تصريحات السير مارك راولي الأخيرة بأن بعض التظاهرات المؤيدة لفلسطين في لندن «ترسل رسالة تبدو وكأنها معاداة للسامية» تمثل أحدث دليل على اتجاه خطير في الحياة العامة البريطانية: خلط معاداة السامية مع نقد دولة إسرائيل.
قائد شرطة العاصمة ألمح إلى أن بعض منظمي المسيرات يتعمدون تمريرها قرب دور العبادة اليهودية بغرض ترهيب الجاليات. أي محاولة حقيقية لترهيب اليهود يجب أن تُؤخذ بجدية تامة. معاداة السامية موجودة، وخطيرة، وتتزايد في بريطانيا وفي أجزاء من أوروبا، ويجب مواجهتها بحزم أينما ظهرت.
لكنّ بريطانيا تدخل أرضاً مقلقة حين تُعامل المظاهرات ضد تدمير غزة، أو الاعتراض على عنف الدولة الإسرائيلية، أو التعبير عن الحزن الفلسطيني، كممارسات سياسـية مريبة بطبيعتها، بل ومناهضة للسامية في جوهرها.
السؤال لم يعد مجرد كيف تكافح بريطانيا معاداة السامية؛ بل أصبح ما إذا كانت لا تزال قادرة على التمييز بين كراهية اليهود والاعتراض على سياسات الحكومة الإسرائيلية.
هذا التمييز ذو أهمية بالغة، ليس فقط للفلسطينيين بل وللجاليات اليهودية أيضاً.
بالنسبة للفلسطينيين، فإن في هذا المشهد أموراً مؤلمة ومألوفة. كثيرون تربوا على سردية تفيد بأن تهجيرهم كان مأساوياً لكنه ضروري؛ أن تدمير قراهم وفقدان بيوتهم وتحولهم إلى لاجئين مُبرر بحاجة آخرين للأمن والدولة.
أجيال كاملة نشأت داخل هذا المنطق. كانت كارثتهم تُعترف بها طالما بقيت ثانوية أمام صدمة تاريخية أخرى. في خيال غربي واسع، كان معاناة الفلسطينيين تُصنّف أخلاقياً في مرتبة مختلفة: مرئية بما يكفي للنقاش، لكن نادراً ما تُزعج الراحة السياسية.
الآن، مع استمرار تدمير غزة أمام أنظار العالم، يجد فلسطينيون في بريطانيا والغرب أن مجرد الحديث عن حزنهم وغضبهم وخسارتهم يُعامل بشكل متزايد كمصدر إزعاج يجب ضبطه وإدارته.
طوال أكثر من عامين ونصف، شهد العالم مشاهد من غزة وصفها خبراء قانونيون ومنظمات حقوق الإنسان وباحثون في الإبادة الجماعية بمصطلحات كانت تُستخدم سابقاً في كتب التاريخ: التطهير العرقي، العقاب الجماعي، الإبادة، والإبادة الجماعية.
مناطق بكاملها محيت من الخريطة. عائلات محيت. مستشفيات دمرت. صحافيون قتلوا. مدنيون جُوِّعوا تحت حصار. أطفال انتُشلوا جثثاً من تحت الأنقاض بأعداد تجعل حجم الكارثة يتجاوز قدرة الفهم.
ومع ذلك، في بريطانيا انشغل الكثير من الحديث السياسي والإعلامي أقل ما يترجم بالتركيز على التدمير ذاته، وأكثر بالتهديد المزعوم الذي يمثّله المحتجون ضده.
مئات الآلاف خرجوا مطالبين بوقف إطلاق النار، ووقف الدعم العسكري والسياسي البريطاني لإسرائيل، ومحاسبة ما تعتبره جماعات ومنظمات دولية الكثيرين منها جرائم ضد الإنسانية تُرتكب على مرأى ومسمع.
ضمت هذه التظاهرات يهوداً ومسلمين ومسيحيين وملحدين وطلاباً ومتقاعدين ونقابيين وناجين من الهولوكوست وأناساً يحملون ضمائر ولا صِلة شخصية لهم بالمنطقة. ومع ذلك، لا تزال قطاعات واسعة من النخبة السياسية والإعلامية البريطانية تصور هذه المسيرات على أنها خطيرة بطبيعتها، ومثيرة للريبة أخلاقياً، ومناهضة للسامية بحكم التعريف.
