رئيسا للعامين المقبلين.

وهذا يعني أن ديمقراطيي الكونغرس ستكون أمامهم ثلاثة مسارات تشريعية. المسار الأول هو تقييد ترامب، بما يشمل فعل ما يستطيعون عبر الكونغرس لإنهاء الحرب مع إيران، وإعاقة كثير من ترشيحاته خصوصا في القضاء، ووقف احتجازات إدارة الهجرة القاسية للمهاجرين، ومتابعة الشبكات المالية لترامب وحلفائه ومزاعم الفساد المرتبطة بهم.

أما المسار الثاني فيتعلق بعرض أجندة سياسية إيجابية تمهيدا لدورة 2028، حين لن يكون ترامب على ورقة الاقتراع. وهذا أقرب إلى مشاريع قوانين ذات طابع رسائلي تركز على قضايا اجتماعية، لكنه قد يشمل أيضا إجراءات اقتصادية مثل مقترحات إصلاح الضرائب، وإصلاحات مهمة في صلاحيات التعاون الدفاعي العالمي للولايات المتحدة، وتحولات في قضايا خارجية كبرى مثل المساعدة لإسرائيل.

المسار الأخير هو مجموعة القضايا، الضيقة ربما، التي يمكن فيها التعاون بين الحزبين ومع البيت الأبيض. وقد يندرج وضع ضوابط لقطاع الذكاء الاصطناعي المتنامي في أمريكا ضمن هذا الإطار، رغم أن بعض أكبر ممولي ترامب سيفعلون على الأرجح ما يستطيعون لتعطيل أي تقدم.

كثير من مشاريع القوانين التي ستطرح في المسارين الأول والثاني سيكون عرضة للنقض الرئاسي. وكثير منها سيخفف، لأن المؤسسة الديمقراطية تسعى إلى مقاومة أجندة اليسار التقدمي الطموحة. ومن المرجح أن تجعل هذه الديناميكيات الكونغرس المقبل أقل إنتاجية.

وفي السياسة الخارجية على وجه الخصوص، يستطيع الكونغرس تمرير عدد محدود من القوانين دون تأييد رئاسي، مثل تشريعات سلطات الحرب التي تحد من قدرة الرئيس على شن الحرب دون موافقة الكونغرس، أو إجراءات مثل قرار مجلس الشيوخ الأخير الذي قدمه الديمقراطي كريس فان هولين ويطالب بتقارير عن سجل إسرائيل في حقوق الإنسان، أو استدعاءات اللجان التي يمكن استخدامها للتحقيق في مخالفات أعضاء إدارة ترامب. لكن البيت الأبيض سيتجاهلها أو يعيقها على الأرجح، ما قد يفضي إلى أشهر، إن لم يكن سنوات، من التقاضي العقيم.

يقرأ  «مشروع القانون الكبير الجميل»: ماذا يعني للطلاب والمدارس والكليات؟

ولا يعني ذلك أن تقديم مشاريع قوانين مستقلة حول قضايا مثل نقل الأسلحة إلى إسرائيل سيكون غير مهم حتى لو عطله الرئيس. فهي تبقى مفيدة لتأطير النقاش ولتسجيل مواقف أعضاء الكونغرس وبناء مواقف توافقية.

وفي مجلس الشيوخ، حيث من المرجح أن يدفع بعض شاغلي المناصب الحالية بأسمائهم إلى سباق الترشح الرئاسي المقبل، يمكن استخدام هذه المشاريع لإبراز المؤهلات التقدمية لبعض المرشحين، أو لإحراج أعضاء أكثر محافظة. وقد يحدث ذلك فرقا في تأطير انتخابات 2028 ونقاشها، وفي إدارة ديمقراطية محتملة بعدها، لكنه لن يغير شيئا في المدى الفوري.

وهناك ثلاثة أدوات على الأقل متاحة للمشرعين، ومن المرجح أن يشهد النقاش حولها جدلا حادا وربما مؤثرا. الأداة الأولى هي ما تتيحه «سلطة المال» الدستورية للكونغرس. فإذا لم تتمكن الأغلبية الجمهورية الحالية من تمرير قانون تمويل سنوي قبل نهاية هذه السنة الميلادية، فسيطر الديمقراطيون على تمويل الحكومة للسنة الحالية والسنتين المقبلتين.

ويشمل ذلك بالطبع المخصصات السنوية لإسرائيل البالغة 3.3 مليار دولار، والتي أثار ترامب نفسه الشك حولها في تصريح مفاجئ وغير موضح حتى الآن في يوم الانتخابات. وعلى أقل تقدير، قد تعجل دعوة الرئيس إلى إنهاء المساعدة الأمنية لإسرائيل بخفض كان سيحدث على نحو مطرد على الأرجح في ظل قيادة ديمقراطية.

وسيتمكن الكونغرس الجديد أيضا من إعادة النظر في مجموعة من القيود والمتطلبات المالية، مثل حظر تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، أو القيود على تمويل السلطة الفلسطينية.

ولن يكون تمرير هذه القوانين مسألة صراع حزبي فحسب؛ بل يمكن توقع معارك قوية داخل الكتلة الديمقراطية نفسها حول بعض هذه القضايا. ثم تبقى مسألة أخرى هي ما إذا كانت إدارة ترامب ستلتزم بالقانون في التمويل الذي تتلقاه في النهاية.

