الإدارة الأمريكية تتّهم راؤول كاسترو بارتكاب جرائم جنائية مرتبطة بإسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996
أصدرت إدارة الرئيس دونالد ترامب لائحة اتهام جنائية ضد راؤول كاسترو، زعيم سابق في كوبا، تتعلق بإسقاط طائرتين مدنيتين أودى الحادث بحياة أربعة أشخاص. أعلن هذا التطور التنفيذي النائب العام بالإنابة تود بلانش في خطاب ألقاه من برج الحرية في ميامى، واصفاً الاتهام بـ«اللحظة التاريخية» التي تُحمل معنى مساءلة قيادات نظام كوبا عن أعمال عنف أودت بحياة مواطنين أمريكيين.
«لأول مرة منذ نحو سبعين عاماً تُوجَّه تهم للقيادة العليا للنظام الكوبي في هذا البلد، في الولايات المتحدة الأمريكية، عن أعمال عنف أسفرت عن مقتل مواطنين أمريكيين»، قال بلانش، مضيفاً: «لا يجوز أن تُستهدف شعوب أميركا أو تُقتل دون أن تُحاسَب الدول وقادتها».
الملف والآثار الدبلوماسية
اللائحة الموجّهة إلى راؤول كاسترو وخمسة متهمين آخرين تزيد من حدة التوتر بين واشنطن و(كوباا). منذ عودته إلى البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية، شدد ترامب العقوبات وفرض عملياً حصاراً على وقود الجزيرة في إطار سياسة تهدف إلى دفع تغيير قيادي في هافانا. وقال ترامب إن «أمريكا لن تتسامح مع دولة مارقة تقوم بعمليات عسكرية واستخباراتية وإرهابية عدائية تبعد تسعين ميلاً عنا. لن نهدأ حتى ينال شعب كوبا حريته مرة أخرى».
رد فعل الولايات المتحدة شمل أيضاً تصريحات من وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي سجّل بياناً مصوّراً على منصة X خاطب فيه الشعب الكوبي، وحمّل القيادة مسؤولية الأزمة الاقتصادية والإنسانية الحالية، مؤكدًا عرض الإدارة الأميركية تقديم 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية مقابل إصلاحات سياسية.
من جهتها وصفت السلطات الكوبية، وعلى رأسها الرئيس ميغيل دياز-كانيل، إسقاط الطائرتين عام 1996 بأنه «عمل دفاع مشروع عن النفس»، قائلة إن لدى هافانا وثائق كثيرة تثبت عدم ارتكاب أفعال متهورة أو انتهاك القانون الدولي.
في السياق الأوسع، يرى منتقدون أن لائحة الاتهام تأتي ضمن مسعى أمريكي إعادة هيكلة النفوذ عبر ضغوط اقتصادية ودبلوماسية — وصفه هؤلاء بأنه شكل من أشكال النيوقيامة — في حين تؤكد واشنطن أنها تسعى للمساءلة وحماية مواطنيها.
كيف يتوافق الاتهام مع الاستراتيجية الأمريكية؟
تتركز الدعوى بحق كاسترو (94 عاماً) على حادث إسقاط الطائرتين اللتين كانتا تشغّلهما مجموعة من المنفيين الكوبيين مقرّها ميامي تُعرف بـ«إخوة من أجل الإنقاذ». ويقول منتقدو القرار إن الخطوة تتماشى مع تكثيف الضغوط الاقتصادية منذ عقود، بما في ذلك الحصار التجاري الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا منذ ستينيات القرن العشرين، وخصوصاً الإجراءات الأكثر تشدداً في يناير الماضي عندما قطعت واشنطن تبادل الأموال والوقود بين فنزويلا وكوبا وهددت بفرض عقوبات على أي دولة تزود الجزيرة بالوقود، ما أدى فعلياً إلى تقليص واردات النفط الأجنبية وشتّت إمدادات الطاقة، وتسبّب في انقطاعات واسعة للكهرباء وأزمات اقتصادية متفاقمة.
ورغم أن راؤول كاسترو أنهى رئاسته عام 2018، إلا أنه لا يزال شخصية نافذة في السياسة الكوبية بعد وفاة أخيه فيدل عام 2016، علماً أن شقيقَيْهما قادَا الثورة الكوبية عام 1959 التي أسست لحكم شيوعي مستمر على الجزيرة.
وبحسب النص الأصلي، فإن تصاعد التركيز الأمريكي على كوبا تزامن مع أحداث في فنزويلا منذ «اختطاف» الرئيس نيكولاس مادورو وتولي واشنطن لقطاع النفط الفنزويلي، ما أعاد دفع الولايات المتحدة إلى محاولة فرض تغييرات في النظام الكوبي وربما التفكير في خيارات أكثر قوة، على حد تصريحات وردت في الإعلام الأميركي. لكن ردّ وزارة الخارجية الكوبية على الضغوط جاء حازماً؛ فقد قال وزير الخارجية برونو رودريغيز إن كوبا «على الرغم من الحصار والعقوبات وتهديدات استخدام القوة، مستمرة في مسار السيادة نحو تنميتها الاشتراكية».
من هو راؤول كاسترو؟
ولد راؤول كاسترو عام 1931 ولعب دوراً محورياً إلى جانب أخيه فيدل في حملة التمرد التي أطاحت بالديكتاتور المدعوم من الولايات المتحدة فولخينسيو باتيستا. ساهم لاحقاً في صد غزو خليج الخنازير عام 1961، وشغل منصب وزير القوات المسلحة من 1959 حتى 2008، مما يجعله من أطول وزراء الدفاع خدمة في العالم. كما كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي بين 1965 و2021. تولى رئاسة الجمهورية خلفاً لأخيه فيديل في 2008 وبقي حتى 2018، لكنه ظل يمارس نفوذاً كبيراً خلف الكواليس بعد التنحّي.
خلال رئاسته حصل تقارب دبلوماسي مع واشنطن في عهد الرئيس السابق باراك أوباما؛ أعرب كاسترو في مقابلة عام 2008 عن رغبة في احترام متبادل وعلاقات جيدة مع الشعب الأمريكي، وظهر يداً بيد مع أوباما في مراسم تأبين نلسون مانديلا عام 2013، ثم أعلنت حكومتا البلدين في العام التالي خطوات لإعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح سفارات بعد عقود من العداء. زار أوباما هافانا عام 2016 كأول رئيس أمريكي في منصبه يزور الجزيرة منذ 88 عاماً. لكن العلاقات تدهورت مجدداً خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، إذ فرضت واشنطن عقوبات على راؤول كاسترو عام 2019 ومنعته من دخول الولايات المتحدة بسبب دعم هافانا لحكومة مادورو واتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان.
بماذا يُتهم راؤول كاسترو تحديداً؟
وجّهت إليه تهمتين تتعلقان بتدمير طائرة واحدة؟ لا— في الواقع اللائحة تتضمّن تهمة مؤامرة لقتل مواطنين أمريكيين، وأربع تهم قتل، وتهمتين بتدمير طائرتين. في عام 1996، حين كان كاسترو وزيراً للدفاع، أُسقِطت طائرتان تابعتان لمنظمة منفيين كوبية تطوّعية مقرّها ميامى باسم «إخوة من أجل الإنقاذ»، وأسفرت الحادثة عن مقتل أربعة أفراد هم: كارلوس كوستا، أرمندو أليخاندري الابن، ماريو دي لا بينا، وبابلو موراليس.
تذكر المنظمة أنها كانت تبحث في مضيق فلوريدا عن مهاجرين كوبيين يحاولون الفرار وأحياناً تطير قرب الأجواء الكوبية. وتبرر هافانا إسقاط الطائرات بأنه رد مشروع على تكرار انتهاك المجال الجوي لها، وأن الجيش تلقّى «أوامر ثابتة» بإسقاط أي طائرات تخترق الأجواء الكوبية، مع تأكيد فيدل كاسترو آنذاك أن راؤول لم يصدر الأمر شخصياً.
واستنكرت واشنطن الحادثة وفرضت عقوبات، لكنها آنذاك امتنعت عن توجيه تهم جنائية لأي من الأخوين كاسترو — إلى أن جاء هذا التحرك القضائي الحالي. في عام 2003، وجهت وزارة العدل تهمًا إلى ثلاثة ضباط عسكريين كوبيين على خلفية الحادثة، رغم أن أياً منهم لم يُسلم إلى الولايات المتحدة. وخلصت منظمة الطيران المدني الدولي فيما بعد إلى أن الطائرات أُسقطت فوق مياه دولية.
ويرى منتقدون، من بينهم دياز-كانيل، أن لائحة الاتهام الجديدة تعكس حملة أوسع تقودها واشنطن ضد قيادة كوبا. «هذه مناورة سياسية، خالية من أي أساس قانوني، تهدف فقط إلى تضخيم الملف الذي يختلقونه لتبرير حماقة عدوان عسكري على كوبا»، كتب دياز-كانيل يوم الأربعاء.
ظهرت تقارير إعلامية تفيد بأن ترامب يرغب في إزاحة دياز-كانيل من رئاسة كوبا لصالح شخصية أخرى. ومع أن إدارة ترامب لم تحدد مرشحًا مفضلاً، تشير التقارير إلى أنها أُجرت محادثات مع شخصيات مثل راؤول “راوليتو” رودريغيز كاسترو — حفيد راؤول كاسترو — وابنه أليخاندرو كاسترو إسبين. إلا أن لائحة الاتهام قد تعرّض أي مفاوضات مستقبلية مع قادة كوبيين رفيعي المستوى للخطر.
ما مدى أهمية هذه الخطوة؟
تُعيد لائحة الاتهام ضد راؤول كاسترو إلى الأذهان قضايا جنائية سابقة في الولايات المتحدة استهدفت زعماء أجانب مثل مادورو. ففي عام 2020، على سبيل المثال، وجهت إدارة ترامب إلى مادورو اتهامات بالإرهاب المرتبط بالمخدرات وتجارة المخدرات. وبعد شن غارة عسكرية في 3 يناير على كاراكاس لاعتقال مادورو، عدّلت الإدارة تلك اللائحة وصوّرت العملية على أنها إجراء لتطبيق القانون ضروري لإحضار الرئيس الفنزويلي إلى العدالة. يُذكر أن مادورو محتجز حاليًا في نيويورك، حيث ندد ببراءته من تهم الاتجار بالمخدرات وحيازة أسلحة.
اتهم ترامب مرارًا حكومة كوبا بالفساد وحذر هافانا قائلًا: «كوبا التالية» بعد العمليات العسكرية ضد إيران وفنزويلا. وقد غذّت لائحة الاتهام يوم الأربعاء تكهنات بين المنتقدين بأن ترامب قد يمهد لعملية مماثلة لإزاحة الحكومة الشيوعية في كوبا عن السلطة.
مع ذلك، قال خافيير فارجي، صحفي ومؤرخ مختص بشؤون أمريكا اللاتينية، للجزيرة إنه يعتقد أن استراتيجية واشنطن أقرب إلى إجراء تحول سياسي‑اقتصادي تدريجي. «أشكّ أن تغيير النظام أولوية للولايات المتحدة. أنظروا إلى ما حدث في فنزويلا»، قال فارجي مشيرًا إلى تعامل واشنطن مع ملف مادورو وكيف لم يتحقق تغيير جذري في البنية الحكومية رغم الضغط. وأضاف أن خطاب ترامب الصارم قد يكون جزءًا من استراتيجية تفاوضية لاستخلاص تنازلات من حكومة كوبا.
«أعتقد أن ترامب وروبيو يلعبان دور الشرطي الجيد والشرطي السيئ؛ روبيو يبدو أكثر ميلاً للتفاوض ومناقشة القضايا»، قال فارجي. «هناك ضغط للإفراج عن السجناء وفتح الاقتساد أمام قطاع النفط». كما أشار إلى أن هناك مخاطر سياسية حقيقية في الانخراط في صراع عسكري مع كوبا: الضغوط الاقتصادية على الجزيرة أدت بالفعل إلى موجات هجرة جماعية إلى الولايات المتحدة، وقد يؤدي أي قتال إلى تفاقم هذه المشكلة، مما يقوّض جهود ترامب لتقييد الهجرة. «لو وقع هجوم على كوبا، لكان ذلك سيؤدي إلى فيضان من اللاجئين إلى أمريكا، وهذا ليس ما يريده ترامب»، قال فارجي.
وبينما تسعى إدارة ترامب إلى إضعاف حكومة كوبا، فهي في الوقت نفسه تعمل على تقوية القطاع الخاص في البلاد. وأوضح فارجي أن هذا الاعتبار يشكل عاملًا رئيسيًا في حسابات الإدارة عند التخطيط لخطوتها التالية. حاليًا تسمح السياسات الأمريكية بتصدير الديزل إلى القطاع الخاص الصغير في كوبا، مع إبقاء القيود على الكيانات التي تديرها الدولة.
«أشعر أن فكرة روبيو هي محاولة إحداث تغيير داخل كوبا عبر الأدوات الاقتصادية وتقوية القطاع الخاص هناك، الذي لا يزال صغيرًا لكنه أصبح ذا تأثير»، ختامًا قال فارجي.