الإيحاء صار صعب التغاضي عنه: يتم التعامل مع الخطاب والتظاهر المؤيد للفلسطينيين كخطر بغض النظر عن سياقهما أو مضمونهما، وبالتالي كأمر ينبغي احتواؤه أو إسكاته.
ثمة جدل مشروع حول النظام العام، والشرطة، والتوترات المجتمعية. لجاليات اليهود كل الحق في الشعور بالأمان والحماية، خاصة في وقت تزايدت فيه الحوادث المعادية للسامية. ولا ينبغي لأي مجتمع متحضر أن يتسامح مع التهديدات ضد اليهود، تماماً كما لا ينبغي أن يتسامح مع كراهية المسلمين أو العنصرية الموجهة لأي مجتمع آخر.
لكن ثمّة فرق جوهري بين معاداة السامية والانزعاج. بين الكراهية والمعارضة السياسية. وبين تهديد مجتمع والاحتجاج على دولة تتهمها منظمات دولية وخبراء قانونيون بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وربما إبادة جماعية.
هذا التمييز بات ضبابياً بشكل متزايد في الخطاب العام البريطاني.
وأخطر ما في الأمر أن الإطار المستمر الذي يصور التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين على أنها بطبيعتها معادية للسامية يعزّز بالضبط الخلط الذي يدّعي القادة السياسيون معارضته.
معاملة الاحتجاجات ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية تلقائياً بوصفها عداءً لليهود تلمّح إلى أن الهوية اليهودية بطبيعتها لا تفترق عن سلوك الدولة الإسرائيلية. وهذا neither عادلٌ ولا دقيق — (ملاحظة: سقطت ترجمة جزئية هنا).
كثير من اليهود في بريطانيا وحول العالم أعربوا عن معارضتهم لحرب إسرائيل على غزة. سار كثيرون جنباً إلى جنب مع الفلسطينيين في المظاهرات. أصبهم الرعب من حجم الدمار والمعاناة المدنية. يدركون أمراً أساسياً تكافح أجزاء من النخبة السياسية والإعلامية البريطانية لفهمه: نقد دولة ليس معاداة لشعب.
عادة ما تفهم بريطانيا هذا التمييز جيداً. فالنقد الموجَّه لروسيا لا يُعامل دائماً ككراهية تجاه الروس. ومعارضة الحروب الأميركية لا تُصوَّر تلقائياً كعداء تجاه الشعب الأميركي. والاحتجاج على سياسات الحكومة الصينية لا يُفترض أنه عنصرية ضد الصينيين.
فقط عندما يتعلق الأمر بإسرائيل يتهاوى هذا التمييز مراراً.
وهذا الانهيار له عواقب.
إذا واصل الناس سماع أن الاحتجاجات ضد أفعال إسرائيل بطبيعتها معادية للسامية، فسوف يبدأ بعضهم، حتماً، بربط اليهود جماعياً بتلك الأفعال. بعيداً عن حماية الجاليات اليهودية، فإن ذلك يخاطر بتغميق التوترات وإحداث لبس في لحظة تكون فيها الحاجة إلى الوضوح أكبر من أي وقت مضى.
لدى القادة السياسيين، وسلطات الشرطة، والمؤسسات الإعلامية مسؤولية خاصة في رسم الفوارق بعناية، لا محوها.
عليهم أن يواجهوا معاداة السامية مباشرة وبدون مواربة أينما ظهرت. وفي الوقت نفسه يجب عليهم الدفاع عن الحق الديمقراطي في الاعتراض على جرائم الحرب، والتظاهر ضد ذبح المدنيين، والتحدّث علناً عن معاناة الفلسطينيين دون أن يُنظر إلى ذلك تلقائياً بمنظار الشبهة.
قمع المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين لن يقلل التوترات في بريطانيا. وكذلك تصوير المظاهرات المناهضة للحرب على أنها مهددة بشكل فريد لمجرد أنها تركز على إنسانية الفلسطينيين لن يحل شيئاً.
ما تشهده شوارع بريطانيا ليس غضباً عابراً فحسب؛ كثير منه رعب أخلاقي.
ملايين الناس حول العالم أمضوا شهوراً يشاهدون ما يعتقدون أنه إبادة جماعية تتكشف لحظة بلحظة.
الديمقراطية السليمة ينبغي أن تكون قادرة على التمييز بين الكراهية ورفض الصمت أمامها.
وجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.