بعد أن اقتحم جنود إسرائيليون جامعة بيرزيت قرب رام الله ليهدموا نصبًا حجريًا مخصصًا لطلاب قتلوا، عادت رانيا وشاحا، 47 عامًا، إلى الشعور بألم الفقد من جديد. وكان شقيقها فادي، 34 عامًا، قد أصيب برصاصة في الرأس أطلقها عليه جندي إسرائيلي قرب المدخل الشمالي لمدينة البيرة في وسط الضفة الغربية في أيار/مايو 2021. وكان اسمه من بين 38 طالبًا من الجامعة قتلتهم إسرائيل، وقد كُتبت أسماؤهم على العمود الحجري المعروف بنصب الشهداء.
اقتحم الجنود الإسرائيليون الحرم الجامعي في فجر الاثنين برفقة عشر مركبات عسكرية. وهدمت جرافة العمود، وأخذ الجنود الحجر الرخامي. وفي مكانه تركت إسرائيل أصيصًا فيه شتلة تين، وعليه عبارة: «اسقها مرتين».
استهداف الجامعة
هذا الاقتحام هو الخامس الذي تشهده الجامعة منذ بداية عام 2026، والثامن والعشرون منذ عام 2002. واستنكرت إدارة جامعة بيرزيت الاقتحام الأخير، ووصفت تدمير نصب الشهداء بأنه انتهاك للقانون الدولي واعتداء على التعليم والذاكرة الوطنية.
وأكدت الجامعة في بيان لها: «لن تمحو الجرافات ذكرى الشهداء، ولن تطفئ المركبات العسكرية نور المعرفة، ولن تكسر هذه الاعتداءات إرادة الجامعة في مواصلة رسالتها الأكاديمية والوطنية».
وجاء ذلك بعد عشرة أيام من اقتحام آخر نفذته القوات الإسرائيلية في وضح النهار، قبل يوم واحد من بدء الفصل الدراسي الخريفي الجديد.
وقالت نردين الميمي، مسؤولة العلاقات العامة والإعلام في الجامعة، للجزيرة إنه خلال الدقائق القصيرة التي استمر فيها الاقت9حام، اقترب الجنود الإسرائيليون من النصب للمرة الأولى وصوروه.
أقيم نصب الشهداء بين عامي 1994 و1996، ويحمل أسماء طلاب وخريجين في بيرزيت قتلتهم القوات الإسرائيلية. وتبدأ القائمة بشرف الطيبي، الذي قتلته قوات الاحتلال بالرصاص داخل الحرم الجامعي عام 1984. وأضيفت أسماء طلاب وخريجين آخرين خلال السنوات التالية.
وقالت نردين: «آخر اسم نُقش على النصب كان اسم الطالب عمر النعسان، الذي قتلته الجنود في المغيّر شرق رام الله في الثاني من أيلول/سبتمبر أثناء تصديه لاقتحامات المستوطنين. وبعد أيام من مقتله، جاء والده وكتب اسم ابنه بنفسه على النصب».
ونظم طلاب الجامعة احتجاجًا عند موقع النصب المهدوم بعد ظهر الثلاثاء، ورأى معظمهم أنه محاولة إسرائيلية لترهيبهم.
وقال سامي عادل، وهو طالب في بيرزيت طلب استخدام اسم مستعار خوفًا من اعتقاله، للجزيرة إن النصب له مكانة في قلب كل من درس في الجامعة منذ التسعينيات. وأضاف أن إسرائيل حاولت في السنوات الأخيرة قمع أي نشاط طلابي يهدف إلى إحياء ذكرى الشهداء.
وقال: «احتجزني الجنود عدة ساعات قبل ثلاثة أسابيع وهددوني بأنني إذا شاركت في أي نشاط طلابي سياسي داخل الحرم الجامعي فسأواجه اعتقالًا طويلًا وقاسيًا».
محو الذاكرة
إزالة النصب جزء من سياسة إسرائيلية أوسع تستهدف النصب التذكارية المخصصة لفلسطينيين قتلتهم إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة. وقد جعل اليمين الإسرائيلي المتطرف هذه القضية جزءًا من حملته لمحو علامات الهوية الفلسطينية.
ودمّر تسفي سوكوت، عضو الكنيست عن حزب الصهيونية الدينية، نصبًا مماثلًا في قرية مدما جنوب نابلس بمطرقة كبيرة في آب/أغسطس. وقال الجيش الإسرائيلي لاحقًا إنه يزيل بشكل روتيني «رموز التحريض».
وقدم وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قائمة تضم نحو 40 نصبًا تذكاريًا فلسطينيًا إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واقترح تدميرها.
وهناك استهداف أوسع للرموز المدنية والثقافية في أنحاء الضفة الغربية، وخاصة في جنين، من قبل السلطات الإسرائيلية.
أُزيل نصب «حصان جنين»، الذي بُني من حطام اقتحام إسرائيلي للمدينة. كما استُهدف نصب تذكاري مخصص للصحفية في الجزيرة شيرين أبو عاقلة في جنين عام 2023. كما اقتحم إسرائيليون من مستوطنات غير قانونية مقبرة تضم جثامين جنود عراقيين قتلوا خلال حرب 1948، وتقع أيضًا في جنين. واستُهدفت معالم أخرى راسخة في الذاكرة الجماعية للمدينة، من بينها «دوار البطيخ».
سحق المقاومة
تزامن استهداف إسرائيل للذاكرة الجماعية الفلسطينية مع حملة قمع أوسع في الضفة الغربية المحتلة. وكانت الجامعات الفلسطينية هدفًا خاصًا في حملة الضغط هذه، إذ اقتحمت الحرم الجامعي، واعتقل طلاب، وفُرضت قيود صارمة على الأنشطة والفعاليات داخل أسوار الجامعات.
ومن المرجح أن تركز السلطات الإسرائيلية على الجامعات الفلسطينية لأنها تحمل أهمية خاصة للمقاومة الفلسطينية. فقد كانت تاريخيًا فضاءات لنشاط مناهض للاحتلال، وشكلت جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي الفلسطيني لعقود.
وقال المحلل السياسي محمد القيق، الذي كان رئيسًا لمجلس اتحاد الطلبة في جامعة بيرزيت بين عامي 2006 و2007، للجزيرة إن إسرائيل استهدفت كتابًا ومؤثرين وناشطين، إلى جانب الطلاب، لردع أي مقاومة للاحتلال.
وقال إن الجامعات كانت تاريخيًا «ركيزة أساسية» للصمود والهوية الفلسطينيين. وأضاف: «سعت إسرائيل أيضًا إلى إضعاف التماسك السياسي والاجتماعي الفلسطيني داخل الجامعات من خلال تعميق الانقسامات بين الفصائل وخلق الفوضى».
تذكر فادي
بالنسبة لرانيا، كان النصب يثبّت أسماء الطلاب الشهداء في أذهان الجيل التالي من طلاب بيرزيت، ومن بينهم أخوها. قالت للجزيرة: «لا أستطيع أن أنكر أنني شعرت بموجة من الحزن عندما هُدم النصب. أدركت أن الهدف لم يكن مجرد اقتلاع جسم مادي؛ شعرت بالعنف المكبوت الذي تمارسه إسرائيل ضدنا».
النصب، الذي بُني عام 1996، كان قائمًا في الحرم الجامعي عندما درس فادي في جامعة بيرزيت. وقد اعتُقل مرات عدة، وقضى ما مجموعه ثماني سنوات في الاعتقال، ومنعت إسرائيل فادي من فرصة ارتداء ثوب التخرج.
قالت رانيا: «لم يكمل حتى عامين من الدراسة بسبب الاعتقالات المتكررة والإصابات الناتجة عن رصاص الجنود». ومع ذلك، كان يحب جامعة بيرزيت حبًا كبيرًا، وكان يقف عند النصب التذكاري يتأمل أسماء الطلبة الشهداء، من دون أن يعلم أن اسمه هو أيضًا سيُضاف يومًا إلى أسمائهم.
وفي هذا العام، سجّل ابن رانيا في جامعة بيرزيت طالبًا في السنة الأولى. وقبل بدء الدروس بقليل في أيلول الماضي، اتصل به ضابط إسرائيلي وهدده إن شارك في أي نشاط طلابي داخل الحرم الجامعي. وحذره قائلًا: «تذكر ما فعلناه بعمك».