يقرأ  لماذا تختلف موجة شراء الذهب في الهند خلال ديوالي هذا العام؟

المجال الثاني الذي يستحق المتابعة هو الرقابة. فبامتلاك الأغلبية، يستطيع الديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ تحديد الأجندة، وتقرير أي إجراءات لإدارة ترامب باتت ناضجة للتحقيق، وتحديد الشهود، واستخدام رئاسة اللجان لقيادة النقاش العام.

وستحرص قيادة الحزب على التركيز على القضايا الأشد إضرارا بالإدارة الحالية وبمرشحيها المحتملين للخلافة، مثل نائب الرئيس جيه دي فانس أو وزير الخارجية ماركو روبيو، مع أقل قدر من الإضرار بوحدة الحزب.

ولأن النظام يقوم على الأقدمية، فإن السيطرة على أجندة لجان الكونغرس القادرة على التحقيق مع الحكومة ستكون بيد أعضاء من المؤسسة الديمقراطية، وهم أقل ميلا من نظرائهم الأحدث أو الأصغر إلى انتقاد العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.

ومع ذلك، يصعب تخيل كونغرس ديمقراطي لا يجري على الأقل رقابة على «مجلس السلام» الذي يرأسه ترامب ومصادر تمويله ونفوذه غير الشفافة. ومن المواضيع المرجحة أيضا مسألة المشاركة الأمريكية في الحرب الحالية مع إيران.

وما تختار الديمقراطية عدم متابعته عبر الرقابة سيكون مهما أيضا: فاستخدام معاداة السامية سلاحا من قبل الكونغرس الحالي والسابق لمهاجمة قطاع التعليم والمجتمع المدني في أمريكا ينبغي أن ينتهي في الكونغرس المقبل. ومع أن قيادة الحزب ستكون حريصة على إيجاد طرق لإظهار أنها ما زالت تهتم بمخاوف حقيقية لدى المجتمع اليهودي، فمن المرجح أن تكون هذه المساعي أكثر ارتباطا بالواقع والأمن المشترك، لا أداة لقمع الخطاب المؤيد للفلسطينيين.

لكن كثيرين في قاعدة الحزب الديمقراطي يريدون منه أن يفعل أكثر بكثير، بما يشمل عقد جلسات استماع حول الدور الأمريكي في تمكين ما يصفونه بالإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وهو موضوع قد يورط مسؤولين كبارا من إدارة بايدن في محاسبة علنية تحرص المؤسسة على تجنبها.

وهنا تصبح تفاصيل نتائج الانتخابات النصفية مهمة فعلا. فمع أنه لا شك في أن مركز الكتلة الديمقراطية في الكونغرس قد تحرك نحو اليسار في الكونغرس الـ120 المقبل، خصوصا في مجلس النواب، فإن حجم الأغلبية يهم.

يقرأ  لماذا قد تتوقف الولايات المتحدة عن جمع بيانات العرق والنوع في أماكن العمل

وكما أظهرت مجالس النواب الجمهورية الأخيرة، فإن الأغلبية الصغيرة تمثل تحديا لرئيس المجلس، لأنها تمنح مجموعة صغيرة من الأعضاء نفوذا كبيرا عبر التهديد بسحب دعمهم من خطوات إجرائية أساسية تحسم عادة على أساس حزبي.

غير أن «الموجة الزرقاء» في الانتخابات النصفية تعني أن الأغلبية الديمقراطية باتت مطمئنة بما يكفي كي لا تضطر القيادة إلى تقديم تنازلات حقيقية تذكر لليسار في الحزب، ما يرجح أن يمهد لشد وجذب متوتر وعلني في الغالب خلال العامين المقبلين، خصوصا عند مناقشة قوانين المخصصات.

باختصار، كانت حملة الديمقراطيين من أجل السلطة التشريعية ناجحة، لكنها تبقى غير مكتملة، خصوصا في مواجهة بيت أبيض متعجرف أبدى اهتماما ضئيلا حتى بالسوابق القانونية الراسخة في احترامه للكونغرس.

وفي الوقت نفسه، فإن كونهم خارج السلطة مكن الديمقراطيين حتى الآن من تفادي قدر من الصراع الداخلي الذي تأخر وقته على قضايا رئيسية مثل السياسة الخارجية تجاه إسرائيل.

قد لا تمنحهم الأغلبية في الكونغرس سيطرة كاملة، لكنها تعني أنهم سيتحملون الآن مسؤولية قرارات السلطة التشريعية. وسواء أظهروا تحولا حقيقيا واستباقيا أو تركوا أنفسهم مقيدين بمحافظة المؤسسة، فقد يحدد ذلك جدوى طريقهم إلى مزيد من النجاح الانتخابي في 2028.

وفي الحالتين، سيراقب الأمريكيون ما يفعله الديمقراطيون وما لا يفعلونه، وكذلك سيراقبهم الجمهوريون الذين من المرجح أن يشهدوا تطورا خاصا بهم في هذه القضايا مع دخول ترامب سنوات «البطة العرجاء» أو أواخر ولايته.

وهذا يجعل التقدم في الكونغرس المقبل مسألة أكثر إلحاحا للديمقراطيين. والتحدي أمامهم بسيط: أن يقدموا قيادة موثوقة تدفع نحو التغيير، أو يواجهوا احتمالا حقيقيا بأن يتفوق عليهم يمين «أمريكا أولا».

هذه الآراء تعبر عن صاحب المقال ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق