أصبحت فنزويلا ثالث أكبر مصدر للخام إلى الهند هذا الشهر، بعد أن أجبرت الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز الدول على البحث بسرعة عن مصادر طاقة بديلة. وفق بيانات تتبُّع شحنات الطاقة، فإن شحنات النفط من فنزويلا إلى الهند ارتفعت بنحو 50 في المئة مقارنة بشهر أبريل.
من المتوقع أن تسافر النائبة التنفيذية الفنزوييية المؤقتة دلسي رودريغيز إلى الهند الأسبوع المقبل لبحث مبيعات النفط، بحسب ما صرّح به ماركو روبيو. تمتلك فنزويلا احتياطيات تُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل — أي ما يقارب 17 في المئة من الاحتياطيات العالمية المعروفة — متفوقة على السعودية والولايات المتحدة، رغم أن سنوات من العقوبات الأميركية وسوء إدارة الحكومة أضعفت الإنتاج في البلاد.
مع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط وشح المعروض النفطي، تبدو واشنطن، التي سيطرت على صناعة النفط الفنزويلية بعد اختطاف الرئيس السابق نيكولاس مادورو من كاراكاس على يد قوات أميركية في يناير، حريصة على إعادة الخام الفنزويلي إلى الأسواق العالمية.
الهند وزيادة مشترياتها من النفط الروسي خلال أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أزعجت واشنطن، التي تقول إن عائدات النفط الروسية تُسهم في تمويل الحرب على أوكرانيا. قبل اندلاع الحرب مع إيران، كان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قد وعد في فبراير بالتوقف عن شراء النفط الروسي والتحول لشراء الخام من الولايات المتحدة وفنزويلا. والآن يقول روبيو، الذي سيزور الهند بين 23 و26 مايو لإجراء محادثات حول التجارة والتعاون الدفاعي وأمن الطاقة، إن واشنطن تريد التأكد من أن نيودلهي تفي بهذا التعهد.
«نريد أن نبيع لهم قدر ما سيشترون»، قال روبيو. «نرى أيضاً فرصاً مع النفط الفنزويلي. وفي الحقيقة، بحسب معلوماتي، فإن الرئيسة المؤقتة لفنزويلا ستزور الهند الأسبوع المقبل كذلك.»
يقول محلّلون إن واشنطن تحاول إعادة تشكيل سلاسل إمداد الطاقة العالمية — بتقليل نفوذ إيران في أي مفاوضات سلام — وفي الوقت نفسه تشد قبضتها على قطاع النفط الفنزويلي.
كيف تأثرت الهند بأزمة مضيق هرمز؟
عادةً ما يُشحن نحو نصف واردات الهند من النفط الخام من منتجين في الخليج عبر مضيق هرمز، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والغاز البترولي المسال. لكن هذا الممر البحري الضيق بات شبه معطّل مع تصاعد الصراع حول إيران. عادت الهند مؤخراً لاستيراد النفط الإيراني في أبريل بعد توقف استمر سبع سنوات إثر تخفيف محدود للعقوبات الأميركية، إلا أن تلك الشحنات توقفت مجدداً هذا الشهر بسبب الحصار البحري الأميركي المستمر على الموانئ الإيرانية.
في الوقت نفسه، تقلّصت الإمدادات من السعودية — التي كانت المورد الثالث للهند سابقاً — إلى نحو النصف، من 670 ألف برميل يومياً في أبريل إلى نحو 340 ألف برميل يومياً هذا الشهر. وأعربت السلطات الهندية عن قلقها بشأن أمن الملاحة في الخليج، خاصة مع وجود 13 سفينة هندية عالقة في المنطقة، وقالت نيودلهي إنها تسعى لتأمين عودة تلك السفن قبل إرسال مزيد من السفن لتحميل شحنات الوقود.
تعرضت عدة سفن مرتبطة بالهند للاستيلاء أو الهجوم قرب مضيق هرمز وسواحل عمان. وغرقت سفينة شحنٍ ترفع العلم الهندي في مياه عمان بعد اندلاع حريق يُشتبه أنه ناجم عن هجوم بطائرة مسيّرة أو صاروخ.
(الجزيرة)
لماذا التحول إلى فنزويلا؟
تملك فنزويلا احتياطيات مثبتة تُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ومع ذلك تنتج الآن أقل من واحد في المئة من المعروض العالمي بعد سنوات من العقوبات الأميركية. في 2007 أمم الرئيس السابق هوغو تشافيز أجزاء واسعة من صناعة النفط، وحوّل أرباح الحقول بعيداً عن الشركات الأجنبية إلى برامج إنفاق اجتماعي. ردت واشنطن تدريجياً بعقوبات شديدة حدّت من قدرة فنزويلا على تصدير النفط والوصول إلى التمويل الدولي.
لا تزال شركة شيفرون الأميركية من بين الشركات الكبرى القليلة العاملة في فنزويلا، وتنتج نحو 250 ألف برميل يومياً عبر مشروعات مشتركة مع شركة النفط الحكومية PDVSA. ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، تقترب إكسون موبيل من اتفاق لإعادة دخول السوق الفنزويلية للمرة الأولى منذ ما يقرب من عقدين.
يرى منتقدون أن حملة واشنطن ضد مادورو لم تكن أبداً مجرد شأن ديمقراطي أو حقوقي، بل كانت تهدف إلى استعادة النفوذ الأميركي على أحد أكبر احتياطات النفط في العالم واستبدال الخام الإيراني بإمدادات فنزويلية — ما قد يفتح باباً للصراع مع طهران. وتخدم استراتيجية إدخال النفط الفنزويلي إلى السوق الدولية أغراضاً عدة لواشنطن: تقليل نفوذ إيران على أسواق النفط العالمية أثناء تفاوضها على صفقة سلام، وفي الوقت نفسه جذب قطاع النفط الفنزويلي مجدداً إلى محور رأس المال الأميركي.
رغم انتقاد رودريغيز علنياً للعملية المدعومة أميركياً التي أزاحت مادورو، فقد لاقت إشادة من الرئيس دونالد ترامب لتعاونها مع واشنطن وتسهيلها اتفاقات نفطية جديدة. وتبقى عائدات النفط من الصفقات الجديدة تحت رقابة آليات تُشرف عليها وزارة الخزانة الأميركية، ويتعين على الشركات المشاركة في التجارة أن تعمل وفق شروط تصدرها واشنطن بموجب تراخيص أميركية.
يشير الخبراء إلى أن الزيارتين المتوازيتين لروبيو ورودريغيز إلى الهند تبرزان كيف صاغت تداعيات الحروب مع إيران وفنزويلا ديبلوماسية الطاقة بصورة متزايدة.
ما هي علاقة الهند بالنفط الفنزويلي؟
للهند علاقات طويلة الأمد مع قطاع النفط الفنزويلي؛ فقد دخلت شركات هندية مملوكة للدولة، بقيادة ONGC Videsh، إلى فنزويلا عام 2008 سعياً للوصول إلى احتياطيات الخام الثقيل. وبحلول 2010 حصلت تجمعات هندية على حصص في مشاريع كبرى، بما في ذلك كارابوبو-1 في حزام أورينوكو النفطي، وفي 2012 تفوقت الهند على الصين كأكبر مستورد آسيوي للخام الفنزويلي.
قبل تشديد العقوبات الأميركية عام 2019 كانت فنزويلا من بين أكبر موردي النفط للهند. لكن العقوبات على PDVSA أجبرت المكرِّرات والتجار الهنود على تقليل مشترياتهم بشكل حاد لتجنّب عقوبات ثانوية من الولايات المتحدة. تغير هذا بعد أن وقّعت السلطات المدعومة من واشنطن في كاراكاس اتفاقية جديدة لتوريد النفط مع الولايات المتحدة عقب إزاحة مادورو في يناير، إذ سُمح لعدد محدود من الشركات بشراء الخام الفنزويلي مباشرة من PDVSA.
يتناسب النفط الفنزويلي بشكل خاص مع مجمع مصفاة ريلاينس العملاق في جامناجار بولاية غوجارات، وهو من المرافق القليلة القادرة على معالجة الخام شديد الثقل بكفاءة. ومع ذلك، فعدد قليل من المكرِّرات الهندية مجهز لمعالجة النفط الثقيل الغني بالكبريت المستخرج في فنزويلا.
وإجمالاً، زودت فنزويلا الهند بحوالي 417 ألف برميل يومياً هذا الشهر، مقارنةً بـ283 ألف برميل يومياً في أبريل، بحسب بيانات شركة Kpler. ولم تكن هناك شحنات فنزويلية إلى الهند خلال الأشهر التسعة السابقة. ومع ارتفاع إجمالي واردات الهند من الخام هذا الشهر إلى نحو 4.9 مليون برميل يومياً في ظل أزمة الإمدادات العالمية، يأمل كل من رودريغيز وروبيو في إبرام صفقة تمهّد لاستمرار هذا التدفق المتزايد من الصادرات النفطية.